من «التمثيل والمحاضرة» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
الليل والنهار والأيام
الليالي حبلى، ليس يدرى ما تلد. الليل أخفى للويل. الليل نهار الأديب. اتخذ الليل جملاً. شمر ذبلاً، وادرع ليلاً. ما أقصر الليل على الراقد. ما أشبه الليلة بالبارحة.
وليل المحبّ بلا آخر
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي
هذا أمرٌ دبر بليل. أمر نهارٍ قضي ليلاً.
إحدى لياليك فهيسي هيسي
يضرب لمن ينزل به الأمر الشديد، الذي يحتاج فيه إلى أن ينصب ويتعب. الليل أعور؛ أي لا يبصر فيه. ليلنا عنده سحرٌ كله، ويومنا ضحىً إلى آخره. كم قدر مدة الأعمار مع هدم الليل والنهار. من كان الليل والنهار مطيته فإنه يسار به وإن لم يسر. الليل والنهار غرسان يثمران للبرية ضروب البلية.
وهل يخفى على النّاس النّهار
المتنبي:
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌإذا احتاج النّهار إلى دليل
ابن المعتز:
يا ربّ ليلٍ سحر كلهمفتضح البدر عليل النّسيم
يلتقط الأنفاس برد الندىفيه فيهديه لحرّ السّموم
إن اللّيالي لم تحسن إلى أحدٍإلا أساءت إليه بعد إحسان
آخر:
ولن يلبث العصران يومٌ وليلةٌإذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
أما ترى اللّيل والنّهاراجارين لا يبقيان جارا
لم يجريا لامرىءٍ بسعدٍإلا بنحسٍ عليه دارا
إذا ما تقاضى المرء يومٌ وليلةٌتقاضاه شيءٌ لا يملّ التّقاضيا
إنّ اللّيالي للأنام مناهلٌتطوى وتبسط بينها الأعمار
فقصارهنّ مع الهموم طويلةٌوطوالهنّ مع السّرور قصار
أشاب الصغير وأفنى الكبير كرّ الليالي ومرّ العشيّ
إذا هرّمت ليلةٌ يومهاأتى بعد ذلك يومٌ فتيّ
أدبه الليل والنهار من لم يؤدبه والداه. يوم السرور قصير. اليوم خمرٌ وغداً أمر. اليوم عيشٌ وغداً جيش. اليوم فعلٌ، وغداً ثواب. ما يوم حليمة بسرّ. ليس يومي بواحدٍ من ظلوم. يومٌ لنا، ويومٌ علينا. من برّ يوماً برّ به.
وفي الليالي والأيّام معتبر
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى
من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد لها. مع اليوم غدٌ، ومع السبت أحد.
إن غداً لناظره قريب
وهل يستبان الرّشد إلا ضحى الغد
قال الله تعالى: " وتلك الأيام نداولها بين الناس ". لكل قومٍ يوم. أيام العمر اقل من أن تحتمل الهجر. لا تبع يوماً صالحاً بيومٍ طالح. يأتيك كل غدٍ بما فيه. لكل غدٍ طعام. لكل صباحٍ صبوحٌ، ولكل عشاءٍ غبوقٌ. أمسك ماضٍ، ويومك مستقبلٌ، وغدك مبهمٌ. اليوم عمل، وأمس أجلٌ، وغداً أملٌ.
واله ما أمكن يومٌ صالحٌإن يوم الشرّ لا كان عتيد
أيّام لا أدري وإن سألتما نسك يوم جمعةٍ من سبت
شهورٌ ينقضين وما شعرنابأنصافٍ لهن ولا سرار
أبو تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلهافكأنها وكأنهم أحلام
وأيّام الهموم مقصّصاتٌوأيّام السّرور تطير طيرا
لا تحملنّ هموم أيّام علىيومٍ لعلّك أن تقصّر عن غده
عيش الفتى كلّه يومٌ يسرّ بهفانعم هنيّا فإن الحين قد قربا
لا تركننّ إلى فكرٍ ليوم غدٍفكلّ همٍّ لأمسٍ عنك قد ذهبا
النص من طبعة الدار العربية للكتاب (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع