تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الحادي والعشرون الحياء والسكوت، وقلّة الاسترسال، والعزلة، والستر والخمول، وسلامة الجانب، والتواضع، وهضم النفس ونحو ذلك

النبي ﷺ: لكل دين خلق، وخلق الإسلام الحياء، وعنه ﵊: الحياء شعبة من الإيمان. وعنه: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

أبو هريرة ﵁، رفعه: الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار.

علي ﵁: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه.

أبو موسى الأشعري: إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة فأحني صلبي حياء من ربي.

عبد الواحد بن زيد: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون.

كان عتبة الغلام يدخل في الصلاة في مئزر، فيخرج وقد

تصبب عرقا؛ فقيل له في ذلك، فقال: حياء من ربي.

الأسود بن يزيد: إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل ذنب فيعفو له عنه، وهو يستحي أن ينظر في وجهه أيام حياته، فالله أحق أن يستحيا منه.

النظّار الفقعي:

يعيش المرء ما استحيا كريماويبقى العود ما بقي اللحاء
وما في أن يعيش المرء خيراإذا ما المرء فارقه الحياء

أعرابي: لا يزال الوجه كريما ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن نضيرا ما بقي لحاؤه.

آخر: الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء.

آخر: رونق صحيفة الوجه عند الحياء كفرند صفيحة السيف عند الجلاء.

آخر: ما المتبختر في وشي ردائه بأحسن من المتقارب في قيد حيائه.

رسطاليس: من استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده.

النبي ﷺ: رحم الله امرأ ملك فضل لسانه، وبذل فضل ماله.

وقال عقبة بن عامر: يا رسول الله ما النجاة؟ قال: يا عقبة أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك.

أبو الدرداء: أنصف من فيك أذنيك، فإنما جعل لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تقول.

كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرا ويطيل السكوت، فقال له يوما: مالك لا تتكلم، ولا تسأل عن مسألة؟ قال: أخبرني أيها القاضي متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس، قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فتبسم وتمثل ببيت جرير:

وفي الصمت ستر العبي وإنماصحيفة لب المرء أن يتكلما

وهب: إذا كان في الصبي خلقان: الحياء والرهبة طمع في شده.

عمران بن حصين رفعه: الحياء خير كله.

[شاعر]:

ما إن دعاني الهوى لفاحشةإلّا نهاني الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يديولا مشت بي لريبة قدم

الكاتب العبرتاي:

وإني لأغضى من رجال على القذىمرارا وما من هيبة لهم أغضي
ولكنني أقني الحياء تكرماوأكرم عن أدناس عرضهم عرضي

الخمول أخو العدم، والشهرة أم الكون.

قيل لراهب: ما أصبرك على الوحدة!! قال: أنا جليس ربي، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتبه، وإذا شئت أن أناجيه صليت.

علي ﵁: إذا تمّ العقل نقص الكلام.

واصل بن عطاء: لأن يقول الله لي يوم القيامة: هلا قلت، أحب إلي من أن يقول لي: لم قلت؟ لأنه إذا قال لي: لم قلت؟ طالبني بالبرهان، وإذا قال لي: هلا قلت! فليس ذاك يريد.

النبي ﷺ: المؤمن من أمنه الناس.

نزل النعمان برابية فقال له رجل: لو ذبح رجل إلى أي موضع كان يبلغ دمه من هذه الرابية؟ فقال: المذبوح والله أنت، ولأنظرن إلى أين يبلغ دمك؟ فقال بعض الحاضرين: رب كلمة تقول لصاحبها دعني.

تحدّثوا عند الأوزاعي، وفيهم أعرابي من بني عليم بن جناب

لا يتكلم، فقيل له: بحق ما سميتم خرس العرب، أما تحدث!! فقال:

إن الحظ للمرء في أذنه، وإن الحظ في لسانه لغيره، فقال الأوزاعي: لقد حدّثكم فأحسن.

أعرابي: رب وحدة أنفع من جليس، ووحشة أمتع من أنيس.

إبراهيم النظام:

وإذا تأمل في الزجاجة ظلّهجرحته لحظة مقلة الظل

أبو بكر الطائي الكاتب:

رق حتى خلته ملكاخارجا عن جملة البشر
فعيون الوهم تجرحهبخفي اللحظ والنظر

أعرابي: رب منطق صدع جمعا، وسكوت شعب صدعا.

قالت امرأة لزوجها: مالك إذا خرجت إلى أصحابك تطلقت وتحدثت، وإذا دخلت تعقدت وأطرقت؟ قال: لأني أدق عن جليلك وتجلين عن دقيقي.

قيل لعروة أخي مرداس: لم لا تحدثنا ببعض ما عندك من

العلم؟ قال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم إلي حب الرياسة، فأخسر الدارين.

وكان قتادة يقول: لولا حب الحسن الرياسة لمشى على الماء.

وكان أبو معاوية الضرير يقول: فيّ خصلتان ما يسرني بهما رد بصري: قلّة الإعجاب بنفسي، وخلو قلبي من اجتماع الناس إليّ.

عمر ﵁: خذوا بحظكم من العزلة.

بشر بن منصور: ما جلست إلى أحد، ولا جلس إليّ، فقمت من عنده، أو قام من عندي، إلّا علمت أني لو لم أقعد إليه، ولم يقعد إلي، لكان خيرا لي.

مكحول رفعه: من ستر مخزاة على المؤمن ستره الله يوم القيامة.

النبي ﷺ: أعجب الناس إليّ منزلة رجل يؤمن بالله ورسوله، ويقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعمر ماله، ويحفظ دينه، ويعتزل الناس.

- وعنه ﵊: إن أغبط الناس مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلابة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان عيشه كفافا فصبر على ذلك، ثم عجلت منيته فقل تراثه، وقلّت بواكيه.

جاء عمر بن سعد إلى أبيه فقال: أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك وإبلك، والناس يتنازعون الملك؟ فضرب سعد وجهه وقال: ويلك دعني فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحب العبد التقي الخفي.

صعد حسان على أطم من آطام المدينة فنادى: يا صباحاه!! فاجتمعت الخزرج فقالوا: ما عندك؟ قال: قلت بيت شعر فأحببت أن تسمعوه، قالوا: هات، قال:

وإن امرأ أمسى وأصبح سالمامن الناس إلّا ما جنى لسعيد

عبد الله بن عمر رفعه: ليس أحد أحب إلى الله من الغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: الفرارون بدينهم، يجمعون إلى عيسى بن مريم.

لما بنى سعد بن أبي وقاص منزله بالعقيق، قيل له: تركت مجالس أخوانكم وأسواق الناس، ونزلت العقيق، فقال: رأيت أسواقهم لاغية، ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هناك عافية.

الربيع بن خثيم تفقهوا ثم اعتزلوا، وتعبدوا.

قيل لابن المبارك: لو أتيت هذا الرجل فأمرته ونهيته، لعل الله أن ينفع بك، فقال: من اعتزلهم فقد أمرهم ونهاهم.

كان العمري وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر صلبا مهيبا، فاعتزل وسكن البادية، وكان ملازما للمقابر، ومعه كتاب، وكان يقول: ما من شيء أوعظ من قبر، ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من الوحدة، فكتب إليه مالك بن أنس: إنك قد بدوت، فلو سكنت بقرب مسجد رسول الله ﷺ، فأجابه: حملني على ذلك بغضي لجوار مثلك، إنك لم يطلع الله عليك وأنت متغير الوجه فيه.

قيل للاحنف: بأي شيء سدت قومك؟ قال: لو عاب الناس الماء ما شربته.

واصل بن عطاء: كان يأتي مجلس الحسن في أوائل الناس وينصرف في أواخرهم، وهو زام لا يتكلم فيه بكلمة قط.

كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل.

النخعي: إنما يهلك الناس في فضول الكلام وفضول المال.

ابن عون: ثلاث أرضاها لنفسي ولأخواني: الأولى أن يتعلم المسلم القرآن ويقرأه ويتدبره، والثانية أن يسأل عن السنة ويتبعها جهده، والثالثة أن يدع هؤلاء الناس.

حماد بن زيد الذي يقول فيه ابن المبارك:

أيها الطالب علماإيت حماد بن زيد
للشاعر عبد الله بن المبارك، اقرأ القصيدة
اقتبس منه علوماثم قيّدها بقيد

كان يحدّث عن رسول الله ﵌، فتكلم رجل فغضب حماد وقال:

يقول تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ

، وأنا أقول: قال رسول الله ﷺ وأنتم تتكلمون.

سفيان بن عيينة: قال لي بشر بن منصور السلمي: يا ابن عيينة أقل من معرفة الناس، فإنه أقل لفضيحتك غدا.

النخعي: كانوا يتعلمون السكوت كما يتعلمون الكلام.

علي بن هشام بن فرخسرو:

لعمرك إن الحلم زين لأهلهوما الحلم إلّا عادة وتحلّم
إذا لم يكن صمت الفتر من فدامةوعي فإن الصمت أهدى وأسلم

موسى بن طريف: اجتهد في كتمان الخير فإنه يرق قلبك، وإن أمكنك فكن بين قوم لا يعرفونك، ولا يكن نصيبك من الدنيا أن تقول جالست فلانا، وناظرت فلانا، فإن ذلك يقسي القلب.

صحب رجل الربيع بن خثيم فقال: إني لأرى الربيع لا يتكلم منذ عشرين سنة إلّا بكلمة تصعد، ولا يتكلم في الفتنة، فلما قتل الحسين قالوا: ليتكلمن اليوم، فقالوا له: يا أبا يزيد قتل الحسين، فقال: أوقد فعلوا، اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، ثم سكت. وكان يقول: إن العبد إن شاء ذكر ربه وهو ضام شفتيه.

قال الثوري لأخ له: أبلغك شيء مما تكره عمن لا تعرف؟

قال: لا، قال: فأقلّ من معرفة الناس، فإن معرفة الناس ما أبقت لي حسنة.

- وعنه: ما رأيت للإنسان خيرا من أن يدخل في جحره، فقال يونس: ينبغي اليوم أن يدخل في قبره.

وكتب إلى عباد بن كثير: عليك بالخمول فإنه زمان

الخمول، وإياك والرياسة، فإن لها غورا لا تبصره إلّا السماسرة.

قيل لمالك بن مغول: أما تستوحش في هذه الدار وحدك؟

قال: ما كنت أرى أن أحدا يستوحش مع الله.

وهيب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، والعاشر عزلة الناس.

عتبة بن أبي لهب:

زعم ابن عمي أن حلمي ضرنيما ضر قبلي أهله الحلم
إنّا أناس من سجيتناصدق الحديث ورأينا حتم
لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهمسقموا ولم يمسهم سقم
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة
إني وجدت العدم أكبرهعدم العقول وذلك العدم
للشاعر الأخضر اللهبي، اقرأ القصيدة
والمرء أكبر عيبه ضرراخطل اللسان وصمته حكم

علي ﵁: وذلك زمان لا ينجو فيه إلّا كل مؤمن نومة، إن شهد لم يعرف، وإن غاب لم يفتقد، أولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى، ليسوا بالمساييح، ولا المذاييع البذر، أولئك يفتح

الله لهم أبواب رحمته، ويكشف عنهم ضراء نقمته.

- وعنه: اختزن رجل لسانه، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبدا يتقي تقوى تنفعه حتى يختزن لسانه، وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب الكافر من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وإن كان شرا واراه، وإن المنافق يتكلم بما أتى على لسانه، ولا يدري ماذا له وماذا عليه، وقد قال رسول الله ﷺ: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم فلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله، وهو نقي الراحة من دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من أعراضهم فليفعل.

النبي ﷺ: إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه، فإنه يلقي الحكمة.

أحيحة بن الجلاح:

والصمت أحسن بالفتىما لم يكن عي يشينه
والقول ذو خطل إذاما لم يكن لب يعينه
للشاعر أحيحة بن الجلاح، من قصيدة «والصمت خير للفتى»

فضيل: كان يقال: من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء.

عمر ﵁: في العزلة راحة من خلطاء السوء.

فضيل: إذا أقبل الليل فرحت، وقلت أخلو بربي، ولا أرى الناس، وإذا نظرت إلى الصبح استرجعت، وركبني شيء كراهة لقاء الناس.

وعنه: ما في الأرض أحد أشتهي أن أراه، ولا يقرع أحد بابي إلّا شق عليّ، إلّا رجلين، أراد ابن المبارك المبارك والعمري.

- وعنه: إني لا تخذ للرجل عندي يدا إذا لقيني لا يسلم عليّ، وإذا مرضت لا يعودني.

سفيان بن عيينة: دخلنا على فضيل في مرضه فقال: ما جاء بكم؟ والله لو لم تجيئوا كان أحب إلي، ثم قال: نعم الشيء المرض لولا العيادة.

النخعي: دخلت المسجد ليلا فوجدت فضيلا وحده خلف المقام فجئته، فقال: من هذا؟ قلت: إبراهيم، قال: ما جاء بك؟

تحب أن تغتاب، قلت: لا، قال: تحب أن تكذب؟ قلت: لا، قال:

تحب أن ترائي؟ وروي: تحب أن تتزين لي وأتزين لك؟ قلت: لا، قال: فقم عني.

ابن عيينة: من حرم العقل فليصمت، فإن حرمها فالموت خير له.

- وسمع رجلا يتكلم فقال: اسكت فما أزعم أن متكلما يبرأ من الرياء.

قيل لفضيل: إن ابنك يقول: لوددت أني بالمكان الذي أرى الناس ولا يرونني، فقال: ويح علي! هلا أتمها فقال: لا أراهم ولا يرونني.

الشافعي ﵀: الاسترسال إلى الناس مجلبة لقرناء السوء،

والانقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط.

إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ لسانك.

محمد بن القاسم: قرىء على باب صنعاء: إن كانت العافية من شأنك، فسلط السكوت على لسانك.

عبد الله بن أبي زكريا: عالجت العبادة، فلم أجد شيئا أشد من الصمت.

أنس رفعه: طوبى لمن أمسك الفضل من قوله، وأنفق الفضل من ماله.

عائشة رفعته: عجبت من ابن آدم، وملكاه على نابيه، فلسانه قلمهما، وريقه مدادهما، كيف يتكلم فيما لا يعنيه.

ابن عمر رفعه: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن كثرة الكلام في غير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي.

ابن عباس: أخذ لسانه فقال: يا لسان قل خيرا تغنم وأمسك عن القبيح تسلم.

عبد الكريم أبو أمية: تحفظ في بعض المنطق أحب إليّ من كثير من الصوم والصلاة.

كان يقال: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قديمه.

لأن تكون أخرس عاقلا خير لك من أن تكون نطوقا جاهلا، ولكل شيء دليل ودليل العقل التفكر، ودليل التفكر الصمت.

النبي ﷺ لأبي ذر: عليك بالصمت إلّا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون على أمر دينك، وفي الصمت سلامة من الندامة، وتلافيك ما فرطت فيه من صمتك أيسر من إدراك ما فاتك من منطقك.

كتب سفيان إلى عباد بن عباد: أما بعد، فإنك في زمان كان الصحابة يتعوذون أن يدركوه، ولهم من العزم ما ليس لنا ولا لك، ولهم من العلم ما ليس لنا، ولا لك، فعليك بالعزلة وقلّة المخالطة، وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض، فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم.

يقال: لسانه منه على بال. تمسك بأطراف السكوت، وقف مطية الكلام. هو جبان الوجه، أي حيي. تروح إلى بقاء عزك بالوحدة، ولا تتشوف إلى من تخلق عنده الجدة. ارفض الناس فكل مشغلة. من نطق في غير خير فقد لغا، ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها، لو أقرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك. لو رأيت ما في ميزانك ختمت على لسانك.

الفيض بن أبي صالح وزير المهدي في الوزير أبي

عبيد الله:

فالصمت في غير عيّ من سجيتهحتى يرى موضعا للرأي يستمع
لا يرسل القول إلّا في مواضعهولا يخف إذا حل الحبى الجزع

قالوا: ما احتنك رجل قط إلّا أحب الخلوة.

أراد معاذ الحج فطلب ثابت البناني أن يصاحبه، فقال:

ويحك دعنا نتعايش بستر الله، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.

لما خرج يونس من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم!! فقال: إن الكلام صيرني في بطن الحوت.

حكيم: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.

الصمت أخفى للنقيصة، وأنفى للغميصة.

[شاعر]:

أقلل من القول تسلم من غوائلهوأرض السكوت شجا في الحلق معترضا

كان ربيعة الرأي كثير الكلام، وكان يقول: الساكت بين النائم والأخرس.

كان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام، وإن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتمام.

قيل لرجل: بم سادكم الأحنف؟ فو الله ما كان أكبركم سنا، ولا بأكثركم شيئا، قال: بقوة سلطانه على نفسه.

مطرف بن عبد الله: لو كنت راضيا عن نفسي قليتكم، ولكني لست عنها براض.

العتابي: أما بعد فإن كان ما تطلبه من المعاش لك مقدورا فسيأتيك وإن سكت، وإن كان عنك مصروفا فلن يأتيك ولو تكلمت، فإن كان ذلك كذلك فآثر عزّ السكوت على ذل الكلام، والسلام.

الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار أسيرا في وثاقها.

قد لزمت السكوت من غير عيوصحبت الفراش من غير علّه
وهجرت الأخوان لما أتتنيمنهم كل خطة مصمئلة
فعلى أهل هذا الزمان جميعاضعف قطر السماء من لعنة الله

لما قال الله تعالى لنوح ﵇، إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ

، قال نوح: استحييت من ربي فنكست رأسي أربعين سنة حياء من ذلك القول.

اجتمع أربعة ملوك فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرّة، وندمت على ما قلت مرارا، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: ما لم أتكلم

بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني، وقال ملك الهند: العجب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرّت وإن لم ترفع لم تنفع.

أردوان الأكبر: كثر القبيح حتى قل الحياء منه.

كان بهرام جور قاعدا ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان!! لو حفظ هذا لسانه ما هلك! وقد نظمه من قال:

حفظ اللسان، فاحفظ اللسانا،قد يحفظ الطائر والإنسانا

ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بما إن حكي عنه ضره، وإن لم يحك عنه لم ينفعه.

علي ﵁: بكثرة الصمت تكون الهيبة.

عمرو بن العاص: الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل.

لقمان: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك.

ثلاثة يؤمرون بالسكوت: المراقي في جبل طويل، وآكل السمك، والمروّي في أمر جسيم.

قال عبد الملك لأعرابي: تمنّ، قال: رزقا في سعة لا يكون

بيني وبين أحد مطالبة، قال: ثم الخمول فإني رأيت الشر إلى ذوي النباهة سريعا، قال عبد الملك: ليت هذه الخلافة موركة في عنقك وأني رزقت هذا.

[شاعر]:

تلحّف بالخمول تعش سليماوجالس كل ذي أدب كريم

حكيم: من خلا بالعلم لم يستوحش من الخلوة.

النبي ﷺ: رأس التواضع أن تبدأ بالسلام على من ألفيت، وأن ترضى بدون المجلس، وأن تكره أن تذكر بالبر والتقوى، وأن تدع المراء وإن كنت محقا.

كلّم فضيل داود الطائي في عزلته فقال: إن كان لك بدينك حاجة ففرّ من الناس فرارك من الأسد، ولقد جالستهم، اللهمّ غفرا، فأما صغيرهم فلا يوقّرك، وأما كبيرهم فيحصي عليك عيوبك.

أصرم بن حميد الطائي:

أصم عن الكلم المحفظاتوأحلم والحلم بي أشبه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أصم عن الكلم المحفظات»
وإني لأترك جلّ الكلاملئلا أجاب بما أكره
للشاعر أصرم بن حميد الطوسي، من قصيدة «أصم عن الكلم المحفظات»
إذا ما اجتررت سفاه السفيهعليّ فإني أنا الأسفه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أصم عن الكلم المحفظات»

علي ﵁: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة.

- وعنه: لا خير في الصمت عن الحكم، كما أنه لا خير في القول بالجهل.

قيل لعبد الله الراسبي»

: ما بقي مما تسرّ به؟ قال:

سرب أخلو به فيه.

رأى سفيان بن عيينة سفيان الثوري في المنام فقال له:

أوصني، قال: أقلل من معرفة الناس، ثلاث مرّات.

كتب حكيم إلى أخ له: إياك والأخوان الذين يكرمونك بالزيارة ليغصبوك يومك، فإنك إنما تنال الدنيا والآخرة بيومك، فإذا ذهب يومك فقد خسرت الدنيا والآخرة.

وعن بعضهم: اللهمّ إني أعوذ بك من كل ما جاءني يشغلني عنك.

الخواص: إن العباد عملوا على أربع منازل: على الخوف، والرجاء، والتعظيم، والحياء، فأرفعها منزلة الحياء، لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا: سواء علينا رأيناه أو رآنا، فكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه.

عابد: إن الله غيور، لا يحب أن يكون في قلب العبد أحد إلّا الله.

سفيان: الزهد في الدنيا الزهد في الناس.

لبس مطرف بن عبد الله الصوف، وجلس مع المساكين، فقيل له، فقال: إن أبي كان جبارا، فأحببت أن أتواضع لربي، لعله يخفف عن أبي تجبره.

مجاهد: إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي، فرفعه على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.

أبو محمد التيمي في الفضل بن سهل:

لعمرك ما الأشراف في كل بلدةوإن عظموا إلّا لفضل صنائع
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
ترى عظماء الناس للفضل خشعاإذا ما بدا والفضل لله خاشع
للشاعر أبو محمد التيمي، اقرأ القصيدة
تواضع لما زاده الله رفعةوكل رفيع قدره متواضع

أبو سليمان الداراني: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عند نفسي ما أحسنوا ذلك.

مرّ فضيل بشيخ يحدّث، فقال: يا شيخ ليس أوان تحلّق وحديث، هذا أوان أخف شخصك واعمل.

أوحى الله إلى نبي من الأنبياء: إن أردت أن تسكن حضيرة

القدس، فكن في الدنيا وحيدا حزينا وحشيا، كالطائر الفرد الذي يرعى في القفار، ويأوي إلى رؤوس الأشجار، إذا جنّه الليل لم يأو مع الطير، استيناسا بربه، واستيحاشا من غيره.

كتب يونس بن عبيد الله إلى أخ له: إن نفسي قد ذلت لي بصيام هذا اليوم الشديد الحر، البعيد الطرفين، ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعنيني.

[شاعر]:

رأيت اللسان على أهلهإذا ساسه الجهل ليثا مغيرا

ابن المعتز:

ويضل صباغ الحياء بخدهتعبا يعصفر تارة ويورد

محمد بن علي بن الحسين: لم يردد رسول الله ﷺ طالبا عن شيء يملكه، ولا حمله الإستحياء على أن يسمح في غير ذلك، حتى لقد قال له قائل، في كبة شعر من الفيء: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة لجملي، فقال: أما نصيبي منها فهو لك، فطرحها الرجل في المقسم.

أعطى رسول الله ﷺ كلا من أبي سفيان وعيينة بن حصن

وسهيل بن عمرو مائة من الإبل، فقالوا: يا نبي الله تعطي هؤلاء وتدع جعيلا ؟ وهو رجل من بني غطفان، فقال: جعيل خير من طلاع الأرض مثل هؤلاء، ولكني أعطي هؤلاء أتألفهم، وأكل جعيلا إلى ما جعله الله عنده من التواضع.

أبو الدرداء: نعم صومعة الرجل بيته، يكف فيه بصره وسمعه وقلبه ولسانه ويده، وإياكم والجلوس في هذه الأسواق فإنها تلغي وتلهي.

محمد بن كناسة الأسدي:

في انكماش وحشمة فإذاصادفت أهل الوفاء والكرم
أرسلت نفسي على سجيتهاوقلت ما قلت غير محتشم
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

المخبل القيسي:

تبيّن طرفانا الذي في نفوسناإذا استعجمت بالمنطق الشفتان

الخدري: كان رسول الله ﵌ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه.

ليلى الأخيلية:

وتوبة أحيى من فتاة حيبةوأجرأ من ليث بخفان خادر

أشج عبد القيس: قال لي رسول الله ﷺ: إن فيك لخلقين يحبهما الله قلت: ما هما؟ قال: الحلم والحياء، قلت: قديما كان ذاك أو حديثا، قال: قديما، قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله.

رجل لعائشة ﵂: متى أكون محسنا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء، قال: فمتى أكون مسيئا؟ قالت: إذا ظننت أنك محسن.

الصمت زين العاقل وستر الجاهل.

يقول اللسان للجوارح كل صباح: كيف أنتنّ؟ فيقلن: بخير إن تركتنا.

عمر بن عبد العزيز: إنه ليمنعني من كثير الكلام مخافة المباهاة.

خرج عمر بن عبد العزيز متبعا جنازة، فقعد نجوة فأتاه صبي يشكو ظلامة فأقعده إلى جنبه، وطشت السماء فغطاه بثوبه.

قال ربيط نبي إسرائيل: زين المرأة الحياء، وزين الحكيم الصمت.

كان بعض العلماء يقول: إنّا نستحي من الأموات، كما نستحي من الأحياء.

ابن مسعود ﵁: إن من رأس التواضع أن ترضى بالدون من شرف المجلس، وأن تبدأ من لقيت بالسلام.

سأل بعض الصلحاء رجلا: هل بقي خلف من فلان؟ فقال:

بئس الخلف بقي منه، فوضع يده على لسانه، ودلكه على الحائط حتى دمي، وقال: إنما جاء هذا منك، ولو لاك لم يقع هذا المسلم في الغيبة.

قيل لراهب في صومعته: ألا تنزل؟ قال: من مشى على وجه الأرض عثر.

قال الله لموسى: هل تعرف لم كلمتك من بين الناس؟ قال:

لا يا رب، قال: لأني رأيتك تتمرغ في التراب بين يدي، كالكلب بين يدي صاحبه، تواضعا، فأردت أن أرفعك من بين الناس.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.