من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)
الباب الرابع عشر البخت وذكر الإقبال والإدبار والسعد والنحس واليمن والشؤم والنكد والخيبة والفلج والرزق والحرمان
ثوبان عن النبي ﷺ أنه قال: إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ألا ترى أن آدم كان في الجنة في عيش رغد، فأخرج منها إلى الدنيا بالمعصية التي كانت منه.
موسى ﵇ قال في مناجاته: يا رب لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال: ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة لمحتال.
كان أبو نافع مولى أبي بكر الصديق ﵁ تاجرا مجدودا، إذا اشترى شيئا غلا من يومه، وإذا باعه رخص من يومه، فقيل لكل مبخوت: له بخت أبي نافع.
قسم عمر ﵁ قسما، فأمر لرجل بلقحة، فاتبعها فصيلان لها، فردهما، فقال عمر: دعها، ثم تمثل بقول علقمة بن
عبدة.
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمهأنّى توجه والمحروم محروم
علي ﵁: عيبك مستور ما أسعدك جدّك.
- وعنه: شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق، فإنه أخلق بالغنى، وأجدر بإقبال الحظ.
أبو ذر: عن النبي ﷺ: يوشك أن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع.
قيل لبزرجمهر: تعال فنناظر في القدر، فقال: وما أصنع بالمناظرة!! رأيت ظاهرا دل على باطن، رأيت أحمق مروزقا، وعالما محروما، فعلمت أن التدبير ليس إلى العباد.
المتقدم في الحذق متأخر في الرزق.
[شاعر]:
والمرء يرزق لا من حسن حيلتهويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
فيلسوف: إفراط العقل مضر بالجد.
ابن دريد: أوضح الدلائل على ضعف الرجل في صناعته
أن يكون محظوظا منها؛ لأنك لا تكاد تجد متناهيا في حرفته إلّا وجدته متناهيا في حرفته.
قيل لأفلاطون: لم لا تجتمع الحكمة والمال؛ قال: لعزة الكمال.
حكيم: استأذن العقل على الحظ فحجبه، فقال: أتحجبني وأنا خير منك؟؟ فقال: وأنت ما تساوي إذا لم أكن معك؟ قيراط من حظ خير من كرّ عقل.
أبو الشيص:
من الناس ناس لا تنام جدودهموحظي ولا كفران لله نائم
حرفة الأدب أعدى من الجرب.
ابن المبارك: لو لم نزهد في الدنيا إلّا لأنها في أيدي الأنذال، لكان ينبغي لنا أن نزهد فيها.
بزرجمهر: وكّل الله الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل، ليعلم أن لو كان الرزق بالحيلة لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه، والاحتيال لمكسبه.
التقى ملكان فتساءلا فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي؛ وقال الآخر: أمرت بإهراقة زيت أشتهاه فلان العابد.
دخل يحيى بن أكثم على المأمون، وفيه بعض الرثاثة، فسأله عن حاله، فأنشأ يقول:
صفت الدنيا لأولاد الزناولمن يحسن ضربا وغنا
وهي للحرّ مخاض كدرغبن الحر لعمري غبنا
فأمر له بمال ابنتنى به سوق يحيى ببغداد.
العتابي:
قد يرزق المرء لم يتعب رواحلهويحرم الرزق من لم يؤت من طلب
وإنني واجد في الناس واحدةالرزق والنوك مقرونان في سبب
وخصلة قلّ فيها من يخالفنيالرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
قالت أم الاسكندر في دعائها له: رزقك الله حظا تخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
قال أبو هفان: كان مروان بن أبي الجنوب من المرزوقين
بالشعر مع تخلفه فيه، أعطاه المتوكل مائتي ألف دينار من ورق وذهب وكسوة، وقلده اليمامة والبحرين وطريق مكة، واختصه بمنادمته، وكان لا يزال يكرمه ويخلع عليه.
ابن طيفور:
وما الشعر إلّا السيف ينبو وحدّهحسام ويفري وهو ليس بذي حد
ولو كان بالإحسان يرزق شاعرلأجدى الذي يكدي وأكدى الذي يجدي
كان المعتمد على الله ابن المتوكل يقول الشعر المكسور فيكتب بالذهب، ويغني به المغنون.
علي ﵁: الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور.
فلان يكالب الرزق، ويغالب القدر، وليس ينال إلّا ما قدر له.
سأل عمر ﵁ الصحابة: من أغبط الناس عيشا؟
فقال أبو الدرداء: من تحت التراب، قد واجه الحساب، وأمن العقاب، واستحق الثواب؛ فقال عمر: ليجتهد البلغاء أن يزيدوا فيها حرفا.
فلان لو غرس الشوك لأثمر العنب.
فلان يقدح زندا شحاحا.
[شاعر]:
غرست غروسا كنت أرجو لحاقهاوآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غير ما كنت أرتجيفلا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها
لو انتهى إلى عذب فرات صار أجاجا، أو أخذ ياقوتا انقلب في كفه زجاجا.
سعد المطر، قال الجاحظ: قيل له ذلك لأنه كان ملقى من المطر، أي يلقى الأذى من المطر، وهو الذي يقول:
أما الثياب فلا يغررك إن غسلتصحو يدوم ولا شمس ولا قمر
وممن مني بذلك مولى آل سليمان، جلس على طريق الناس، وقد رجعوا من الاستمطار وقد سقوا، فقال: ليس بي إلّا سرورهم بالإجابة، وما مطروا إلّا لأني غسلت ثيابي اليوم، ولم أغسلها قط إلّا جاء الغيم والمطر؛ فليخرجوا غدا فإن مطروا فإني ظالم:
ولو أني أردت غسل ثيابيفي حزيران عاد يوما مطيرا
الهيثم بن القاسم الخثعمي:
قد يرزق الأحمق المرزوق في دعةويحرم الأحوذيّ الأرحب الباع
كذا السوام تصيب الأرض محرمةوالأسد منزلها في غير إمراع
والناس من كان ذا مال وسائمةمدّوا إليه بأبصار وأسماع
الخنوت:
تعرى المصيبات الفتى وهو عاجزويلعب ريب الدهر بالحازم الجلد
أرسطو طاليس: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأن المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به من علو إلى سفل.
طويس المخنث مثل في الشؤم. ولد ليلة توفي رسول الله ﷺ، وفطم ليلة توفي أبو بكر، وبلغ الخنث يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له ليلة قتل في صبيحتها علي بن أبي طالب ﵇. وكان يقول: يا أهل المدينة ما دمت بين ظهرانيكم فتوقعوا خروج الدجال، فإن مت فأنتم آمنون.
للبستي:
وصير طوس معقله فكانتعليه طوس أشأم من طويس
كان ببغداد كاتب ظريف، إلّا أنه لم يستكتبه أحد إلّا سلط عليه الدمار، فتحاموه تطيرا منه؛ فطلب نصر بن منصور بن بسام كاتبا فاضلا، فقيل: أصبناه لك لولا قيل، ولولا قيل، هو مشؤوم؛ قال: لا
عدوى ولا طيرة، إئتوني به، فبرّه واستكتبه، فما مضت أيام أن برسم نصر ومات. فقال ابن عائشة فيه:
آخر قتلاه إذا حصلوانصر بن منصور بن بسام
وكان بالسيف يلاقيهمفصار يلقاهم ببرسام
ونظيره حاجب عبيد الله:
يا سعد إنك قد خدمت ثلاثةكل عليه منك وسم لائح
وبدأت تخدم رابعا لتبيرهرفقا به فالشيخ شيخ صالح
يا حاجب الوزراء إنك عندهمسعد ولكن أنت سعد الذابح
أمر عبد الملك بن مروان بضرب عنق خارجي، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا جزائي منك. قال: كيف؟ قال: والله ما خرجت معه إلّا نظرا لك، وتقربا إليك، فإني ما صحبت أحدا إلّا هزم وقتل وصلب، ولكوني عليك مع غيرك خير لك من مائة ألف معك، فضحك وأطلقه.
يزيد بن محمد المهلبي:
وإذا جددت فكل شيء نافعوإذا حددت فكل شيء ضائر
عبد الله بن أبي الشيص:
أظن الدهر قد آلى فبرّابأن لا يكسب الأموال حرّا
ابن الحجاج:
خاطر يصفع الفرزدق في الشعرونحو يصك وجه الكسائي
غير أني أصبحت أضيع في القوم من البدر في ليالي الشتاء
الحمدوني:
ما ازددت من أدبي حرفا أسرّ بهإلّا تبدلت حرفا تحته شوم
إن المقدم في الدنيا بصنعتهأنّى توجه منها فهو محروم
المنتصر بن المتوكل:
متى ترفع الأيام من قد وضعنهوينقاد لي دهر عليّ جموح
أعلل نفسي بالرجاء وإننيلأغدو على ما ساءني وأروح
قطع على رجل فلقيه صديق له فقال: أحسبك جئت بخفي حنين. فقال: يا سيدي تلقّاني حنين في الطريق فأخذ الخفين من رجلي وتركني حافيا.
إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد؛ وإذا أدبر انشق الهاون بالثمد.
أبو علي العدوي من أهل أرزن:
العقل ليس بمسعد خلقا إذاما عال حتى يسعد المقدور
وحكومة الأيام يسعد جاهلفيها ويشقى البارع النحرير
أيامه متبعة هواه، ولياليه قيام بما يهواه. مطعم الغنم يفلق الصخر جده.
الأعشى:
ولو بت تقدح في ظلمةصفاة ينبع لأوريت نارا
رجع بحمر النعم موقرة ببيض النعم.
قطع جعفر بن سليمان رزق إبراهيم بن هرمز البصري، فكتب إليه:
إن الذي شق فمي ضامنللرزق حتى يتوفاني
حرمتني خيرا قليلا فماذازادك في مالك حرماني
حكيم: أسعد الناس من كان القضاء له مساعدا، وكان لمساعدته إياه أهلا.
كعب بن جعيل:
وكنت كمرتاد بمنقاره الثرىفصادف عين الماء إذ يترسم
آخر:
وثنيت آمالي على أدراجهاوصرفت خائبة وجوه رجائي
ورجعت عنك بما يعود بمثلهراجي السراب بقفرة بيداء
رجعت آمالهم خاسئة على أذنابها، ناكصة على أعقابها.
كتب أبو مسلم إلى إبراهيم الإمام بهرب نصر بن سيار فتمثل بقول خداش بن زهير:
وما برحت بكر تثوب وتدعيويلحق منهم أولون وآخر
لدن غدوة حتى أتى الليل وانجلتعماية يوم شره متظاهر
وما زال ذاك الدأب حتى تخاذلتهوازن وارفضّت سليم وعامر
وكانت قريش يفلق الصخر جدهاإذا أوهن الناس الجدود العواثر
كانت لكثير بن الصلت القرشي دار بالمدينة، ما كانت دار تساويها، فطلبها معاوية، فقال ما إلى بيعها سبيل وفيها مائة مخمرة، فحرمه معاوية عطاءه، وكانت له عليه مائة ألف، فكتب إلى مروان أن
يطالبه بها، فضاق عليه الأمر، فكتب إلى معاوية يستعطفه، وصار إلى سعيد بن العاص يستعينه على الدين؛ فأصبح ذات يوم وقد ورد عليه كتاب معاوية بالإفراج عنه وبمائة ألف لعطائه، وحملت إليه من دار سعيد مائتا ألف، فأحاط به الفلاح من كل وجه؛ وضرب المثل بغداة كثير، فقيل لقيته غداة كثير.
العباس بن ريطة الرعلي:
وأهلكني أن لا يزال يكيدنيأخو حنق في القوم حران ثائر
وذلك ما جرّت علينا رماحناوكل امرىء يوما به الجد عاثر
آخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيرهويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
آخر:
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقديرمى فيحرزه من ليس بالرامي
آخر:
إن الأمور إذا دنت لزوالهافعلامة الإدبار فيها تظهر
آخر:
وما منع الفتح بن خاقان نيلهولكنها الأقدار تعطي وتحرم
آخر:
إذا كبا بالفتى زمانلم يغن حزم ولا حذار
آخر:
إذا لم يكن عون من الله للفتىفأكثر ما يجني عليه إجتهاده
الحسن: وكّل الله الحرمان بالعقل، ووكل الرزق بالجهل، ليعتبر العاقل فيعلم أن الرزق ليس بالعقل.
النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع