تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب السادس والخمسون العشق، وذكر من بلي به وقال فيه الشعر، ومن مات منهم كمدا، ومن رق لهم وترحم عليهم

النبي ﷺ: من عشق فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا.

لما أعتقت عائشة ﵂ جاريتها بريرة، وكان زوجها حبشيا، اسمه مغيث، خيرت بين الإقامة معه وبين مفارقته، فاختارت المفارقة، فكانت إذا طافت بالبيت طاف مغيث خلفها، ودموعه تسيل. فقال النبي ﷺ لعمه العباس: يا عم أما ترى حب مغيث لبريرة؟ لو كلمناها أن تتزوجه! فدعاها وكلمها، فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت، قال:

أما أمر فلا، ولكن أشفع. فأبت أن تتزوجه. قال الراوي: فهذا من قد رآه رسول الله، وشهد لشدة عشقه، وشفع في بابه.

يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين الخلق ما قسمت للعاشقين عذابا.

بعضهم: رأيت امرأة في غاية الضمر والنحافة رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ قالت: حاجتي أن تنادي في الموقف.

تزود كلّ الناس زادا يقيتهمومالي زاد والسلام على نفسي

ففعلت، فإذا بفتى، فقال: أنا الزاد. فمضيت به إليها، فما زادا على النظر والبكاء. ثم قالت له: انصرف مصاحبا محافظا، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك، أما علمت أن ركوب العار ودخول النار شديد؟.

إبراهيم بن محمد بن عرفة المهلبي الواسطي.

كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعنيمنه الحياء وخوف الله والحذر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة
كم قد خلوت بمن أهوى فيقنعنيمنه الفكاهة والتحديث والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهموليس لي في حرام منهم وطر
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «أهوى الملاح وأهوى أن أجالسهم»
كذلك الحب لا إتيان معصيةلا خير في لذة من بعدها سقر
للشاعر نفطويه (أبو عبد الله الواسطي الأزدي)، اقرأ القصيدة

عن زبيدة: قرأت في طريق مكة على حائط:

أما في عباد الله أو في أمانهكريم يجلّى الهمّ عن ذاهب العقل
له مقلة أما المآقي فقرحةوأما الحشا فالنار فيه على رجل

فنذرت أن أحتال لقاءهما حتى أجمع بينه وبين من يهوى، فإني لبالمزدلفة إذا سمعت من ينشدهما، فأدنيته، فزعم أنه قالهما في بنت عم له قدر نذر أهلها أن لا يزوجوها منه، فوجهت إلى الحي، وما زلت أبذل لهم المال حتى زوجوها، وإذا المرأة أعشق من الرجل. وكانت زبيدة تعده في أعظم حسناتها، وتقول: ما أنا بشيء أسر بي بجمعي بين ذلك الفتى والفتاة.

كان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب إليها:

ولقد رأيتك في المنام كأنماعاطيتني من ريق فيك البارد
وكأن كفك في يدي وكأننابتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي كله متراقدالأراك في يومي ولست براقد

فأجابته:

خيرا رأيت كل ما عاينتهستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقيفتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجيوأراك بين مراجلي ومجاسدي

فبلغ ذلك سليمان: فأنكحهما وأحسن جهازهما.

الجاحظ: العشق اسم لما فضل عن المحبة. كما أن السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما جاوز حد الإقتصاد.

سئل أفلاطون عن العشق فقال: داء لا يعرض إلا للفراغ.

آخر: العشق جهل عارض صادف قلبا فارغا.

قيل لأعرابي: ما بلغ حبك لفلانة؟ قال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذكرها رائحة المسك.

سأل الرشيد رجلا فقال: ما أشد ما يكون من العشق؟ قال:

أن تكون ريح البصل منه أحب إليك من ريح المسك من غيره.

عن عمر بن أبي ربيعة المخزومي: أن نعم التي يقول فيها:

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر

اغتسلت عند غدير فأقام يشرب منه حتى جف.

رأى شبيب أخو بثينة جميلا عندها، فوثب عليه وآذاه، ثم أتى مكة وفيها جميل، فقيل له: دونك شبيبا فاثأر منه، فقال:

وقالوا يا جميل أتى أخوهافقلت أتى الحبيب أخو الحبيب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «وقالوا يا جميل أتى أخوها»

كتبت كتبت للمتوكل على جبينها: هذا ما عمل في طراز الله، فتنة لعباد الله.

أنشد الأخفش لحداد بسر من رأى:

مطارق الشوق منها في الحشا أثريطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كور الهوى في الجسم موقدةومبرد الحزن لا يبقي ولا يذر

عبد الله بن عجلان النهدي أحد العشاق المذكورين، تزوجت عشيقته فرأى أثر كفها على ثوب زوجها، فمات كمدا.

أهدى أبو العتاهية للمهدي برنية فيها ثوب مطيب، قد كتب في حواشيه:

نفسي بشيء من الدنيا معلقةالله والقائم المهديّ يكفيها
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «نفسي بشيء من الدنيا معلقة»
إني لآيس منها ثم يطمعنيفيها احتقارك للدنيا وما فيها

فهم أن يدفع عتبة إليه، فضجرت وقالت: يا أمير المؤمنين، حرمتي وخدمتي! أتدفعني إلى رجل قبيح المنظر، بائع جرار، مكتسب بالشعر؟ فأعفاها، وأمر أن تملأ البرنية مالا. فأرادوا أن يملاؤها دراهم، فقال: إنما أمر بالدنانير، فاختلف في ذلك حولا. فقالت عتبة: لو كان عاشقا لم يختلف حولا في التمييز بين الفضة والذهب، وقد أعرض عني صفحا.

صحب جميلا رجل من عذرة، يدعي العشق وهو سمين، فقال فيه:

وقد رابني من زهدم أن زهدمايشد على خبزي ويبكي على جمل
فلو كنت عذري العلاقة لم تكنسمينا وأنساك الهوى كثرة الأكل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «ويعجبني من جعفر أن جعفرا»

قال محمد بن عبد الله بن طاهر لأولاده: عفوا تشرفوا، واعشقوا تظرفوا.

أوّل العشق النظرة، وأول الحريق الشرر.

زار علي بن عبيدة الريحاني جارية كان يهواها عند إخوانه، فحان وقت الظهر، فبادروا الصلاة، وهما يتحدثان، حتى كادت الصلاة

تفوت. فقيل: يا أبا الحسن الصلاة، فقال: رويدك حتى تزول الشمس، أي حتى تقوم الجارية.

وصف أعرابي امرأة طرقها فقال: ما زال القمر يرينيها، فلما غابت أرتنيه. قيل: فما كان بينكما؟ قال: أبعد ما أحل الله مما حرم، إشارة في غير بأس، ودنو في غير مساس، ولا وجع أشد من الذنوب.

أبو العيناء: أضحكني بائع رمان يقول:

وقعت من فوق جبال الهوىإلى بحار الحب طرطب

عبد بني الحسحاس:

فكم قد شققنا من رداء محبرومن برقع عن طفلة غير عانس
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
إذا شق برد شق بالبرد برقعدواليك حتى كلنا غير لابس
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

وذلك! إن الرجل يشق برقع حبيبته، والمرأة تشق برد حبيبها، ويقولون: إذا لم يفعلا ذلك عرض البغض بينهما.

ذكر أعرابي فقال: كاد الغزال يكونها لولا ما تم منها ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كأباهيم القطا»

قصرا، ثم طالت بعدها

شوقا إليها، وا أسفا عليها!.

عشق رجل امرأة، فقيل له: ما بلغ من عشقك لها؟ فقال:

كنت أرى القمر على سطحها أحسن منه على سطوح الناس.

من جرى مع هواه طلقا جعل للعذاب فيه طرقا.

عبد الله بن رواحة:

سبتك بعيني جؤذر بخميلةوجيد كجيد الريم زيفه النظم
وأنف كحد السيف يشرب قلبهاوأشنب رفاف الثنايا به ظلم

أعرابية في صفة العشق: خفي أن يرى، وجلّ أن يخفى، فهو كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته ورى، وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر.

كثير:

وأني لأرضى منك يا عز بالذيلو أيقنه الواشي لقرت بلابله
بلا وبأن لا استطيع وبالمنىوبالوعد حتى يسأم الوعد آمله
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وإني لأرضى منك يا لي بالذي»
وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضيأواخره لا نلتقي وأوائله

يقال: سرقت فؤاده إذا عشقها، وتسللت مسالك الروح منه.

ويقال: ناط حبها بقلبي نائط، وساطه بدمي سائط.

أعرابي: لقد كنت آتيها عند أهلها، فيتجهمني لسانها، ويرحب بي قلبها.

ليلى العامرية في قيسها:

لم يكن المجنون في حالةإلّا وقد كنت كما كانا
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة
لكنه باح بسر الهوىوإنني قد ذبحت كتمانا
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

ابن مرخية:

سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة هل في حب دهماء من وزر
فقال سعيد بن المسيب إنماتلام على ما تستطيع من الأمر

فقال سعيد: والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني ما كنت أجيب إلّا به.

كان الهوى فيما مضى أن يسر أحدهم بلبان مضغته حبيبته، أو بسواك استكاكت به. واليوم يطلب أحدهم الخلوة الصحيحة، كأنه قد أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة.

مر مالك بن دينار بدار ليلا، وإذا قائل يقول:

يا سيدي قد جاءك المذنبيرجو الذي يرجوه من يعتب
فاصفح له عن ذنبه منعماوهب له منك الذي يطلب

فوقف مالك يتسمع ويبكي، والقائل يردد البيتين بصوت حزين. فلما قارب السحر قال:

يا ناصبا مقلته فتنةإليك من مقلتك المهرب

فقال مالك: يا فاسق! إنما كان تضرعك لغير الله، ومضى.

هوي أحمد بن أبي عثمان الكاتب جارية لزبيدة اسمها نعم، حتى مرض ونهك، وقال فيها أبياتا منها:

وإني ليرضيني الممر ببابهاواقنع منها بالشتيمة والزجر

فوهبتها له.

زبان بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم:

علق القلب مهاة طفلةمن بني عبد مناف في اللباب
وبنو زهرة أخوال لهاوبنو الأصبغ أولاد الرباب
من ذرى كلب وكلب هامةمن معد في المعالي والروابي
جمعتني وسليمي نسوةفاتكات من عدي بن جناب

المعتز بالله:

بيضاء رود الشباب قد غمستفي خجل ذائب بعصفرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «كم ليلة فيك بت أسهرها»
مجدولة هزها الصبا فغدتيشغل لحظ العيون منظرها
الله جار لها فما امتلأتعيني إلّا من حيث أبصرها
للشاعر البحتري، من قصيدة «كم ليلة فيك بت أسهرها»

أبو عبد الله الغواص:

قمر لم يبق مني حبهوهواه غير مقلوب قمر

خليد مولى العباس بن محمد الهاشمي شاعر الطاهرية:

أما والراقصات بذات عرقومن صلّى بنعمان الأراك
للشاعر أبو العميثل الأعرابي، اقرأ القصيدة
لقد أضمرت حبّك في فؤاديوما أضمرت حبا من سواك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أطعت الآمريك بقطع حبلى»
أطعت الآمريك بقطع حبلىمريهم في أحبتهم بذاك
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أطعت الآمريك بقطع حبلى»
فإن هم طاوعوك فطاويعهموإن عاصوك فاعصي من عصاك

عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رأى امرأة بالشام فأعجبته فقال:

تذكرت ليلى والسماوة دونهافما لابنة الجودي ليلى وماليا
للشاعر عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق، اقرأ القصيدة
وأنّى تعاطي قلبه حارثيةتحل ببصرى أو تحل الجوابيا
للشاعر عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق، اقرأ القصيدة

أعرابي:

أقول لعيس قد برى السير نيّهافلم يبق منها غير عظم مجلد
خذي بي ابتلاك الله بالشوق والهوىوهاجتك أصوات الحمام المغرد
فطارت مراحا خو دعوة عاشقتجوب بي الظلماء في كل فدفد
فلما ونت في السير ثنيت دعوتيفكانت لها سوطا إلى ضحوة الغد

الفتح بن خاقان صاحب المتوكل:

أيها العاشق المعذّب صابرفخطايا أخي الهوى مغفورة
زفرة في الهوى أحطّ لذنبمن غزاة وحجة مبرورة

قال يوسف بن الماجشون أنشدت محمد بن المنكدر قول وضاح اليمن:

إذا قلت هاتي نولّني تبسمتوقالت معاذ الله من فعل ما حرم
فما نولّت حتى تضرّعت حولهاوعرفتها ما رخص الله في اللمم

فضحك وقال: إن كان وضاح لفقيها في نفسه.

علي بن هشام فرخسرو وكان المأمون يزوره ويستأنس به ثم قتله:

يا موقد النار يذكيها فيخدمهابرد الشتاء بأرواح وأمطار
قم فاصطل النار من قلبي مضرمةبالشوق تغن بها يا موقد النار
ويا أخا الذود قد طال الظماء بهاما تعرف الريّ من جدب وأقفار
للشاعر القائد علي بن هشام، اقرأ القصيدة
رد بالعطاش على عيني وعبرتهاتروى العطاش بدمع واكف جاري»

عبد الرحمن القارىء القس:

قد كنت أعذل في الصبابة أهلهافاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنماسبل الضلالة والهدى أقسام

برمة النحوي:

يا طيب مرعى مقلة لم تخفبوجنتيه زجر حرّاس
للشاعر برمة النحوي صهر المبرد، اقرأ القصيدة
حلّت بخد لم يغض ماؤهولم تخضه أعين الناس
للشاعر برمة النحوي صهر المبرد، اقرأ القصيدة

كشاجم:

فلم يزل خدها ركنا ألوذ بهوالخال في صحنه يغني عن الحجر

الخيزرزي:

لو أبصر الوجه منه منهزميطلبه ألف فارس وقفا
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «أهيف يحكي بقده الألفا»

عن عمر بن أبي ربيعة: كنت بين امرأتين، هذه تسارني، وهذه تعضني، فما شعرت بعضة هذه من لذة سرار هذه.

ريسان العذري:

لو حز بالسيف رأسي من مودتهالطار يهوى سريعا نحوها راسي

وسمع به ابن أبي ربيعة بعد ما نسك ولبس الصوف، فقال: أحسن والله، وتحرك وقال: تالله لقد هجتم على ساكنا.

محمود بن مروان بن أبي حفصه:

يدمي الحرير جلودهن وإنمايكسين من حلل الحرير رقاقها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن الغواني قتلت عشاقها»

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.