تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب الرابع والخمسون العفاف، والورع، والعصمة، وذكر الحلال والحرام، ومن تحرج وتنزه من الرجال والنساء

عطية السعدي: قال رسول الله ﷺ: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس.

أبو بكر ﵁: إنا منذ ولينا أمور المسلمين لم نأخذ لهم دينارا ولا درهما. ولكن قد أكلنا من جريش طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيهم إلا هذا الناضح. وهذا العبد الحبشي وهذه القطيفة، فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر. فلما قبض أرسلوها إليه، فبكى حتى سالت دموعه، ثم قال: رحم الله أبا بكر، لقد أتعب من بعده.

علي ﵁: العفاف زينة الفقر.

قال داود ﵇ لبني سرائيل: اجتمعوا فأني أريد أن أقوم فيكم بكلمتين. فاجتمعوا على بابه، فخرج إليهم فقال: يا بني إسرائيل، لا يدخل أجوافكم إلا طيّب، ولا يخرج من أفواهكم إلا طيّب.

- إن أحببت أن تعلم علم اليقين فاجعل بينك وبين الشهوات حائطا من حديد.

سليمان ﵇: إن الغالب لهواه أشدّ من الذي يفتح مدينة وحده.

حلقت قرشية شعرها، وكانت أحسن الناس شعرا، فقيل لها في ذلك، فقالت: أردت أن أغلق الباب، فلمحني رجل ورأسي مكشوف، فما كنت لأدع علي شعرا رآه من ليس بمحرم.

[شاعر]:

إن أكن طامح اللحاظ فإنيوالذي يملك الفؤاد عفيف

بعض بني كلب:

فقالت بحق الله إلّا أتيتناإذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في القوم يقظان غيرهاوقد قام عنها كل وال وحارس
فبتنا بليل طيب نستلذهجميعا ولم أقلب لها كفّ لامس

الحلال يقطر، والحرام يسيل.

لقي مخنث آخر وقد تاب، فقال له: من أين معاشك؟ قال:

بقيت لي بقية من الكسب القديم، قال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فإن لحم الخنزير طريا خير من قديد.

نزل خارجي على أخ مستترا عن الحجاج، فشخص المنزول

عليه لبعض حاجته، وقال لامرأته: أوصيك يا زرقاء بضيفي هذا خيرا، فلما عاد بعد شهر قال لها: كيف ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء! وكان الضيف أطبق عينيه، فلم ينظر إلى المرأة والمنزل إلى أن عاد زوجها.

مرت امرأة بقوم من بني نمير، فقال رجل منهم: هي رسحاء. فقالت: يا بني نمير ما أطعتم الله ولا أطعتم الشاعر، قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ

، وقال الشاعر: فغضّ الطرف إنك من نمير.

عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص:

هيفاء فيها إذا استقبلتها عجفعجزاء غامضة الكعبين معطار
من الأوانس مثل الشمس لم يرهافي ساحة الدار لا بعل ولا جار

لم يذهب على أحد من الرواة أن عمر بن أبي ربيعة كان عفيفا، يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.

قيل للحسن: إنّ عند فلان عشرة آلاف، فقال: ما أحسبها اجتمعت من حلال.

وقيل له: إن فلانا مات وترك مائة ألف، قال: إذن لا تتركه.

زاهد: إني لأشتهي الشّواء منذ أربعين سنة ما صفا لي درهمه.

لا تعوّد نفسك الشّبع من الحلال فتأكل الحرام.

سقط من يد كهمس بن الحسن الحنفي دينار، فطلبوه حتى وجدوه، فأبى أن يأخذه، وقال: لعلّه ليس بديناري.

ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط في يقظة ولا نوم غير أم عبد الله، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري.

قال بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.

[شاعر]:

وإني لعف عن فكاهة جارتيوإني لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لهازؤورا ولم تأنس إلي كلابها
ولم أك طلابا أحاديث سرهاولا عالما من أي حوك ثيابها

تذاكروا أشد الأعمال في مجلس يونس بن عبيد فاتفقوا على أنه الورع، فجاء حسان بن أبي سنان فقال: إنّ الصلاة لمؤونة، وإن

الصوم لمؤونة، وإن الصدقة لمؤونة، وما أهون للورع إذا رابك شيء فاتركه.

- ومن وزع حسان أن غلاما له كتب إليه من الأهواز: أن قصب السكر أصابته آفة، فاشتر مما قبلك من السكر، ففعل، فطلب منه بعد قليل بربح ثلاثين ألفا، فاستقال البيع صاحبه وقال: لم نعلم كنت أعمل حين اشتريته، فقال: قد أعلمتني الآن وقد طيبتك، فلم يطمئن قلبه، ولم يزل حتى رده إليه.

محمود الوراق:

لا تشعرن قلبك حب الغنىإن من العصمة أن لا تجد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تشعرن قلبك حب الغنى»
كم مدمن خمرا وعاد علىسماع لهو وغناء غرد
لو لم يجد خمرا ولا مسمعابرّد بالماء غليل الكبد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «لا تشعرن قلبك حب الغنى»

ابن المبارك: أراد أبو حنيفة ﵀ أن يشتري جارية،

فمكث عشر سنين يختار ويشاور من أي سبي يشتريها.

اختلطت غنم الغارة بغنم أهل الكوفة، فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين.

- وحملت إليه بدرة من عند المنصور، فرماها في زاوية البيت.

فلما توفي جاء بها ولده حماد إلى الحسن بن قحطبة، فقال:

أوصاني أبي برد هذه الوديعة إليك، فقال: رحم الله أباك، لقد شح بدينه إذ سخت به أنفس أقوام.

الثوري: أنظر درهمك من أين هو، وصلّ في الصف الأخير.

كان عمر ﵁ يتمثل:

حلالها حسرة يفضي إلى ندموفي المحارم منها السم مذرور

جابر: سمعت النبي ﷺ يقول لكعب بن عجرة: لا يدخل الجنة من نبت لحمه من حرام، النار أولى به.

أبو بكر ﵁ رفعه: إن الله حرم الجنة أن يدخلها جسد غذي بحرام.

أبو هريرة رفعه: يأتي على الناس زمان لا يبالون من حلال

كسبوا المال أم من حرام.

حذيفة رفعه: إن قوما يحيون يوم القيامة لهم من الحسنات أمثال الجبال فيجعلها الله هباء، ثم يؤمر بهم إلى النار، فقال سلمان: حلهم لنا يا رسول الله. فقال: أما أنهم كانوا يصلون ويصومون، ويأخذون أهبة من الليل. ولكنهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا إليه.

أيمن بن خريم:

فقلت اصطحبها أو لغيري فأهدهافما أنا بعد الشيب ويلك والخمر
تعففت عنها في العصور التي خلتفكيف التصابي بعد ما كلأ العمر
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

فلان يعقد نطاقه على طبع الطيب الازار.

أبو سليمان الداراني: من صدق في ترك الشهوة كفي مؤونتها، الله أكرم أن يعذب قلبه بها وقد تركها له.

مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم أضافوه فقال: يا أبا إسحاق نعم الشيء هذا لو لم يكن تكرمة على الدين.

مروان بن معاوية: ما من أحد إلّا وقد أكل بدينه حتى سفيان الثوري، كان له أخ يعمل ببضاعته وهو جالس، ولولا دينه ما فعل به ذلك.

ملك اللذات أن يعبدنه.

هو بماله متبرع، وعن مال غيره متورع.

لم يتدنس بحطام، ولم يتلبس بآثام.

عف السريرة غيبه كالشهد.

قالت امرأة لرجل أكثر تأملها: عبر عينك وشيء غيرك.

أبو أمامة الباهلي: لما بعث الله محمدا ﷺ أتت إبليس جنوده وقالت: قد بعث نبي وخرجت أمته، قال: أفيحبون الدنيا؟ قالوا:

نعم، قال: إن كان يحبون الدنيا فأني لا أبالي أن لا يعبدوا الأوثان، أنا أغدوا عليهم وأروح بثلاث: أخذ المال من غير حله، وانفاقه في غير حقه، وامساكه عن حقه، والشرك تبع لهذا.

حكيم: عز النزاهة أحب إليّ من فرح الفائدة، والصبر على العسرة أحب إلي من احتمال المنة.

قيل لابن المسيب: إلعن الحجاج، فقال: لا يأخذ الناس مظالمهم من الحجاج ويأخذ الحجاج مظلمته مني، حسبه ذنبه.

دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان فقال: يا بثينة ما أرى شيئا مما كان يقول جميل، فقالت: يا أمير المؤمنين، إنه كان يرنو إلي

بعينين ليستا في رأسك، قال: فكيف صادفتيه في عفته؟ قالت: كما وصف نفسه:

لا والذي تسجد الجبال لهمالي بما دون ثوبها خبر
ولا بفيها ولا هممت بهاما كان إلا الحديث والنظر

وعن أبي سهل الساعدي: دخلت على جميل وبوجهه آثار الموت فقال لي: يا أبا سهل، إنّ رجلا يلقى الله ولم يسفك دما حراما، ولم يأت فاحشة، أترجو له؟ قلت: إي والله، فمن هو؟ قال: إني لأرجو أن أكون ذلك، فذكرت بثينة، فقال: إني لفي آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، لا نالتني شفاعة محمد إن كنت حدثت نفسي بريبة قط.

عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ: دعته امرأة إلى نفسها للنور الذي بين عينيه، فأبى وقال:

أما الحرام فالحمام دونهوالحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينهيحمي الكريم عرضه ودينه

وقال:

وأحور مخضوب البنان محجبدعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها
بخلت بنفسي عن مقام يشينهافلست مريدا ذاك طوعا ولا كرها

الحسن: لو وجدت رغيفا من حلال لاحرقته، ثم دققته، ثم ذريته، ثم داويت به المرضى.

عدمت زوج أبي ذر ﵂ ما تكفنه به فبكت، فقال:

سمعت رسول الله ﷺ يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض، تشهده عصابة من المؤمنين. فأبصري الطريق. فإذا برجال أقبلوا ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، فقال: أنشدكم الله إن كفنني رجل منكم كان عريفا، أو أميرا، أو شرطيا. فكفنه فتى أنصاري منهم بثوبين من غزل أمه.

راود توبة ليلى الأخيلية عن نفسها، فاشمأزت وقالت:

وذي حاجة قلنا له لا تبح بهافليس إليها ما حييت سبيل
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونهوأنت لأخرى صاحب وخليل

ابن ميادة:

موانع لا يعطين حبة خردلوهن دوان في الحديث أوانس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ويكرهن أن يسمعن في اللهو ريبةكما كرهت صوت اللجام الشوامس
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال رجل للثوري: أصاب ثوبي خلوق من خلوق الكعبة، فقال: إغسله فكم فيه من دم مسلم.

فضيل: ابنه علي: كانت لنا شاة أكلت يسيرا من علف بعض

الأمراء فما شرب من لبنها بعد.

إبراهيم بن أدهم: أنا بالشام من أربع وعشرين سنة، ما جئت لجهاد ولا رباط، ولكن لأشبع من خبز حلال.

عمرو بن العاص: لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال، وهما يريان أنه يحل لهما، لقد غبنا ونقص رأيهما، والله ما كانا مغبونين ولا ناقصي الرأي. ولئن كان ما أصبنا منه يحرم علينا لقد هلكنا، وأيم الله ما أتى الوهم والوهن إلا من قبلنا.

عبد الله بن حسن بن حسن:

أنس غرائر ما هممن بريبةكظباء مكة صيدهنّ حرام
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أنس غرائر ما هممن بريبة»
يحسبن من لين الحديث فواسقاويصدهنّ عن الخنا الإسلام

كان الأصمعي يستحسن بيتي العباس بن الأحنف:

أتأذنون لصب في زيارتكمفعندكم شهوات السمع والبصر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتأذنون لصب في زيارتكم»
لا يضمر السوء إن طال الجلوس بهعفّ الضمير ولكن فاسق النظر
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتأذنون لصب في زيارتكم»

كان ابن المدني متواصفا بالعفة وطيب الإزار، فأنشد عبد الملك بن مروان وهو متنكب قوسه:

وابكي فلا ليلى بكت من صبابةلباك ولا ليلى لذي الود تبذل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
واخنع بالعتبي إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

فقال له: من ليلى هذه؟ لئن كانت حرة لأزوجنّكها، ولئن كانت مملوكة لاشترينّها لك بالغة ما بلغت، فقال: كلا يا أمير المؤمنين، ما كنت لأمعر بوجه حر أبدا في حرّته ولا في أمته، والله ما ليلى إلا قوسي هذه، أسميتها ليلى فأنا أنسب بها.

مهدي بن الملوح الجعدي:

كأن على أنيابها الخمر شابهابماء الندى من آخر الليل غابق
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
وما ذقته إلا بعيني تفرساكما شيم في أعلى السحابة بارق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»

عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله من المؤمن؟ قال:

المؤمن من إذا أصبح نظر في رغيفيه من أين يسكبهما. قالت: يا رسول الله أما أنهم لو كلفوه لتكلفوه، قال: أما أنهم قد كلفوه، ولكن يعشقون الدنيا عشقا.

اختفى إبراهيم بن المهدي في هربه من المأمون عند عمته زينب بنت أبي جعفر، فوكلت بخدمته جارية لها اسمها ملك، واحدة

زمانها في الحسن والأدب، طلبت منها بخمس مائة ألف فأبت، فهويها، وتذممّ أن يطلبها إليها، فغنى يوما وهي قائمة على رأسه.

يا غزالا لي إليهشافع من مقلتيه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
والذي أجللت خذيه فقبلت يديه
بأبي وجهك ما اكثر حسادي عليه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
أنا ضيف وجزاء الضييف إحسان إليه
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

ففطنت الجارية، فحكت لمولاتها، فقالت: إذهبي إليه فأعلميه أني قد وهبتك له. فعادت إليه، فلما رآها مقبلة أعاد الغناء، فانكبّت عليه، فقال: كفي، فقالت: قد وهبتني لك مولاتي، وأنا الرسول، فقال: أما الآن فنعم.

أنشد المبرد:

ما إن دعاني الهوى لفاحشةإلّا عصاه الحياء والكرم
فلا إلى محرم مددت يديولا مشت بي لريبة قدم

طلب عمر بن عبد العزيز رحلا لمصحفه، فأتي برحل فأعجبه، فقال: من أين أصبتموه؟ فقيل: عمل من خشبة وجدت في بعض الخزائن، قال: قوموه في السوق، فقوّم بنصف دينار، فقال: ضعوا في بيت المال دينارا، فقيل: لم يقوّم إلا بنصف دينار، فقال: ضعوا في بيت المال دينارين.

عيسى ﵇، لا تكن حديد النظر إلى ما ليس لك. فإنه لن يرى فرجك ما حفظت عينيك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك فافعل، ولن تستطيع ذلك إلا بأذن الله.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.