تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب التاسع والأربعون العتاب، والتثريب، والشكوى، والبث، والاستعطاف، وما أشبه ذلك

أنس ﵁: خدمت النبي ﷺ عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه، فما قال فيها أفّ قط، وما قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا!.

وعنه ﵇، إذا زنت خادم أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرّب، وروي:- ولا يعيّرها.

عاتب عثمان عليا ﵄ وعلي مطرق، فقال: مالك لا تقول؟ إن قلت لا أقول إلا ما تكره وليس عندي إلا ما تحب.

في الإنجيل: إن ظلمك أخوك فاذهب إليه فعاتبه فيما بينك وبينه فقط، فإن أطاعك ربحت أخاك، وإن هو لم يطعك فاستتبع رجلا أو رجلين ليشهدا ذلك الكلام كله. فإن لم يستمع فإنه أمره إلى أهل السعة، فإن هو لم يسمع من أهل السعة فليكن عندك كصاحب المكس.

وروي عن عيسى صلوات الله عليه: إذا كانت بينك وبين أخيك

معاتبة فالقه فسلّم عليه، واستغفر لك وله، فإن قبل فأخوك، وإن أبى فاشهد عليه شاهدين أو ثلاثة أو أربعة، فعلى ذلك تقوم شهادة كل شيء، أو مجلس قومه، فإن قبل فأخوك، وإن أبى فليكن كصاحب مكس، أو كمن كفر بالله.

أبو الدرداء: معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله؟

[شاعر]:

خليليّ لو كان الزمان مساعديوعاتبتماني لم يضق عنكما صدري
فأما إذا كان الزمان محاربيفلا تجمعا أن تؤذياني مع الدهر

كتب الصولي إلى ابن الزيات:

وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا كنت حربا عوانا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت فيك أذم الزمانا

وكتب إليه:

أخ كنت آوي منه عند ادكارهإلى ظل فينان من العز باذخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
سعت نوب الأيام بيني وبينهفأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
وإني وإعدادي لدهري محمداكملتمس إطفاء نار بنافخ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

إياس بن معاوية: خرجت في سفر ومعي رجل من الأعراب، فلما كان ببعض المنازل لقيه ابن عم له فتعانقا وتعاتبا، وإلى جانبهما شيخ من الحي يفن، فقال لهما: أنعما عيشا، إن المعاتبة تبعث التجني والتجني يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعث العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة.

[شاعر]:

فدع ذكر العتاب فربّ شرطويل هاج أوّله العتاب

قال رجل لصديق يعاتبه: ما أشكوك إلا إليك، ولا استبطئك إلا لك، ولا استريدك إلا بك.

وقال له: أنا منتظر واحدة من اثنتين عتبى تكون منك، أو عقبى تغني عنك. وقال له: قد حميت جانب الأمل فيك، وقطعت أسباب الرجاء منك. وقد أسلمني اليأس منك إلى العزاء عنك فإن نزعت من الآن فصفح لا تثريب فيه، وإن تماديت فهجر لا وصل بعده.

أوس بن حارثة لابنه: العتاب قبل العقاب.

ابن أبي فنن.

إذا كنت تغضب في غير ذنبوتعتب من غير جرم عليّا
طلبت رضاك فان عزنيعددتك ميتا وإن كنت حيا
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

سأل سفيان بن الأبرد الكلبي هندا بنت أسماء بن خارجة امرأة الحجاج أن تكلمه في شأنه فمطلته فقال:

أعاتب هندا والسفاه عتابهاوماذا أرجيّ من معاتبتي هندا
اغيب فتنسى حاجتي وتصوغ ليحديثا إذا ما جئتها يقطر الشهدا

قال مدني لأبي مروان القاضي، أيها القاضي إلى متى استمطرك غيث الجميل، واستطلعك شمس الإحسان، وأنت تخوف برعد المطل. وتؤنس ببرق التسويف.

كاتب: أنت فتى المجد، ومعدن الحرية، ووطن الأدب، ومن كانت هذه صفاته فالخروج عن مودته جهل، فضلا عن الدخول في عداوته. وأنا أنت أخوا مودة، ورحم المودة أمسّ من رحم القرابة، فكيف رشت سهامك؟ أم كيف امتحنت بعداوتك؟ ولكنه كما قال:

بلى قد تهب الريح من غير وجههاويقدح في العود الصحيح القوادح

أبو الزبرقان الكاتب:

صحبتك إذ أنت لا تصحبوإذ أنت لا غيرك الموكب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وإذا أنت تكثر ذم الزمانونفسك نفسك تستحجب

عمرو بن الأيهم بن الأقلت النصراني:

قاتل الله قيس عيلان طراما لهم دون غارة من حجاب
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
ليس بيني وبين قيس عتابغير طعن الكلى وضرب الرقاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «علني أحمد من الدوشاب»

من أحوجك إلى العتب فقد وطن نفسه على الهجر.

قدم ابن ذكاء المعتصم وكان شيخ الرملة والمشار إليه في فلسطين على ابن قريعة القاضي فقدم على ما ساءه وناءه حتى قال: لقد اقشعر جلدي بتلك الديار من ضيم لعله ما كان ينالني، ولو نالني لما كان يغيظني، وأسندت نفسي إلى ابن عم لي بالعراق، ولو سلخني المغاربة سلخا، ونفخوا في جلدي نفخا، لكان أهون علي مما عاملني به.

كتبت عثعث على زر قميصها بالذهب:

علامة ما بين المحبين في الهوىعتابهما في كل حق وباطل

وكتبت مستهام جارية الفضل بن الربيع على تفاحة إليه:

تمنى رجال ما أحبوا وإننيتمنيت أن أشكو إليه فيسمعا

غيره:

وكنت إذا ما جئت أكرمت مجلسيووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرةإليّ بها في سالف الدهر تنظر
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أنا اليوم لي والحمد لله أشهر»

الأحنف: شكوت إلى عمي صعصعة بن معاوية وجعا في بطني، فنهرني ثم قال: يا ابن أخي، إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان، صديق تسوؤه، وعدو تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به، وهو قادر على أن يفرج عنك.

يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا من أربعين سنة، وما اطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي.

أبو دلف:

وإذا عوتب في سيئةلم يدعها وتعاطى أختها

محمد بن أمية بن أبي أمية:

وأضمر في قلبي العتاب فإن بداوساعفني منه اللقاء نسيت

غيره:

ومن لم يعاتب في التواني خليلهوأملى له صار التواني تماديا

آخر:

ترك العتاب إذا استحق أخمنك العتاب ذريعة الهجر
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة

شكى رجل إلى آخر الفقر، فقال له فضيل يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك.

آخر:

شكوت وما اشكو لمثلي عادةولكن تفيض النفس عند امتلائها

آخر:

وكم من أخ ناديت عند ملّمةفألفيته منها أمض وأقدحا

المتنبي:

لا تشك يوما إلى خلق فتشتمهشكوى الجريح إلى الغربان والرّخم

وهيب بن الورد: خالطت الناس منذ خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي زلة، ولا أقالني عثرة، ولا ستر لي عورة، ولا أمنته إذا غضب.

ما أصغيت لك إناء، ولا أصننت لك فناء، أي ما فعلت بك ما يوجب الشكاية.

[قوله]:

وأراك تشربني فتمزجنيولقد عهدتك شاربا صرفا

مثل في ترك اختصاصه بالمودة، وهو في غاية الجودة.

[شاعر]:

ياذا الذي معه التنكر والتنفر والتبوّ
ان كان أدركك الملال فقد تداركني السلوّ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ذا الذي منه التنكر»

غيره:

كل يوم قطيعة وعتابينقضي دهرنا ونحن غضاب

كثرة العتّاب تنغل أديم المودة.

عتاب جحظة مثل فيما رق ولطف، قال:

ورق الجو حتى قيل هذاعتاب بين جحظة والزمان
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وللبديع الهمداني: بيننا عتاب لحظة كعتاب جحظة واعتذارات بالغة كاعتذارات النابغة.

في نوابغ الكلم: الكتاب الكتاب أن أردت العتاب.

إن العتاب مسافهة إذا كان مشافهة.

قابوس: أراك واهي الود، غير زاكي اللّبّ في منابت الحب.

الوفاء عندك بمنزلة الأبلق العقوق، والصفاء لديك مشوب

برنق العقوق.

كثيّر:

ومن لا يغمض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقك برق آخر الليل واصب»
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرةيجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أشاقكَ برقٌ آخرَ الليلِ واصبُ»

بشّار:

إذا كنت في كل الأمور معاتباصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
للشاعر راجح عبد الله، من قصيدة «قد توقد لاهبه»

كان أحمد بن يزيد المهلبي نديما للمنتصر، فطلبه أبوه المتوكل لمنادمته، فلم يزل نديمه حتى قتل، فلما ولي المنتصر حجبه، ثم أذن له وأمر بنان بن عمرو المغني فغنى:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخنورمت بديلا لي ولم أتبدل

والبيت للمنتصر، فاعتذر المهلبي، فقال المنتصر: إنما قلته مازحا، أتراني أتجاوز بك حكم الله: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ

. ووصله بثلاثة آلاف دينار.

حبس عبد الله بن علي المستهل بن الكميت، فكتب إليه:

إذا نحن خفنا في زمان عدوكموخفناكم إنّ البلاء لراكد

زهير بن صرد السعدي أسر يوم حنين فيمن أسر من هوازن، فقال يستعطف رسول الله ويذكره بحرمة الرضاع في بني سعد:-

أمنن على عصبة أعناقهم ذللمفرق شملها في دارها غير
وامنن على نسوة قد كنت ترضعهاإذ فوك يملأها من محضها درر
لا تجعلّنا كمن شالت نعامتهواستبق منا فإنّا معشر شكر
للشاعر زهير بن صرد الجشمي، اقرأ القصيدة
وألبس العفو من قد كنت ترضعهمن أمهاتك إن العفو منتظر

فمنّ عليهم رسول الله. أي هو مترقب منك تفعله لا محالة. أو عفو الله منتظر يعفو عن الطاغين من عباده.

عثمان بن مظعون ﵁ هاجر إلى أرض الحبشة

فبلغه من أمية بن خلف كلام فقال:

تريش نبالا لا يواتيك ريشهاوتبري نبالا ريشها لك أجمع
فكيف إذا نابتك يوما ملمةوأسلمك الأوباش ما كنت تصنع

المؤمل بن أميل المحاربي:

شكوت ما بي إلى هند فما اكترثتيا قلبها أحديد أنت أم حجر
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
لا تحسبيني غنيا عن مودتكمإني إليك وإن أيسرت مفتقر

منصور النمري:

اقلل عتاب من استربت بودّهليست تنال مودة بقتال
للشاعر منصور النمِري، اقرأ القصيدة

معبد بن أخضر المازني:

لقد طال إعراضي وصفحي عن التيأبلغّ عنكم والقلوب قلوب
وطال انتظاري عطفة الرحم منكمليرجع حلم والمعاد قريب
ولست أراكم تحرمون عن التيكرهنا ومنها في القلوب ندوب
فلا تأمنوا منا كفاءة فعلكمفيشمت خصم أو يساء حبيب
ويظهر منا في المقال ومنكمإذا ما ارتمينا بالمقال عيوب
فإن لسان الباحث الداء ساخطابني مازن ألوى البيان كذوب

قعنب بن أم صاحب:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحامني وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بشر عندهم أذنوا

محمد بن جميل التميمي الكاتب:

لئن أنا لم أبلغ بجاهك حاجةولم يك لي فيما وليت نصيب
وأنت أمير الأرض من حيث أطلعتلك الشمس قرنيها وحيث تغيب
أبا غانم إني إذا لبروضةلغيري يصفو رعيها ويطيب

محمود بن مروان بن أبي حفصة:

رحلت إلى أغرّ أبت جدوديإلى أجداده ألا ارتحالا

وله:

أزور إمام الهدى جعفراوكان لجديه جدي زؤورا

وله:

كنا نزور جدوده فركابنامن طول ذلك بالطريق عوالم

كتب عمر بن عبد العزيز إلى الزهري يستقدمه، فأبطأ عليه

فقال: يا ابن شهاب لو كان غيرنا ما أبطأت عليه، لقد قلبتك ظهرا لبطن فوجدتك بني دنيا.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.