من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك
وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ينبغي ألَّا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ولا تفصيل، حتى إنَّه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكلّ منهما نوع مفرد برأسه له حقيقة تخصه، إلّا أنهما قد اشتبها على علماء البيان, فكيف على جاهل لا يعلم؟!
وقد بَيَّنْتُ هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على أخواتها, وما يجري مجراها.
وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على النوع والذي قبله دون غيرهما من تلك الأنواع المذكورة، لأنَّ هذين النوعين أصلَا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفًا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرًا.
وحقيقة هذا النوع الذي هو "المنافرة" أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما هو في معناها أولى بالذكر.
وعلى هذا, فإن الفرق بينه وبين المعاظلة: أن المعاظلة هي التراكب والتداخل, إمَّا في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا تراكب فيه، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه.
وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ المتعددة.
فأمَّا الذي يوجد في اللفظة الواحدة فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله بغيره مما هو في معناه, سواء كان ذلك نثرًا أو نظمًا.
وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره من الشعر، بل يمكن ذلك في النثر خاصة لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن.
فمِمَّا جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي:
فلا يبرم الأمر الذي هو حاللٌولا يحلل الأمر الذي هو يبرم
فلفظة "حالل" نافرة عن موضعها، وكانت مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل عوضًا عنها لفظة "ناقض"، فقال:
فلا يبرم الأمر الذي هو ناقضٌولا ينقض الأمر الذي هو يبرم
لجاءت اللفظة قارَّةً في مكانها، غير قلقة ولا نافرة.
وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعرِّي أنه كان يتعصَّب لأبي الطيب، حتى إنه
كان يسميه "الشاعر" ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها, فيجيء حسنًا مثلها!
فيا ليت شعري, أما وقف على هذا البيت المشار إليه!؟ لكنَّ الهوى كما يقال أعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقةً وأعماها عصبيةً، فاجتمع له العمى من جهتين.
وهذه اللفظة التي هي "حالل" وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال, وهي فك الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم فاعل، وعلى هذا, فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلَّ السيف فهو سالل، ولا أن يقال: همَّ بالأمر فهو هامم، ولا خطَّ الكتاب فهو خاطط، ولا حنَّ إلى كذا فهو حانن!!
وهذا لو عرض على من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب, لكن لا بُدَّ لكل جواد من كبوة.
وأنشد بعض الأدباء بيتًا لدعبل، وهو:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنهيصونك عن مكروهها وهو يخلق
قلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح، لأنه سبكه قلقًا نافرًا، وتلك الفاء التي في قوله: "شفيعك فاشكر" كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش.
فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم أولًا، وبالذوق ثانيًا.
أما العلم: فإن الفاء في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ هي الفاء العاطفة، فإنها واردة بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ وهي مثل قولك: "امش فأسرع"، و"قل فأبلغ", وليست الفاء التي في "شفيعك فاشكر" كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو جاءت في السورة كما جاءت في قول دعبل -وحاش الله من ذلك- لابتدئ الكلام فقيل: ﴿رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، لكنها جاءت بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، حسن ذكرها فيما يأتي بعدها ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
وأما الذوق: فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة.
فلمَّا سمع ما ذكرته أذعَنَ بالتسليم.
ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظمًا كان أو نثرًا لا يتفَطَّن لها إلّا الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة!
ومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح، لأنه أثقل على اللسان.
فمِمَّا ورد من ذلك قول أبي تمام:
قراني اللها والوُدّ كأنَّمَاأفاد الغنى من نائلي وفوائدي
فأصبح يلقاني الزمان من اجلهبإعظام مولودٍ ورأفة والد
فقوله: "من اجله" وصل الهمزة القطع.
وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي:
يوسطه المفاوز كل يومٍطلاب الطَّالبين لا الانتظار
فقوله: "لا الانتظار" كلام نافر عن موضعه.
ومن هذا القسم أن يفرَّق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدَّم ذكره، كقول البحتري:
حلفتُ لها بالله يوم التَّفَرُّقوبالوجد من قلبي بها المتعلِّق
تقديره "من قلبي المتعلق بها" فلمَّا فصل بين الموصوف الذي هو "قلبي" والصفة التي هي "المتعلق" بالضمير الذي هو "بها" قبح ذلك، ولو كان قال: "من قلبٍ بها متعلق" لزال ذلك القبح, وذهبت تلك الهجنة.
ومن هذا القسم أيضًا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير فيه مقام المفعول, كقول أبي تمام:
فلو عاينتهم والزائريهملما مِزْتَ البعيد من الحميم
فقوله: "الزائري" اسم فاعل، وقوله: "هم" الذي هو الضمير في موضع المفعول تقديره "الزائرين أرضهم أو دارهم"، أو "الزائرين إياهم"، فاستعمال هذا مع الألف واللام قبيح جدًّا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح. وقد استعملها الشعراء المتقدمون كثيرًا.
ومما جاء من القسم الثاني -الذي يوجد في الألفاظ المتعددة- قول أبي الطيب أيضًا:
لا خَلْقَ أكرمُ منك إلا عارفٌبك راءَ نفسَكَ لم يقلْ لك هاتِهَا
فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير.
تم بحمد الله وحسن توفيقه طبع القسم الأول من كتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر",
ويليه بعونه تعالى القسم الثاني, وأوله المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع