تجاوز إلى المحتوى

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)

مدخل (٤)

بسم الله الرحمن الرحيم:

المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية

وهي تنقسم قسمين:

الأول منهما: في الكلام على المعاني مجملًا:

والثاني في الكلام عليها مفصَّلًا.

وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملةً لما نحن بصدد ذكره هاهنا فأقول:

اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني، وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه، فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله ومع هذا، فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرًا أو تكلم نثرًا.

فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعًا وخليقةً، والله فطره عليه، كما فطر

ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة.

فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي، والإصابة فيه من غير تعليم.

وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد، فيما يباشرونه من مصوغ.

أو خشب، أو فخار، أو غير ذلك.

وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد.

فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة، فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر، وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر، وجاءوا بمعانٍ كثيرة ما جاءت في شعر العرب، ولا نطقوا بها؟.

فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه.

قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئًا منه، ولا مسلم بن الوليد، ولا أبو تمام ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم!.

وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد وابن العميد، والصابي، وغيرهم.

فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئًا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت على رسائلي، ومكاتباتي -وهي عدة مجلدات- وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم، والنثر بنجوةٍ من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدًا، وفي كتابي هذا ما يغنيك وهو كافٍ.

ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي

ابن سينا في الخطابة والشعر، وذكر ضربًا من ضروب الشعر اليوناني يسمى "اللاغوذيا"، وقام فأحضر كتاب "الشفاء" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، وكل الذي ذكره لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا.

ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئًا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال.

ولو أنه فكر أولًا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!.

بل أقول شيئًا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع

توضع، ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي.

وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني، فإني راجع إلى شرح ما أجملته فأقول:

أما القسم الأول: فإن المعاني فيه على ضربين:

أحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه:

وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالًا للمتوشح لهذه الصناعة.

فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين:

بكروا وأسروا في متون ضوامرٍقيدت لهم من مربط النجار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
لا يبرحون ومن رآهم خالهمأبدًا على سفرٍ من الأسفار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة، لشاهد الحال الحاضرة.

وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار:

ما زال سر الكفر بين ضلوعهحتى اصطلى سر الزناد الواري
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
نارًا يساور جسمه من حرهالهبٌ كما عصفرت شق إزار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
طارت لها شعلٌ يهدم لفحهاأركانه هدمًا بغير غبار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
فصلن منه كل مجمع مفصلٍوفعلن فاقرةً بكل فقار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
مشبوبةً رفعت لأعظم مشركٍما كان يرفع ضوءها للساري
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»
صلى لها حيا وكان وقودهاميتًا ويدخلها مع الفجار
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الحق أبلج والسيوف عوار»

وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال.

وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال:

كم عزيزٍ أباده فغدا يركب عودًا مركبًا في عود
أسلمته إلى الرقاد رجالٌلم يكونوا عن وترهم برقود
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا قد أطلتما تفنيدي،»
تحسد الطير فيه ضبع البواديوهو في غير حالة المحسود
غاب عن صحبه فلا هو موجود لديهم وليس بالمفقود
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا قد أطلتما تفنيدي»
وكأن امتداد كفيه فوق الجذع في محفل الردى المشهود
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا قد أطلتما تفنيدي»
طائرٌ مد مستريحًا جناحيهـ استراحات متعبٍ مكدود
للشاعر البحتري، من قصيدة «أقصرا قد أطلتما تفنيدي»
أخطب الناس راكبًا فإذا أرجل خاطبت منه عين البليد

وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها مأخوذًا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري، وهو قوله:

نصبته حيث ترتاب الرياح بهوتحسد الطير فيه أضبع البيد

لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: "وهو في غير حالة المحسود".

ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله:

وزائرتي كأن بها حياءًفليس تزور إلا في الظلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
بذلت لها المطارف والحشايافعافتها وباتت في عظامي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
كأن الصبح يطردها فتجريمدامعها بأربعةٍ سجام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»
أراقب وقتها من غير شوقٍمراقبة المشوق المستهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ملومكما يجل عن الملام»

وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى.

ومن بديع ما أتي به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان كان مخيمًا

بأرض ديار بكر على مدينة "ميا فارقين"، فعصفت الريح بخيمته، فتطير الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالًا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة، أولها:

أينفع في الخيمة العذل

فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله:

تضيق بشخصك أرجاؤهاويركض في الواحد الجحفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وتقصر ما كنت في جوفهاوتركز فيها القنا الذبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وكيف تقوم على راحةٍكأن البحار لها أنمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فليت وقارك فرقتهوحملت أرضك ما تحمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فصار الأنام به سادةًوسدتهم بالذي يفضل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
رأت لون نورك في لونهاكلون الغزالة لا يغسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وأن لها شرفًا باذخًاوأن الخيام بها تخجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فلا تنكرن لها صرعةًفمن فرح النفس ما يقتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
ولو بلغ الناس ما بلغتلخانتهم حولك الأرجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
ولما أمرت بتطنيبهاأشيع بأنك لا ترحل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فما اعتمد الله تقويضهاولكن أشار بما تفعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وعرف أنك من همهوأنك في نصره ترفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
فما العاندون وما أثلواوما الحاسدون وما قولوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
هم يطلبون فمن أدركوا؟وهم يكذبون فمن يقبل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»
وهم يتمنون ما يشتهونومن دونه جدك المقبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيقدح في الخيمة العذل»

هذه الأبيات قد اشتملت على معانٍ بديعة، وكفى المتنبي فضلًا أن يأتي بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر.

وقرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله:

تدار علينا الراح في عسجديةٍحبتها بأنواع التصاوير فارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
قرارتها كسرى وفي جنباتهامهًا ثورتها بالعشي الفوارس
فللراح ما زرت عليه جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «كتبت بها في يوم لهو وهامتي»

وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع.

ويحكى عن الجاحظ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديمًا وحديثًا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه!

ولا أعلم أنا ما أقول لهما ولا بي سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائر: بدون هذا يباع الحمار!

وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نواس رأى كأسًا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.

والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماءً يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.

وكذلك ورد قوله في الخمر أيضًا:

يا شقيق النفس من حكمنمت عن ليلى ولم تنم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»
فاسقني الخمر التي اختمرتبخمار الشيب في الرحم
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

وهذا معنى مخترع، لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصور.

وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هارون ﵀ فقيل: إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على وجهها، فقال الأصمعي: إن أبا نواس ألطف خاطرًا من هذا، وأسد غرضًا فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيهًا بالقصنة، وهي أصل العنقود، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرًا، وأسد غرضًا!؟.

وقد جاء لابن حمديس الصقلي في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله:

كأنما أدهم الظلماء حين نجامن أشهب الصبح ألقى نعل حافره
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «ورب صبح رقبناه وقد طلعت»

وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه.

وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء.

وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر، أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها

ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة في مدح النعمان وقد أتاه وفد من الوفود، فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك:

حباء شقيق فوق أحجار قبرهوما كان يحبى قبله قبر وافد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «حباء شقيق فوق أحجار قبره»

وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى!.

وكذلك ورد قول أخت جساس، زوجة كليب، فإنه لما قتل جساس كليبًا اجتمع النساء إليها، وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة، فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت:

يا ابنة الأقوام إن شئت فلاتعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذييوجب اللوم فلومي واعذلي
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
إن أختًا لامرئٍ ليمت علىشفقٍ منها عليه فافعلي
جل عندي فعل جساسٍحسرتا عم انجلت أو تنجلي
فعل جساس على وجدي بهقاطع ظهري ومدن أجلي
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
لو بعينٍ فقئت عينٌ سوىأختها فانفقأت لم أحفل
يا قتيلًا قوض الدهر بهسقف بيتي جميعًا من عل
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
هدم البيت الذي استحدثتهوانثنى في هدم بيتي الأول
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
يشتفي المدرك بالثأر وفيدركي ثأري ثكلٌ مثكلي
للشاعر جليلة بنت مرة الشيبانية، اقرأ القصيدة
إنني قاتلةٌ مقتولةٌولعل الله أن يرتاح لي

وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف امرأة، وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها.

واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع.

فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:

تنافس الليل فيه والنهار معًافقمصاه بجلبابٍ من المقل

وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه.

وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له: ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت معنى غريبًا، فقال:

ونقطته حباءً كي يسالمهاعلى المنايا نعاج الرمل بالحدق

وهذا معنى غريب، لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله.

وقليلًا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه له.

وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى.

وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور.

فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو:

"أقبلت ربائب الكناس، في مخضر اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان".

وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ابتداعًا.

ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق، وهو:

"فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات، فأنشأت سحبًا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبلٍ من جلمودها، وتفجؤها برعودها قبل بروقها، وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلًا، والعامر بلقعًا مخلى".

وفي هذا معنيان غريبان.

أحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد.

والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة.

ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت:

"إذا تخلق المرء بخلق البأس، والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسًا".

وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ: $"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا".

ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت:

"مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر".

ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه:

وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورًا، فقلت: "وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي، وعسى أن تكون أرض محشره".

والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: "والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره"، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ: $"إنكم تحشرون على بيضاء كقرصة النقي"، يريد الخبزة البيضاء ولما كان الثلج على الأرض مماثلًا لذلك، ومشابهًا له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحال.

وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت:

"ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلًا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى

والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخط به الأقلام في خطها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها".

وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي.

وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابًا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابًا إلى جانبه، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إليه كتابًا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانًا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه.

وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه، ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك.

وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة، فإنها أصعب منالًا مما يستخرج بشاهد الحال، ولأمرٍ مما كان لأبكارها سرٌ لا يهجم على مكامنه، إلا جنان الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به قربا الفذ، ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها صورًا يركبها كيف يشاء?.

ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقًا من الكلام، فليأت به على صورة

الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية.

فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس:

شرابك في السراب إذا عطشناوخبزك عند منقطع التراب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»
وما روحتنا لتذب عناولكن خفت مرزئة الذباب
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «برزت من المنازل القباب»

فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع.

ويحكى عن الرشيد هارون ﵀ أنه قال: لم يهج بادٍ ولا حاضر بمثل هذا الهجاء!

ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد:

تنال بالرفق ما تعيا الرجال بهكالموت مستعجلًا يأتي على مهل

ومن هذا الباب قول علي بن جبلة:

تكفل ساكن الدنيا حميدٌفقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصىإليه أن يعولهم فعالا
للشاعر العكوك، اقرأ القصيدة

وهذا معنى دندن حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه.

وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعًا للمعاني، وقد عدت معانيه المبتدعة، فوجدت ما يزيد على عشرين معنى.

وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير، فإني أنا عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي، فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه!

فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله:

يأيها الملك النائي برؤيتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملًاإن السماء ترجى حين تحتجب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «صبرا على المطل ما لم يتله الكذب»

وكذلك قوله:

رأينا الجود فيك وما عرضنالسجلٍ منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمتفدلتنا على مطر قريب

وكذلك قوله في الهجاء:

وأنت تدير قطب رحًا ملياولم نر للرحا العلياء قطبا
ترى ظفرًا بكل صراع قرنٍإذا ما كنت أسفل منه كعبا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أعتبة أجبن الثقلين عتبا»

وكذلك قوله:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍطويت أتاح لها لسان حسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لولا اشتعال النار فيما جاورتما كان يعرف طيب عرف العود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

وكذلك قوله:

لا تنكروا ضربي له من دونهمثلًا شرودًا في الندى والباس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»
فالله قد ضرب الأقل لنورهمثلًا من المشكاة والنبراس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «ما في وقوفك ساعة من باس»

وكذلك قوله:

لا تنكري عطل الكريم من الغنىفالسيل حربٌ للمكان العالي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «كفي وغاك فإنني لك قالي»

وكذلك قوله في الشيب:

شعلةٌ في المفارق استودعتنيفي صميم الفؤاد ثكلًا صميما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»
تستثير الهموم ما اكتن منهاصعدًا وهي تستثير الهموما
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن عهدا لو تعلمان ذميما»

فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف.

وهذا القدر كاف من جملة معانيه، فإنا لم تستقصها ههنا.

ومن هذا الباب قول ابن الرومي:

كل امرئٍ مدح امرًأ لنوالهوأطال فيه فقد أساء هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقىعند الورود لما أطال رشاءه
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «كل امرىء مدح امرأ لنواله»

وكذلك قوله:

عدوك من صديقك مستفادٌفلا تستكثرن من الصحاب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عدوك من صديقك مستفاد»
فإن الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
للشاعر فرنسيس مراش، اقرأ القصيدة

وكذلك قوله:

لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
وإلا فما يبكيه منها وإنهالأوسع مما كان فيه وأرغد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أبين ضلوعي جمرة تتوقد»
إذا أبصر الدنيا استهل كأنهبما هو لاقٍ من أذاها يهدد

وكذلك قوله:

رددت علي مدحي بعد مطلٍوقد دنست ملبسه الجديدا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رددت علي مدحي بعد مطل»
وقلت: امدح به من شئت غيريومن ذا يقبل المدح الرديدا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «رددت علي مدحي بعد مطل»
وهل للحي في أكفان ميتٍلبوسٌ بعدما امتلأت صديدا

وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله:

أجزني إذا أنشدت مدحًا فإنمابشعري أتاك المادحون مرددا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ودع كل صوتٍ بعد صوتي فإننيأنا الصائح المحكي والآخر الصدى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديمًا وحديثًا، لكن البيت الثاني -في التمثيل الذي مثله- ليس لأحد إلا له.

وكذلك قوله:

بهجر سيوفك أغمادهاتمنى الطلى أن تكون الغمودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»
إلى الهام تصدر عن مثلهترى صدرًا عن ورودٍ ورودا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض:

قصدت من شرقها ومغربهاحتى اشتكتك الركاب والسبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»
لم تبق إلا قليل عافيةٍقد وفدت تجتديكها العلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أبعد نأي المليحة البخل»

وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديمًا وحديثًا، فلم أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنىً مخترعًا، لا بل لم أجد من أقوالهم شيئًا مرضيًّا، ما عدا المتنبي، فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنىً مخترع له، وقد أحسن فيه كل الإحسان.

ومما ابتدعه بإجماعٍ قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي مطلعها:

مغاني الشعب طيبًا في المغاني

قال عند ذكره:

فعاشا عيشة القمرين يحيابضوئهما ولا يتحاسدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولا ملكا سوى ملك الأعاديولا ورثا سوى من يقتلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وكان ابنا عدوٍ كاثراهله ياءي حروف أنيسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أي: جعل الله ابني عدو كاثراه -يعني ابني عضد الدولة- كياءي حروف تصغير "إنسان"، فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار.

إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه، وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته.

ومن معانيه المبتدعة قوله:

فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

وأحسن من ذلك قوله:

صدمتهم بخميسٍ أنت غرتهوسمهريته في وجهه غمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»
فكان أثبت ما فيهم جسومهميسقطن حولك والأرواح تنهزم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم»

وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء.

ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم:

وقد أشق الحجاب الصعب مأربهدوني وآبى ولولجًا فيه إن طرقا
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحًاوليس يدخله إلا إذا انطبقا

ورأيتُ ابن حمدون البغدادي صاحب كتاب "التذكرة" قد أورد هذين البيتين في كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط، وجرى على عادة الشعراء؛ لأن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس.

وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي، إلا كما يحكى عن ملك الروم، إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو:

كأن العيس كانت فوق جفنيمناخات فلما ثرن سالا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

فسأل عن المعنى، ففسر له فقال: ما سمعت بأكذب من هذا الشاعر أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه؟!.

ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم:

تخيره الله من آدمٍفما زال منحدرًا يرتقي
للشاعر أبو عبد الله بن حَبوس، اقرأ القصيدة

وكذلك قول الآخر:

بأبي غزالٌ غازلته مقلتيبين الغوير وبين شطي بارق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
وضممته ضم الكمي لسيفهوذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة
حتى إذا مالت به سنة الكرىزحزحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلعٍ تشتاقهكي لا ينام على وسادٍ خافق
للشاعر ابن بقي القرطبي، اقرأ القصيدة

وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصًا.

والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع!

ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانًا يقال له: "ابن طليل" احترقت داره:

انظر إلى الأيام كيف تسوقناطوعًا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليل قط بدارهنارًا وكان هلاكها بالنار

وكذلك ورد قول ابن قلاقس، من شعراء مصر:

زد رفعةً إن قيل أنغضوانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يدنو ما اكتسىثمرًا وينأى ما تعرى

وهذا من المعاني الدقيقة.

ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار وهو:

عيون تبرٍ كأنما سرقتسواد أحداقها من الغسق
فإن دجا ليلها بظلمتهضممن من خوفها على السرق

وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به.

ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا:

لا تضع من عظيم قدرٍ وإن كنت مشارًا إليه بالتعظيم
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «لا تضع من عظيم قدر وان كن»
فالشريف العظيم ينقص قدرًابالتعدي على الشريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخمر بتنجيسها وبالتحريم
للشاعر الحيص بيص، من قصيدة «لا تضع من عظيم قدر وان كن»

ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلًا:

غدرت به زرق الأسنة بعدماقد كن طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومهإذ بان غدر مثالها بمثاله

وكذلك جاء وصف بعض المغاربة في الخمر وكاساتها:

ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرغًاحتى إذا ملئت بصرف الراح
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة
خفت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخف بالأرواح
للشاعر ابن الشبل البغدادي، اقرأ القصيدة

وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرًا، ويروق كما رقت لطفًا، ويفوح كما فاحت نشرًا.

وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:

يا سالبًا قمر السماء جمالهألبستني للحزن ثوب سمائه
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «يا سالبا قمر السماء جماله»
أضرمت قلبي فارتمى بشرارةٍوقعت بخدك فانطفت من مائه
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «يا سالبا قمر السماء جماله»

وهذا المعنى دقيق جدًا.

وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا!!

وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.

فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت:

"ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنًا فكذلك ازداد طيبًا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبًا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النيلوفر ليلًا لتفتحت أحداقه".

والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم.

ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.

ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت:

"الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار، وهو الموت الأول الذي يصلى نارًا من الهم أشد وقودًا من النار، ولئن قال قوم: إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثًا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضًا، ولا عوض عنه في فقده".

والمعنى المخترع ههنا في قولي: "وما أراه إلا محراثًا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قومٍ إلا ذلوا".

وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى آلة حرث، فقال: "ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا"، فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنده ذلًّا.

ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت:

"وإذا كتبت مثالبه في كتاب اجتمع عليه بنات وردان، وحرم علي أن أبدأ فيه بالبسملة؛ لأنها من القرآن".

وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي.

وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابًا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو:

"ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون، والقرن عدوه عند الخصام".

وهذا معنى ابتدعته ابتداعًا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.

ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت:

"وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسمًا لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمن للإسلام مزيدًا، وقالوا: هذه يوم قد أسلم، فلا نجعله لنا عيدًا، وقد أفصح لهم لسانه كما لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن أولياءه هم المسلمون".

وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.

ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت:

"وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع".

في هذه الأوصاف معانٍ حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: "إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع"، فإن هذا مما ابتكرته.

وهو مستخرج من الحديث النبوي في ذكر الطاعة والجماعة، فقال ﷺ: "أطع ولو عبدًا حبشيًا مجدعًا ما أقام عليك كتاب الله"، فاستخرجت أنا للقلم معنى من ذلك، وهو أن القلم يجدع، ويقمص لباس السواد، فصار حبشيًّا أجدع.

وهذا كما فعل أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في قصيدته السينية، فإنه استخرج المعنى المخترع من القرآن الكريم، وأنا استخرجت المعنى من الخبر النبوي كما أريتك.

وهذا المعنى المشار إليه في وصف القلم أوردته بعبارة أخرى على وجه آخر، ونبهت عليه في كتاب "الوشي المرقوم في حل المنظوم"، وهذا كتاب ألفته في صناعة حل الشعر وغيره.

وبعد هذا فسأقول لك في هذا الموضع قولًا لم يقله أحد غيري، وهو أن المعاني المبتدعة شبيهة بمسائل الحساب المجهول من الجبر والمقابلة، فكما أنك إذا وردت عليك مسألة من المجهولات تأخذها، وتقلبها ظهرًا لبطن، وتنظر إلى أوائلها وأواخرها، وتعتبر أطرافها وأوساطها، وعند ذلك تخرج بك الفكرة إلى معلوم، فكذلك إذا ورد عليك معنى من المعاني ينبغي لك أن تنظر فيه كنظرك في المجهولات الحسابية!

إلا أن هذا لا يقع في كل معنى، فإن أكثر المعاني قد طرق وسبق إليه، والإبداع إنما يقع في معنى غريب لم يطرق، ولا يكون ذلك إلا في أمر غريب لم يأت مثله، وحينئذ إذا كتبت فيه كتاب أو نظم فيه شعر، فإن الكاتب والشاعر يعثران على مظنة الإبداع فيه.

وقد لابست ذلك في مواضع كثيرة، وسأورد ههنا ما يحذى حذوه لمن استطاع إليه سبيلًا.

ومن ذلك ما كتبته عن نفسي إلى بعض ملوك الشام، وأهديت إليه رطبًا، وهو:

"خلد الله دولة مولانا، وعمر لها مجدًا وجنانًا، وخولها السعادة عطاء حسابًا، وأنشأ الليالي لخدمتها عربًا أترابًا، وأبقى شبيبتها بقاءً لا يستحدث معه خضابًا، ولا جعل لها في محاسن الدول السابقة أشباهًا ولا أضرابًا، وألقى اليأس بين أعدائها، وحسادها حتى يبعث لهم في الأرض غرابًا.

"إذا أراد العبيد أن يهدوا لمواليهم قصرت بهم يد وجدهم، وعلموا أن كل ما عندهم من عندهم، لكن في الأشياء المستطرفة ما يهدي، وإن كان قدره خفيفًا، ولولا اختلاف البلاد فيما يوجد بها لما كان شيء من الأشياء طريفًا".

"وقد أهدى المملوك من الرطب ما يتجلى في صفة الوارس، ويزهى بحسنه حتى كأنه لم يدنس بيد لامس، وما سمي رطبًا إلا لاشتقاقه من الرطب الذي هو ضد اليابس.

"وقد أثنى رسول الله ﷺ عليه ثناء جمًّا، وفضل شجرته على الشجر بأن سماها أما، ولئن عدم عرفا لذيذًا فإنه لم يعد منظرًا لذيذًا ولا طعمًا، وله أوصاف أخرى هي لفضله بمنزلة الشهود، فمنها أنه أول غذاء يفطر عليه الصائم، وأول غذاء يدخل بطن المولود".

"وأحسن من ذلك أنه معدود من الحلواء، وإن كان من ذوات الغراس، ولا فرق بينهما سوى أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس".

"وإذا أنصف واصفه، قال: ما من ثمرة إلا وهي عنه قاصرة، ولو تفاخرت البلاد بمحاسن ثمارها لقامت أرض العراق به فاخرة.

"وها قد سار إلى باب مولانا، وهو مجنى المنابت سار إلى مجنى الكرم، وملك الفاكهة وفد على ملك الشيم".

"ولما استقلت به الطريق أنشأ الحسد لغيره من الفواكه أربًا، وما منها إلا من قال: يا ليتني كنت رطبًا".

"ولئن كان من الثمرات التي تختلف في الصور والأسماء، ويفضل بعضها على بعض، ويسقى بشراب واحد من الماء، فكذلك تلك الشيم العريقة تتحد في عنصرها، وهي مختلفة الوتيرة، ومن أفضلها شيمة السماح التي تقبل القليل من عبيدها، وتسمح لهم بالعطايا الكثيرة، وقد ضرب لها المملوك مثالًا، فقال هي كجنة بربوة، بل ضرب لها ما ضرب من للمثل النبوي، وهي نخلة بكبوة.

"ولا يختم كتابه بأحسن من هذا القول الذي طاب سمعًا، وزكا أصلًا وفرعًا، وتصرف في أساليب البلاغة، فجاء به وترًا وشفعًا، والسلام".

وهذا كتاب غريب في معناه، وقد اشتمل على معان كثيرة:

فمن جملتها أن الرطب مشتق من "الرطب" الذي هو ضد "اليابس".

ومن جملتها أن النبي ﷺ سمى النخلة أما، فقال: "أمكم النخلة".

ومن جملتها أنه كان ﷺ يفطر على رطبات، فإن لم يجد فتمرات.

ومن جملتها أنه كان يلوك التمرة، ويحنك بها المولود عند ميلاده، ولما ولد عبد الله بن الزبير جاءت أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ووضعته في حجر رسول الله ﷺ، فلاك تمرة ووضعها في فيه.

ومن جملتها أنه والحلواء شيء واحد إلا أنه من خلق الله، وتلك من خلق الناس.

ومن جملتها أن العباس ﵁ قال: "يا رسول الله، إن قريشًا تذاكرت أحسابها، فضربوا لك مثالًا بنخلة بكبوة.

وكل هذه المعاني حسنة واردة في موضعها، ومن كتب في معنى من المعاني، فليكتبه هكذا، وإلا فليدع.

ومن ذلك رقعة كتبتها إلى بعض حجاب السلطان في حاجة عرضت لي، وأرسلت معها هدية من ثياب ودراهم، وهي:

ما من صديق، وإن صحت صداقتهيومًا بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثم بالمنديل منطلقًالم يخش نبوة بوابٍ ولا غلق

"الهدية مشتقة من الهدى، غير أنها ترف إلى القلب لا إلى الندى، وصهارتها أنفع من الصهارة، وكلما ترددت كانت بكرًا فهي لا تنفك عن البكارة، ومن خصائصها أنها تمسك بمعروف أمن من السراح، وإذا رامت فتح باب لا تفتقر في علاجه إلى مفتاح، وقد قيل: إنها الحسناء المتأنقة في عمارة بيتها، التي توصف بأن القنديل يضيء بزيتها".

"وقد أرسلتها إلى المولى وهي تتهادى في إعجابها، وتدل بكثرة دراهمها وثيابها، وتقول: أنا الكريمة في قومها الشريفة في أنسابها".

"وأحسن ما فيها أنها جاءت سرًا، لم تعلم بها اليد اليمنى من اليسرى".

"فخذها يا مولاي واكشف عن نقابها، وأمط عنها جلبابها، وقد كانت منك حرة، وهي الآن في حيز المملكة، ومن السنة في مثلها أن تؤخذ بالناصية، ويدعى بالبركة، والسائر بها فلان وهو في الجهل بها حامل أسفار، وناقل لها من دار إلى دار، ولربما نطق لسان حالها الذي هو أفصح من نطق اللسان، وأذكرت بحاجة مرسلها، وحاش فطانة الكريم من النسيان، وليس المطلوب إلا فضيلة من الجاه تسفر بين السائل والمسئول، وتنقل البعيد إلى درجة القريب، والممنوع إلى درجة المبذول، فإذا فعل المولى ذلك كان له منة السفارة ومنة الإنعام، وإن سمع بأن سعيًا واحدًا فاز بشكرين اثنين، ففي مثل هذا المقام ومن الناس من يقول: ليس على جانب السلطان ثقل في صنعه، وهل ههنا إلا كلمات تقال، والكلام ماعونٌ لا رخصة في منعه، ولم يدر أن ملاطفة الخطاب ضرب من الاحتيال، وأن نقل الخطوات فيه أثقل من نقل الجبال، وأن صاحب الحاجة يحظى بحلاوة النجاح، والحاجب يلقى مرارة السؤال".

وهذا يقوله الخادم إيجابًا لإحسان المولى الذي هو إحسان شامل، ولا يعلمه إلا عالم بفضله ولا يجهله إلا جاهل، والله تعالى يجعل الحاجات مغدوقة ببابه، حتى لا تنفك في الدنيا من إمداد شكره، وفي الآخرة من إمداد ثوابه، والسلام".

فتأمل أيها الناظر في كتابي هذا إلى ما اشتملت عليه هذه الرقعة من المعاني حتى تعلم كيف تضع يدك فيما تكتبه!

ومن ذلك رقعة أخرى كتبتها في هذا المعنى المتقدم ذكره، وأرسلت معها هدية من المسك، وهي:

"الهدية رسول يخاطب عن مرسله بغير لسان، ويدخل على القلوب من غير استئذان، وقد قيل: أخت السحر في ملاطفة قصدها، غير أنها لا تحتاج إلى نفثها ولا إلى عقدها، وما من قلب إلا وصورتها تجلي عليه في سرقة، ولولا شرف

مكانها لما حللت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة، ولها صفات غير هذه كريمة الأخطار حسنة لدى الأسماع والأبصار، ومن أحسنها أنها تستجد ودا، وتجعل قربًا ما كان بعدًا، وتقول لنا الإجنة: "يا نار كوني بردًا، ولهذا"، قيل: تهادوا تحابوا، ولا شك أنها وصلة بين المودات، فإذا تواصل الناس تقاربوا".

وقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا خزنه ضاع، وقد شبه به الجليس الصالح بعدد أسباب الانتفاع، ومما زاد مزية على مزيته أنه وشيم المولى توأمان، غير أن شيمته تنتمي إلى كرم محتدها، وهو ينتمي إلى سرر الغزلان، فإذا ورد على مجلسه قيل: هذا عطر ورد على جونة عطار، وعرف له حق المشاركة، فإن أدنى الشرك في الشيم جوار، وقد نطق الخبر النبوي بأنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها، وإذا نظر إلى محصول بقائها وفائدتها، وجد أطولها عمرًا وأجداها، وهذا يحكم على المولى بقبول ما استرسل الخادم في إرساله، وإذا سأل غيره في قبول هديته كفاه نص الخبر مؤنة سؤاله والسلام".

وهذه الرقعة أحسن من التي قبلها.

فمما اشتملت عليه من المعاني قولي: "وما من قلب إلا وصورتها تجلى عليه في سرقة، ولولا شرف مكانها لما حللت للنبي ﷺ مع تحريم الصدقة".

وهذان المعنيان مستخرجان من خبرين نبويين:

أحدهما أن النبي ﷺ قال: "جاءني جبريل ﵇ ومعه سرقة من حرير -يعني حريرة بيضاء- وفيها صورة عائشة ﵂ وقال: "هذه زوجتك في الدنيا والآخرة".

والخبر الآخر: أن النبي ﷺ قال: "حرمت علي الصدقة، وأحلت لي الهدية".

ومما اشتملت عليه أيضًا قولي: "وقد أرسل الخادم منها شيئًا إذا كتمه ذاع، وإذا

خزنه ضاع"، وهذه مغالطة حسنة؛ لأن المسك إذا كتم ذاعت رائحته، وإذا خزن ضاع: أي فاح، ويقال: ضاع الشيء، إذا ذهب، فالمغالطة ههنا في الجمع بين الضدين.

وكذلك قولي: "وقد شبه الجليس الصالح"، وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وذاك أنه قال ﷺ: "مثل الجليس الصالح مثل حامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه عرفًا طيبًا ومثل جليس السوء مثل نافخ الكير، إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه رائحةً كريهةً".

ومما اشتملت عليه من المعاني أيضًا قولي: "إنه أحد الثلاثة التي لا ترد على من أهداها".

وهذا مستخرج من الخبر النبوي أيضًا، وهو قوله ﷺ: "ثلاثةٌ لا ترد: الطيب، والريحان، والدهن".

ومن ذلك رقعة كلفني بعض أصدقائي إملاءها عليه، وهي رقعة من عاشق إلى معشوق، وهي:

وإذا قيل من تحب؟ تخطاك لساني، وأنت في القلب ذاكا.

"يا من لا أسميه، ولا أكنيه، وأذكر غيره وهو الذي أعنيه، لا تكن ممن أوتي ملكًا فلم ينظر في زواله، وعرف مكانه من القلوب فجار في إدلاله، ولا تغتر بقول رأى الحسن إساءة للإساءة ماحيًا، واعلم أن اللاحي: يقول: كفى بالتذلل لاحيًا، وكثيرًا ما يزول العشق بجنايات الصدود، والزيادة في الحد نقصان في المحدود".

"وقد قيل: إن الحسن عليه زكاة كزكاة المال، وليست زكاته عند علماء المحبة إلا عبارة عن الوصال، وهذه صدقة تقسم على أربابها، ولا ينتظر أن يحول الحول في

إيجابها، فهي مستمرة على تجدد الأيام، والمستحقون لها قسمٌ واحد، ولا يقال: إنهم ثمانية أقسام، وهؤلاء هم المخصوصون بفك الرقاب، ورقبة العشق أشد أسرًا من رقبة تتحرر بالكتاب، فأخرج يا مولاي من هذا الحق الواجب، وإلا فتأت لطالب منى ومطالب، ولا تقل هذا غريم أكثر عد الليالي في مطله، وأعده والمواعيد زاد لمثله، فهذه سلعة قد عاملته بها مرة ساخرًا! ومرة ساحرًا، ومن الأقوال السائرة أن الغر تجعله التجربة ماهرًا، ولعمري إن ممارسة الحب تجدد لصاحبه علمًا، وتبصره وإن كان كما يقال: أعمى، وقد كذب القائل:

عرضن للذي تحب بحبٍثم دعه يروضه إبليس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «صاحب الحب صابرا لا يصدن»

فإن كانت الرياضة كما قيل: لإبليس فما أراه صنعًا في الذي صنع، وأراك استعصيت عليه استعصاء القارح، وأنت جذع، ولا شك أنك تهدم ما يشيده من البناء، أو أنك مستثنىً في جملة من دخل في حكم الاستثناء، وأنا الآن له عائب، وعليه عاتب فأين نفثاته التي هي أخدع الحبائل؟، وأين قوله: لآتينهم عن الأيمان والشمائل؟، وأين جنوده المسترقة ما في السماء، التي تجري من بني آدم مجرى الدماء؟، وكل هذا قد بطل عندي خبره، كما بطل عندي أثره، فإن أدركته النخوة بأني استهزئ بتصديق أفعاله، فليحلل معقول حاجتي هذه، حتى أعلم أنه قادر على حل عقاله، وإلا فليخف رأسه، وليمح وسواسه، وإن كان له عرش على البحر، فليقوض من عرشه، وليعلم أن السحر ليس في عقده ونفثه، ولكنه في الأصفر ونقشه.

"وها أنا قد بعثت منه ما يجعل الحزم محلولًا، والود مبذولًا وما أقول: إلا أني بعثت معشوقًا إلى معشوق، وكلاهما محله القلب، بل القلب من حبهما مخلوق، وما أكرمه وهو وسيلة إلى مثله، وحسنه من حسنه، وإن لم يكن شكله من شكله، وما وصفه

واصف إلا كان ما رآه منه فوق ما رواه، ومن أغرب أوصافه، وأحسنها أنه لم ير ذو وجهين وجيهًا سواه، لا جرم أنه إذا سفر في أمر تلطف في فتح أبوابه، وتناول وعره فبدله بسهله، وبعده فبدله باقترابه، ولو بعثت غيره لخفت ألا يكون في سفارته صادقًا، أو أنه كان يمضي سفيرًا ويعود عاشقًا، فليس على الحسن أمانة، وفي مثاله تعذر الخيانة، ولا لوم على العقول إذا نسيت هناك عزيمة رشدها، ورأت ما لا يحتمله كاهل جهدها، ومن الذي يقوى درعه على تلك السهام، أو يروم النجاة منها وقد حيل بينه، وبين المرام وهذا الذي منعني أن أرسل إلا كيسًا وكتابًا، فأحدهما يكون في السفارة والآخر على السر حجابًا، والسلام إن شاء الله تعالى!

وفي هذه الرقعة من المعاني الغريبة ما أذكره:

فالأول: ما ذكرته في قسم الصدقات، وفك الرقاب.

والثاني: ما ذكرته في وصف الدينار، وهو أنه وجيه ذو وجهين، وقال النبي ﷺ: $"ذو الوجهين لا يكون وجيهًا".

وهذا معنى لم يسبقني أحد إليه.

وقد وصف الحريري الدينار في مقامة من مقاماته، ولم يظفر بهذا المعنى، ولا جاء من الأوصاف التي ذكرها بمثله.

والثالث أني بعثت معشوقًا إلى معشوق!

"كتاب في التعزية بوفاة زوجة بعض الملوك وولدها":

ومن ذلك ما كتبته، وكان توفيت زوجة بعض الملوك، وتوفي معها ولد لها، وهو طفل صغير، وكان بينهما يومان، وتلك المرأة بنت ملك من الملوك أيضًا، فكتب إليه

من "في" الأطراف المجاورة يعزونه، وحضر عندي بعض الأدباء ممن يجب أن يكون كاتبًا، وعرض علي نسخة ما كوتب به ذلك الملك في التعزية بزوجته وولدها، فوجدتها كتبًا باردة غثة، لا تعرب عن الحادثة، بل بينها وبينها بعد المشرقين، ومن شرط الكتابة أن يكون الكتاب مضمنًا فض المعنى المقصود.

والتعازي مختلفة الأنحاء: فتعازي النساء غير تعازي الرجال، وهي من مستصعبات فن الكتابة والشعر، وتعازي الرجال أيضًا تختلف، فلا يعزى بالميت على فراشه، كما يعزى بالميت قتيلًا، ولا يعزى بالقتيل كما يعزى بالغريق.

وهكذا يجري الحكم في المعاني جميعها، وهذا شيء لا يتنبه له إلا الراسخون في هذا الفن من أرباب النثر والنظم.

وسألني ذلك الرجل عن هذه التعزية المشار إليها في المرأة وولدها الصغير، وقال: "أحب أن أعلم كيف تكون"؛ فأمليت عليه ثلاثة كتب، كل كتاب يتضمن معنى لا يتضمنه الكتاب الآخر.

فمما جاء منها كتاب أنا ذاكره ههنا، وهو:

أشجى التعازي ما أتبع فيه المفقود بمفقود، لا سيما إذا جمع بين سعد الإخبية وسعد السعود، وكل منهما يعظم حزنًا كما يعظم مكانًا، وهذا يحسر عن الوجوه خمرًا، وهذا يلقي عن الرءوس تيجانًا، ولم يوفهما حقهما من بكى ولا من ندب، ولا من شعر ولا من كتب، وليت فدى أحدهما بصاحبه، فعاش درهما المفدى بالذهب:

ولو كان خطبًا واحدًا خف كلمهولكنه خطبٌ أعيد على خطب

"وقد أصدر الخادم كتابه هذا، ومن حقه أن يخرج في ثوب من الحداد، وأن يتعثر في أذيال كلمه، والكتاب عنوان الفؤاد، وغاية ما يقول: أحسن الله عزاء المجلس السامي الملك الأجل السيد، على أن هذا الدعاء قد شهدت الحال بلحنه، وكيف يملك قلبه عزاء، وقد أوثقه الهم في سجنه، وصار له ولدًا دون ولده، وخدنًا دون خدنه، لكن يدعى له بامتداد البقاء، وأن تعامله الحوادث بعد هذه معاملة الإبقاء".

"ثم نتبع ذلك بطلب الجنة لمن نقلته المنايا عن أرائك الخدور، وجعلته في بطون القبور، ولمن فاجأت الأيام غصنه فقصفته، ولم يعش حتى عرف الدنيا ولا عرفته، فواهًا لهما وقد نزلا بمنزل عديم الإيناس، وإن كان مأهولًا بأكثر الناس، فهو القريب دارًا، البعيد مزارًا، الذي حجب من اليأس بأمنع حجاب، وذهب عن الوجوه المنعمة لذل التراب، فمن كان مسعدًا للمجلس، فليأخذ بوله الجزع لا بعزيمة الاصطبار، وليقل: هذا حادث بان فيه تحامل الأقدار، وجرت همومه مجرى الخواطر من القلوب والرقاد من الأبصار، فالأسوة -إلا فيه- معدودة من الإحسان، والسلوة -إلا عنه- داخلة في حيز الإمكان".

"والخادم أولى من لقي المجلس فيه بالإسعاد، وقام بما يجب من قضاء حق الوداد، وفعل ما يفعله القريب الحاضر، وإن كان على شقة من البعاد، وقد أرسل من ينوب عنه في التعزية، وإن لم يكف فيها المناب، وكما رخص العذر في قصر الصلاة، فكذلك رخص في الاقتصار على الرسول والكتاب، وقد ورد لو حضر بنفسه، فاستسقى لذلك الضريح سحابًا، وعقر عنده ركابًا، وسأل الله مغفرة وثوابًا والسلام".

في هذا الكتاب معنى غريب، وهو قولي: "سعد الأخبية" كناية عن المرأة و"سعد السعود" كناية عن ولدها؛ لأن "سعد الأخبية" اسم منزلة من منازل القمر، و"الأخبية": جمع "خباء"، ومن شأن المرأة أن تحتجب في الأخبية، فهي سعدها،

وهذا من المعاني الغريبة في مثل هذا المقصد، وقد اتفق "سعد الأخبية" و"سعد السعود" معًا، وهذا أيضًا غريب.

كتاب عن الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر غازي:

ومن ذلك أني كتبت كتابًا عن الملك الأفضل، "علي بن يوسف" إلى أخيه الملك الظاهر "غازي بن يوسف" صاحب حلب، في أمر شخص كان أبوه صاحب

مدينة "تكريت"، وهذه تكريت كان يتولاها قديمًا الأمير أيوب جد الملك

الأفضل والملك الظاهر، وأولد بها ولده صلاح الدين يوسف أباهما، وعلى عقب ولادته انتقل والده عن تكريت هو، وعشيرته لأمر طرأ لهم، وجاء إلى الموصل، ثم إلى الشام، وهناك سعدوا وكانت السعادة على يد صلاح الدين يوسف.

فلما أردت أن أكتب هذا الكتاب علمت أنه مظنة المعاني المبتدعة؛ لأن الأمر المكتوب فيه غريب لم يقع مثله، فحينئذ كبتت هذا الكتاب، وهو:

رفع الله شأن مولانا الملك الظاهر، ولا زال الدهر فاخرًا بمآثر سلطانه، ناظمًا مناقبه في جيده ومحامده في لسانه، ناسخًا بمساعي دولته ما تقدم من مساعي آل

بويه وآل حمدانه،كتاب الخادم هذا واردٌ من يد الأمير شمس الدين بن صاحب تكريت، وهي أول أرض مس جلد الوالد ترابها، ورقمت بها السعادة على جبينه كتابها، ومنها ظهر نور البيت الأيوبي مشرقًا، وأشام إذا خرج معرقًا، وكفاه بذلك وسيلة يكتنفها الإحسان والإرعاء، ويكفي صاحبها أن يقول: لا أسقي حتى يصدر الرعاء، وقد قرنها بوسيلة قصد الخدمة التي توجب لقاصدها ذمامًا، وتقول له: سلامًا إذا قال: سلامًا، ثم ثلث هاتين الوسيلتين بكتاب الخادم أخذًا بالسنة النبوية في الدعاء وعدده، وتفاؤلًا بتثليث النجوم فيما يقصده المرء من سعادة مقصده، ولا قدح في كرم الكريم إذا استكثر طالبه من الأسباب، فإن الله على كره قد استكثر إليه من أعمال الثواب.

"وكتاب الخادم على انفراده كافٍ لحامله، ومكثر من حقوق وسائله، وقد صدر مخاطبًا عن فحوى ضميره، فإنما تحق السفارة إذا قعد بكل طالبٍ سعي سفيره، وهو مع

ذلك خفيفة صفحته، وجيزة لمحته، وإذا وجد لدى مولانا معولًا، فليس عليه أن يرد مطولًا إذ التعويل على نجح مصدره، لا على كثرة أسطره".

فانظر أيها المتأمل إلى هذا الكتاب، وأعطه حقه من التأمل، حتى ترى ما اشتمل عليه من المعاني، وانظر كيف ذكرت الأول، ثم الثاني، ثم الثالث.

أما المعنى الأول: فإنه يختص بذكر سعادة البيت الأيوبي ومنشئها، وأنها ولدت بتكريت، وهذا الرجل ينبغي أن يرعى بسببها، إذ كان أبوه صاحبها.

وأما المعنى الثاني: فإنه قصد الخدمة الظاهرية، وهذا وسيلة ثانية توجب له ذمامًا.

وأما المعنى الثالث: فإنه حرمة الكتاب الصادر عن يده.

ثم إني مثلت ذلك بالدعاء النبوي وبتثليث النجوم، فإن النبي ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثًا.

وإنما مثلت ذلك بالدعاء لأمرين:

أحدهما أنه موضع سؤال وضراعة.

والآخر: أن الكتاب وسيلة ثالثة، والدعاء ثلاث مرار.

وأما تثليث النجوم، فإن التثليث سعد، والتربيع نحس.

وأحسن المعاني الثلاثة التي تضمنها هذا الكتاب هو الأول والثالث، وأما الثاني فإنه متداول.

فتأمل ما أشرت إليه، وإذا شئت أن تكتب كتابًا، فافعل كما فعلت في هذا الكتاب، إن كان الأمر الذي تكتب فيه غريب الوقوع.

واعلم أنه قد يقع المعنى المبتدع في غير أمر غريب الوقوع، وذلك يكون قليلًا بالنسبة إلى الوقائع الغريبة التي هي مظنة المعاني المبتدعة.

ومن هذا الباب ما أوردته في جملة رسالة طردية في وصف قسي البندق وحامليها: وهو:

"فإذا تناولوها في أيديهم قيل: أهلةٌ طالعةٌ من أكف أقمار، وإذا مثل غناؤها وغناؤهم قيل: منايا مسوقة بأيدي أقدار، وتلك قسي وضعت للعب لا للنضال، ولردى الأطيار لا لردى الرجال".

"وإذا نعتها ناعت قال: إنها جمعت بين وصفي اللين والصلابة، وصنعت من نوعين غريبين فحازت معنى الغرابة، فهي مركبة من حيوان ونبات، مؤلفة منهما على بعد الشتات، فهذا من سكان البحر وسواحله، وهذا من سكان البر ومجاهله".

"ومن صفاتها أنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشد، ولا تنطلق في شأنها إلا حين تعطف وترد، ولها نثار أحكم تصويرها، وصحح تدويرها، فهي في لونها صندلية الإرهاب، وكأنما صيغت لقوتها من حجر لا من تراب، فإذا قذفتها إلى الأطيار قيل: ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد، ولا يرى حينئذ إلا قتيل، ولكن بالمثقل الذي لا يجب في مثله قود، فهي كافلة من تلك الأطيار بقبض نفوسها، منزلة لها من جو السماء على أم رءوسها".

هذا الفصل يشتمل على معان غريبة:

منها قولي: "إنها لا تتمكن من البطش إلا حين تشتد، ولا تنطلق إلا حين تعطف وترد".

ومنها قولي: "ويصعد من الأرض من جبال فيها من برد".

وكل هذا من المعاني التي تبتدع بالنظر إلى المقصد المكتوب فيه، فإن الكاتب إذا فكر فيما لديه وتأمله، وكان قادرًا على استخراج المعنى، والمناسبة بينه وبين مقصده جاء

هكذا كما تراه، إلا أن القادر على ذلك من أقدره الله عليه، فما كان خاطر بحكيم، ولا كل من أوحى إليه بكليم، وفي الأقلام هاشم لمن ناوأه، ومنها هشيم!

وسأنبه في هذا الموضع على طريق يسلك إلى شيء من المعاني المخترعة، وهو ما استخرجته، وانفردت باستخراجه دون غيري، فإن المعاني المخترعة لم يتكلم فيها أحد بالإشارة إلى طريق يسلك فيها؛ لأن ذلك مما لا يمكن، ومن ههنا أضرب علماء البيان عنه، ولم يتكلموا فيه كما تكلموا في غيره!

وكيف تتقيد المعاني المخترعة بقيد، أو يفتح إليها طريق تسلك، وهي تأتي من فيض إلهي بغير تعليم?

ولهذا اختص بها بعض الناثرين والناظمين دون بعض، والذي يخص بها يكون فذا واحدًا يوجد في الزمن المتطاول.

ولما مارست أنا هذا الفن -أعني فن الكتابة- وقلبته ظهرًا لبطن، وفتشت عن دفائنه وخباياه، وأكثرت من تحصيل مواده والأسباب الموصلة إلى الغاية منه، سنح لي في شيء من المعاني المخترعة طريقٌ سلكته، وهو يستخرج من كتاب الله تعالى، وأحاديث نبيه صلوات الله عليه وسلامه، وقد تقدم لي منه أمثلة في هذا الكتاب.

وذلك أنه ترد الآية من كتاب الله تعالى، أو الحديث النبوي، والمراد بهما معنى من المعاني، فآخذ أنا ذلك وأنقله إلى معنى آخر، فيصير مخترعًا لي.

وسأورد ههنا نبذة يسيرة يعلم منها كيف فعلت حتى يسلك إليها في الطريق الذي سلكته.

فمن ذلك قصة أصحاب الكهف والرقيم، فإني أخذت ذلك ونقلته إلى الإحسان والشكر.

ألا ترى أن الإحسان يستعار له كهف وكنف وظل، وأشباه ذلك.

والشكر كلمات تقال في التنويه بذكر المحسن وإحسانه.

والرقيم هو الكتاب المكتوب، فهو والشكر متماثلان.

والذي أتيت به قد أوردته وهو:

فصل من كتاب إلى بعض المنعمين:

"الخادم يشكر إحسان المولى الذي ظل عنده مقيمًا، وغدا بمطالبه زعيمًا، وأصبح بتواليه إليه مغرمًا، كما أصبح له غريمًا، ولما تمثل في الاشتمال عليه كهفًا صار شكره فيه رقيمًا".

فانظر كيف فعلت فيه في هذا الموضع لتعلم أني قد فتحت لك فيه طريقًا تسلكه!

وأما الحديث النبوي، فإني أخذت قصة قتلى بدر، كأبي جهل وعتبة وشيبة وغيرهم، ونقلتها إلى القلم.

وذاك أن النبي ﷺ وقف على القليب الذي ألقاهم فيه وناداهم بأسمائهم فقال: $"يا عتبة، يا شيبة، يا أبا جهل، يا فلان، يا فلان"، والحديث مشهور فلا حاجة إلى استقصائه.

والذي أتيت به في وصف القلم هو أني قلت:

"ولقد مرح القلم في يدي وحق له أن يمرح، وأبدع فيما أتى به، وكل إناءٍ بالذي فيه ينضح، ومن شأنه أن يستقل على أعواد المنبر، فلا ينتهي من خطبتها إلى فصلها، ويقف على جانب القليب إلا أنه لا ينادي من المعاني أبا جهلها".

فالدواة قليبٌ، والقلم يقف عليه، والمعاني التي ينشئها من باب العلم، لا من باب الجهل.

فتأمل هذه الكلمات التي ذكرتها فإنها لطيفة جدًا، وهي مخترعة لي.

وهذا القدر كافٍ في طريق التعليم، فليحذ حذوه -إن أمكن- والله الموفق للصواب.

وأما الضرب الآخر من المعاني، وهو الذي يحتذى فيه على مثال سابق، ومنهج مطروق، فذلك جل ما يستعمله أرباب هذه الصناعة، ولذلك قال عنترة:

هل غادر الشعراء من متردم

إلا أنه لا ينبغي أن يرسخ هذا القول في الأذهان؛ لئلا يؤيس من الترقي إلى درجة الاختراع، بل يعول على القول المطمع في ذلك، وهو قول أبي تمام:

لا زلت من شكري في حلةٍلابسها ذو سلبٍ فاخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»
يقول من تقرع أسماعهكم ترك الأول للآخر
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قل للأمير الأريحي الذي»

وعلى الحقيقة فإن في زوايا الأفكار خبايا، وفي أبكار الخواطر سبايا، لكن قد تقاصرت الهمم، ونكصت العزائم، وصار قصارى الآخر أن يتبع الأول، وليته تبعه، ولم يقصر عنه تقصيرًا فاحشًا.

ووقفت على كتاب يقال له: "مقدمة ابن أفلح البغدادي"، قد قصرها على تفصيل أقسام علم الفصاحة والبلاغة، وللعراقيين بها عناية وهم واصفون لها، ومكبون عليها.

ولما تأملتها وجدتها قشورًا لا لب تحتها؛ لأن غاية ما عند الرجل أن يقول: وأما

الفصاحة فإنها كقول النابغة مثلًا، أو كقول الأعشى، أو غيرهما، ثم يذكر بيتًا من الشعر أو أبياتًا، وما بهذا تعرف حقيقة الفصاحة حتى إذا وردت في كلامٍ عرفنا أنه فصيح، بما عرفنا من حقيقتها الموجودة فيها، وكذلك يقول في غير الفصاحة.

ومن أعجب ما وجدته في كتاب أنه قال: أما المعاني المبتدعة، فليس للعرب منها شيء، وإنما اختص بها المحدثون، ثم ذكر للمحدثين معاني، وقال: هذا المعنى لفلان، وهو غريب، وهذا القول لفلان، وهو غريب.

وتلك الأقوال التي خص قائليها بأنهم ابتدعوها قد سبقوا إليها، فإما أن يكون غير عارف بالمعنى الغريب، وإما أنه لم يقف على أقوال الناظمين والناثرين، ولا تبحر فيها، حتى عرف ما قاله المتقدم، مما قاله المتأخر.

وأما قوله: "إنه ليس للعرب معنى مبتدع، وإنما هو للمحدثين، فيا ليت شعري! من السابق إلى المعاني? من تقدم زمانه أم من تأخر زمانه؟

وأنا أورد ههنا ما يستدل به على بطلان ما ذكره.

وذاك أنه قد ورد من المعاني أن صور المنازل تمثلت في القلوب، فإذا عفت آثارها لم تعف صورها من القلوب، وأول من أتى بذلك العرب، فقال الحرث بن خالد من أبيات الحماسة:

إني وما نحروا غداة منىًعند الجمار يئودها العقل
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لو بدلت أعلى مساكنهاسفلًا وأصبح سفلها يعلو
لعرفت مغناها بما ضمنتمني الضلوع لأهلها قبل

ثم جاء المحدثون من بعده، فانسحبوا على ذيله، وحذوا حذوه، فقال أبو تمام:

وقفت وأحشائي منازل للأسىبه وهو قفرٌ قد تعفت منازله
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أجل أيها الربع الذي خف آهله»

وقال البحتري:

عفت الرسوم وما عفت أحشاؤهمن عهد شوقٍ ما تحول فتذهب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عارضننا أصلا فقلنا الربرب»

وقال المتنبي:

لك يا منازل في القلوب منازلأقفرت أنت وهن منك أواهل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وهذا المعنى قد تداوله الشعراء، حتى إنه ما من شاعر إلا ويأتي به في شعره.

وكذلك ورد لبعضهم من شعراء الحماسة:

أناخ اللؤم وسط بني رياحمطيته وأقسم لا يريم
كذلك كل ذي سفرٍ إذا ماتناهى عند غايته يقيم

وهذان البيتان من أبيات المعاني المبتدعة، وعلى أثرهما مشى الشعراء.

وكذلك ورد لبعضهم في شعر الحماسة:

تركت ضأني تود الذئب راعيهاوأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدةًوكل يومٍ تراني مديةٌ بيدي

وكذلك ورد قول الآخر:

قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنواللؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا

وكم للعرب من هذه المعاني التي سبقوا إليها.

ومن أدل الدليل على فساد ما ذهب إليه من أن المحدثين هم المختصون بابتداع المعاني، أن أول من بكى على الديار في شعره رجل يقال له: ابن حزام، وكان هو المبتدئ لهذا المعنى أولًا، وقد ذكره امرؤ القيس في شعره فقال:

عوجًا على الطلل المحيل لعلنانبكي الديار كما بكى ابن حذام
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لمن الديار غشيتها بسحام»

وقد أجمع نقلة الأشعار أن لامرئ القيس في صفات الفرس أشياء كثيرة لم يسبق إليها، ولا قيلت من قبله.

ويكفي من هذا كله ما قدمت القول فيه، وهو أن العرب السابقون بالشعر، وزمانهم هو الأول، فكيف يقال: إن المتأخرين هم السابقون إلى المعاني?!

وفي هذه الأمثلة التي أوردتها كفاية في نقض ما ذكره.

ولو قال: إن المحدثين أكثر ابتداعًا للمعاني، وألطف مأخذًا وأدق نظرًا، لكان قوله صوابًا؛ لأن المحدثين عظم الملك الإسلامي في زمانهم، ورأوا ما لم يره المتقدمون، وقد قيل: إن اللها تفتح اللها، وهو كذلك فإن نفاق السوق جلاب.

وقد رأيت جماعة من متخلفي هذه الصناعة يجعلون همهم مقصورا على الألفاظ التي لا حاصل وراءها، ولا كبير معنى تحتها، وإذا أتى أحده بلفظ مسجوع على أي وجه كان من الغثاثة، والبرد يعتقد أنه قد أتى بأمر عظيم، ولا يشك في أنه صار كاتبًا مفلقًا.

إذا نظر إلى كتاب زماننا وجدوا كذلك، فقاتل الله القلم الذي يمشي في أيدي الجهال الأغمار، ولا يعلم أنه كجواد يمشي تحت حمار.

ولو أنه لا يتطاول إليه إلا أهله لبان الفاضل من الناقص، على أنه كالرمح الذي إذا اعتقله حامله بين الصفين بان به المقدم من الناكص، وقد أصبح اليوم في يد قومٍ هم أحوج من صبيان الكاتب إلى التعليم، وقد قيل: إن الجهل بالجهل داء لا ينتهي إليه سقم السقيم.

وهؤلاء لا ذنب لهم؛ لأنهم لو لم يستخدموا في الدول ويستكتبوا، وإلا ما ظهرت جهالتهم، وفي أمثال العوام: لا تعر الأحمق شيئًا فيظنه له، وكذلك يجري الأمر مع هؤلاء، فإنهم استكتبوا في الدول، فظنوا أن الكتابة قد صارت لهم بأمر حق واجب.

ومن أعجب الأشياء أني لا أرى إلا طعامًا في هذا الفن، مدعيًا له على خلوه عن تحصيل آلاته وأسبابه، ولا أرى أحدًا يطمع في فن من الفنون غيره، ولا يدعيه!

هذا، وهو بحر لا ساحل له، يحتاج صاحبه إلى تحصيل علوم كثيرة حتى ينتهي إليه، ويحتوي عليه، فسبحان الله! هل يدعي هؤلاء أنه فقيه، أو طبيب أو حاسب أو غير ذلك من غير أن يحصل آلات ذلك، ويتقن معرفتها?

فإذا كان العلم الواحد من هذه العلوم الذي يمكن تحصيله في سنة، أو سنتين من الزمان، لا يدعيه أحد من هؤلاء، فكيف يجيء إلى فن الكتاب، وهو ما لا تحصل معرفته إلا في سنين كثيرة، فيدعيه وهو جاهل به?

ومما رأيته من المدعين لهذا الفن الذين حصلوا منه على القشور، وقصروا معرفتهم على الألفاظ المسجوعة الغثة التي لا حاصل وراءها، أنهم إذا أنكرت هذه الحال عليهم، وقيل لهم: إن الكلام المسجوع ليس عبارة عن تواطؤ الفقر على حرف واحد فقط، إذ لو كان عبارة عن هذا وحده لأمكن أكثر الناس أن يأتوا به من غير كلفة، وإنما هو أمر وراء هذا، وله شروط متعددة، فإذا سمعوا ذلك أنكروه، لخلوهم عن معرفته، ثم لو عرفوه وأتوا به على الوجه الحسن من اختيار الألفاظ المسجوعة لاحتاجوا إلى شرط آخر، قد نبهت عليه في باب "السجع".

وإذا أنكر عليهم الاقتصار على الألفاظ المسجوعة، وهدوا إلى طريق المعاني يقولون: لنا أسوة بالعرب الذين هم أرباب الفصاحة، فإنهم إنما اعتنوا بالألفاظ ولم يعتنوا بالمعاني اعتناءكم بها!!

فلم يكفهم جهلهم فيما ارتكبوه، حتى ادعوا الأسوة بالعرب فيه، فصارت جهالتهم جهالتين.

ولنذكر ههنا في الرد عليهم ما إذا تأمله الناظر في كتابنا عرف منه ما يؤنقه، ويذهب به الاستحسان كل مذهب، فنقول:

اعلم أن العرب كانت تعتني بالألفاظ فتصلحها، وتهذبها فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأشرف قدرًا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها؛ لأنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقها إلى إظهار أغراضها أصلحوها وزينوها، وبالغوا في

تحسينها، ليكون ذلك أوقع لها في النفس، وأذهب بها في الدلالة على القصد.

ألا ترى أن الكلام إذا كان مسجوعًا لذ لسامعه فحفظه، وإذا لم يكن مسجوعًا لم يأنس به أنسه في حالة السجع؟

فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظهم، وحسنوها ورققوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذا ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني، ونظير ذلك إبراز صورة الحسناء في الحلل الموشية والأثواب المحبرة، فإنا قد نجد من المعاني الفاخرة ما يشوه من حسنة بذاذة لفظه، وسوء العبارة عنه.

فإن قيل: إنا نرى من ألفاظ العرب ما قد حسنوه وزخرفوه، ولسنا نرى تحته مع ذلك معنى شريفًا، فمما جاء منه قول بعضهم:

ولما قضينا من منىً كل حاجةٍومسح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالت بأعناق المطي الأباطح

ألا ترى إلى حسن هذا اللفظ وصقالته، وتدبيج أجزائه؟ ومعناه مع ذلك ليس مدانيًا له ولا مقاربًا، فإنه إنما هو: لما فرغنا من الحج ركبنا الطريق راجعين وتحدثنا على ظهور الإبل، ولهذا نظائر شريفة الألفاظ خسيسة المعاني؟

فالجواب عن ذلك أنا نقول: هذا الموضع قد سبق إلى التشبث به من لم ينعم النظر فيه، ولا أرى ما رآه القوم، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر، وعدم معرفته وهو أن في قول هذا الشاعر: "كل حاجة" مما يستفيد منه أهل النسيب والرقة "وذوو" والأهواء، والمقة ما لا يستفيد غيرهم، ولا يشاركهم فيه من ليس منهم.

ألا ترى أن حوائج منىً أشياء كثيرة؟ فمنها التلاقي، ومنها التشاكي، ومنها التخلي للاجتماع، إلى غير ذلك مما هو تالٍ له ومعقود الكون به، فكأن الشاعر صانع عن هذا الموضع الذي أومأ له، وعقد غرضه عليه، بقوله في آخر البيت: "ومسح بالأركان من هو ماسح" أي: إنما كانت حوائجنا التي قضيناها وآرابنا التي بلغناها من هذا النحو الذي هو مسح الأركان، وما هو لاحق به، وجارٍ في القرية من الله مجراه: أي لم نتعد هذا القدر المذكور إلى ما يحتمله أول البيت من التعريض الجاري مجرى التصريح.

وأما البيت الثاني: فإن فيه "أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا"، وفي هذا ما تذكره لتعجب به، وبمن عجب منه، ووضع من معناه!

وذلك أنه لو قال: "أخذنا في أحاديثنا"، أو نحو ذلك، لكان فيه ما يكبره أهل النسيب، فإنه قد شاع عنهم واتسع في محاوراتهم علو قدر الحديث بين الإلفين، والجذل بجمع شمل المتواصلين، ألا ترى إلى قول بعضهم:

وحديثها يا سعد عنها فزدتنيجنونًا فزدني من حديثك يا سعد

وقول الآخر:

وحديثها السحر الحلال لو أنهلم يجن قتل المسلم المتحرز
للشاعر البحتري، من قصيدة «وحديثها السحر الحلال لو أنه»

فإذا كان قدر الحديث عندهم "مرسلا" على ما ترى، فكيف به إذا قيدوه بقوله: "أخذنا بأطراف الأحاديث"؟ فإن ذلك وحيًا خفيا، ورمزًا حلوًا، ألا ترى أنه قد يريد بأطرافها، ما يتعاطاه المحبون، ويتفاوضه ذوو الصبابة من التعريض والتلويح، والإيماء دون التصريح؟ وذلك أحلى وأطيب، وأغزل وأنسب، من أن يكون كشفًا، ومصارحة وجهرًا.

وإن كان الأمر كذلك، فمعنى هذين البيتين أعلى عندهم، وأشد تقدمًا في نفوسهم من لفظهما، وإن عذب ولذ مستمعه.

نعم في قول الشاعر:

وسالت بأعناق المطي الأباطح

من لطافة المعنى وحسنه ما لا خفاء به.

وسأنبه على ذلك، فأقول إن هؤلاء القوم لما تحدثوا، وهم سائرون على المطايا شغلتهم لذة الحديث عن إمساك الأزمة، فاسترخت عن أيديهم، وكذلك شأن من يشره، وتغلبه الشهوة في أمر من الأمور، ولما كان الأمر كذلك، وارتخت الأزمة عن

الأيدي أسرعت المطايا في المسير، فشبهت أعناقها بمرور السيل على وجه الأرض في سرعته، وهذا موضع كريم حسن، لا مزيد على حسنه.

والذي لا ينعم نظره فيه لا يعلم ما اشتمل عليه من المعنى، فالعرب إنما تحسن ألفاظها، وتزخرفها عنايةً منها بالمعاني التي تحتها.

فالألفاظ إذًا خدم المعاني، والمخدوم لا شك أشرف من الخادم، فاعرف ذلك وقس عليه.

النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.