من «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» لضياء الدين ابن الأثير (ت ٦٣٧هـ)
النوع الثاني: في التجنيس
علم أن التجنيس غرَّةٌ شادخة في وجه الكلام، وقد تصرَّف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنَّف الناس فيه كتبًا كثيرة، وجعلوه أبوابًا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض، فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسنالجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم.
وإنَّما سُمِّيَ هذا النوع من الكلام مجانسًا؛ لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد.
وحقيقته أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا.
وعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقيّ في شيء، إلّا أنه قد خرج من ذلك ما يسمَّى تجنيسًا، وتلك تسمية بالمشابهة؛ لا لأنها دالّة على حقيقة المسمَّى بعينه.
وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجري مجراه، فوجدته ينقسم إلى سبعة أقسام، واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف, وستة أقسام مُشَبَّهة.
التجنيس الحقيقي:
فأمَّا القسم الأول: فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها.
ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجليّ زمامه، فقال رسول الله ﷺ: "خلوا بين جرير والجرير" أي: دعوا زمامه.
ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام:
فأصبحت غُرَرُ الأيام مشرقةًبالنصر تضحك عن أيامك الغرر
"فالغُرَرُ" الأولى استعارة من غُرَرِ الوجه، "والغرر" الثانية مأخوذة من غرة الشيء: أكرمه، فاللفظ إذًا واحد والمعنى مختلف, وكذلك قوله:
من القوم الجعد أبيض الوجه والندىوليس بنانٌ يُجْتَدَى منه بالجعد
فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط، فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل. وكذلك قوله:
بكل فتىً ضرب يعرِّضُ للقنامحييًّا محلّى حليه الطعن والضَّرب
فالضَّرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف: في الحرب، وكذلك قوله:
عداك حَرّ الثُّغُور المستضامة عنبرد الثُّغور وعن سلسالها الخصب
فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضًا البلد الذي على تخوم العدو, ثم قال في هذه القصيدة:
كم أحرزت قضب الهندي مصلتةًتهتز من قُضُبٍ تهتز في كثب
بيضٌ إذا انتضيت من حجبها رجعتأحق بالبيض أبدانًا من الحجب
فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلّق به أحد, وكذلك قوله:
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعواصدور العوالي في صدور الكتائب
فلفظ "الصدور" في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف, وكذلك قوله:
عاميّ وعام العيس بين وديقةٍمسجورةٍ وتنوفةٍ صيهود
حتى أغادر كل يومٍ بالفلاللطير عيدًا من بنات العيد
فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام.
وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره، فمنه ما أغرب فيه فأحسن، كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريهًا مستثقلًا كقوله:
ويوم أرشق والهيجاء قد رشقتمن المنية رشقًا وابلًا قصفا
وكقوله:
يا مضغنًا خالدًا لك الثُّكل إنخلَّدَ حقدًا عليك في خلده
وكقوله:
وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزرٌأنجاهم منك في الهيجا ولا سند
وكقوله:
مهلًا بني مالكٍ لا تجلبُنَّ إلىحيٍ الأراقم دؤلول ابنة الرَّقْم
ثم قال فيها:
من الردينية اللائي إذا عسلتتشم بوَّ الصغار الأنف ذا الشمم
وكقوله:
قرت بقرَّان عين الدِّين واشتترتبالأشترين عيون الشرك فاصطلما
وله من هذا الغثِّ البارد المتكلَّف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلًا يستدل به على أمثاله.
ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:
عباس عباس إذا احتدم الوغىوالفضل فضلٌ والربيع ربيع
وكذلك قوله:
فقل لأبي العباس إن كنت مذنبًافأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل
فلا تجحدوني وُدَّ عشرين حجةًولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل
وعلى هذا النهج ورد قول البحتري:
إذا العين راحت وهي عين على الجوىفليس بسرٍّ ما تسر الأضالع
فالعين: الجاسوس، والعين: معروفة. وكذلك ورد قول بعضهم:
وترى سوابق دمعها فتواكفتساقٌ تجاوبُ فوق ساقٍ ساقا
فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمريّ من الطيور.
وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري, في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها:
لو زارنا طيف ذات الخال أحياناونحن في حفر الأجداث أحيانا
ثم قال في أبياتها:
تقول أنت امرؤٌ جافٍ مغالطةًفقلت لا هوَّمت أجفان أجفانا
وكذا قال في آخرها:
لم يبق غيرك إنسانًا يلاذ بهفلا برحت لعينٍ الدهر إنسانًا
ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابًا، وسماه: "رد الأعجاز على الصدور" خارجًا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فممَّا روى الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم:
ونشري بجميل الصنــع ذكرًا على طيب النشر
ونفري بسيوف الهنــد من أسرف في النَّفر
وبحري في شرى الحمدعلى شاكلة البحر
وكذلك قول بعضهم في الشيب:
يا بياضًا أذرى دموعي حتىعاد منها سواد عيني بياضا
وكذلك قول البحتري:
وأغرّ في الزمن البهيم محجَّلٍقد رحت منه على أغرِّ محجل
كالهيكل المبني إلّا أنهفي الحسن جاء كصورةٍ في هيكل
وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصبَّ نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرناها داخلًا في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه وهو أشهر من فلق الصباح.
وربما جهل بعض الناس، فأدخل في التجنيس ما ليس منه، نظرًا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى, فمن ذلك قول أبي تمام:
أظن الدمع في خدي سيبقيرسومًا من بكائي في الرسوم
وهذا ليس من التجنيس في شيء، إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معًا.
وهذا مما ينبغي أن ينبَّه عليه ليعرف.
ومن علماء البيان من جعل له اسمًا سمَّاه به، وهو "الترديد", أي: إن اللفظة الواحدة
رددت فيه. وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابًا أفرده بالذكر فيه.
ما يشبه بالتجنيس:
وأما الأقسام الستة المشبَّهة بالتجنيس:
فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فممَّا جاء من ذلك قول النبي ﷺ:$"اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّنْ خُلُقِي" ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخَلْقِ والخُلُقِ من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلّا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن "الخَلق" فعلٌ -بفتح الفاء، ووزن "الخُلق" فعل بضم الفاء.
ومن هذا القسم قول بعضهم: "لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر" وقال البحتري:
وفرَّ الخائن المغرور يرجوأمانًا أيَّ ساعة ما أمان
يهاب الالتفات وقد تهيَّاللحظة طرفه طرف السنان
وكذلك ورد قول الآخر:
قد ذبت بين حشاشةٍ وذماءما بين حرِّ هوىً وحرِّ هواء
القسم الثاني: من المشبَّه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس.
فمما جاء قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد، إلّا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾.
وعلى نحو من هذا ورد قول النبي ﷺ: "الخيل معقودٌ بنواصيها الخير", وقال بعضهم: "لا تنال المكارم إلا بالمكاره".
وقال أبو تمام:
يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍتصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب
وقال البحتريّ:
من كل ساجي الطَّرف أغْيَد أجيدٍومهفهف الكشحين أحوى أحور
وكذلك قوله:
شواجر أرماحٍ تقطَّع بينهمشواجن أرحامٍ ملومٍ قطوعها
القسم الثالث: من المشبَّه بالتجنيس: وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
وكذلك ورد قوله ﷺ: "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده".
ودخل ثعلب صاحب كتاب "الفصيح" على أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومجلسه غاصٌّ، فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه، وقال: "أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين, ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين، فقال له أحمد: "الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له". وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد ﵀ في قوله: "يحاسب" و"يحتسب له".
وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل الطبع.
فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمَّن ذكر الجهاد فقلت:
"وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلَّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلّا لأنَّ العدو إذا طلب تقمَّص ثوب إذلاله, وتنصل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت:
"وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمىً لمن جنى عليه زمانه، وجارٌ لمن بعد عنه جيرانه".
ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:
"ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يَعْمَى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدلَّ به على صلاح أخراه، فهو المركَب المنجِّي، والعمل المرجوّ لا المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتابٍ إلى بعض الإخوان، وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت:
"نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يُمْنِ نقيبته وأمانة غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة".
ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتابٍ إلى بعض الإخوان، فقلت:
"الكتب وإن عدَّها قوم عرضًا من الأعراض، وتقالَّوها حتى قالوا: هي سواد في بياض، فإنَّ لها عند الإخوان وجهًا وسيمًا، ومحلًّا كريمًا، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميمٌ حميمًا، ومن أحسنها كتاب سيدنا ... ".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب.
ومن هذا القسم قول أبي تمام:
أيام تدمي عينه تلك الدُّمىفيها وتقمر لُبَّه الأقمار
وكذلك قوله:
بيضٌ فهنَّ إذا رمقن سوافرًاصورٌ وهنَّ إذا رمقن صوار
وكذلك قوله:
بدرٌ أطالت فيك بادرة النَّوىولعًا وشمسٌ أولعت بشماس
وكذلك قوله:
كادوا النبوة والهدى فتقطَّعتأعناقهم في ذلك المضمار
جهلوا فلم يستكثروا من طاعةٍمعروفةٍ بعمارة الأعمار
وكذلك قوله:
إن الرماح إذا غرسن بمشهدٍفجنى العوالي في ذراه معالي
وكذلك قوله:
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوابلا نعمةٍ أحسنت أن تتطولا
وكذلك قوله:
أي ربعٍ يكذب الدهر عنهوهو مُلْقَى على طريق الليالي
بين حالٍ جنت عليه وحولٍفهو نضو الأحوال والأحوال
شدَّ ما استنزلتك عن دمعك الأظــعان حتى استهلَّ صوب العزالي
أيُّ حسن في الذاهبين تولَّىوجمالٍ على ظهور الجمال
ودلالٍ مخيَّمٍ في ذرا الخــيم وحجلٍ معصَّم في الحجال
فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعًا.
ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة:
وكم لك من يومٍ رفعت بناءهبذات جفونٍ أو بذات جفان
وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري:
قسمت صروف الدهر بأسًا ونائلًافمالك موتورٌ وسيفك واتر
وهذا من المليح النادر.
ومن هذا القسم قول البحتري:
جديرٌ بأن تنشقَّ عن ضوء وجههضبابة نقعٍ تحتها الموت ناقع
وكذلك قوله:
نسيم الروض في ريحٍ شمالٍوصوب المزن في راحٍ شمول
وذمَّ أعرابي رجلًا فقال: "كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوَّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال".
القسم الرابع: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المعكوس".
وذلك ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف.
فالأول: كقول بعضهم: "عادات السادات سادات العادات"، وكقول الآخر: "شيم الأحرار أحرار الشيم".
ومن هذا النوع مما ورد شعرًا قول الأضبط بن قريع من شعراء الجاهلية:
قد يجمع المال غير آكلهويأكل المال غيرُ من جَمَعَه
ويقطع الثوب غيرُ لابسهويلبس الثوب غيرُ من قَطَعَه
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ مالُهولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُه
وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذمّ فيها الزمان:
أسفَّ بمن يطير إلى المعاليوطار بمن يسفّ إلى الدنايا
وكذلك قول الآخر:
إن الليالي للأنام مناهلٌتُطْوَى وتنشر بينها الأعمار
فقصارَهُنَّ من الهموم طويلةٌوطوالُهُنَّ من السرور قِصَار
وأحسن من هذا كله وألطفه قول ابن الزَّقاق الأندلسي:
غيرتنا يد الزَّمان فقد شِبْتُ والتحى
فاستحال الضحى دجىواستحال الدجى ضحى
وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب "التبديل"، وذلك اسم مناسب لمسمَّاه؛ لأنَّ مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدَّمًا في جزء من كلامه الأول مؤخَّرًا في الثاني، وبما كان مؤخَّرًا في الأول مقدَّمًا في الثاني، ومثَّله قدامة بقول بعضهم: "اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك".
ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.
وكذلك ورد قول النبي ﷺ: "جار الدار أحق بدار الجار".
وكتب عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ كتابًا، فقال: "أما بعد، فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة بطول أمل، وكأنْ قد، والسلام".
وروى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان, وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها:
أهُنَّ عوادي يُوسُفٍ وصواحبه
وأنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العَمَيْثل هذا الابتداء، وقالا: "لِمَ لا يقول ما يفهم" فقال: "لم لا يفهما ما يقال"?! فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه.
وقد جاءني شيء منه.
كقولي في فصل من كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو:
"فكم كان من افتراع عذرة الحصن من عذرة حَصَان، وكم حيِّز به من سنان لحظٍ استرقَّه لحظ سنان".
وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو:
"الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلًا، وتوسعه العفاة أملًا، وترى الخول به ملوكًا والملوك خولًا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وكذلك ورد قولي أيضًا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت:
وقد صدق الله لهجة المُثْني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تُضْرَب به الأمثال، والمهذَّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكةً فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقوي الأمين.
وأما الضرب الثاني من هذا القسم -وهو عكس الحروف- فهو كقول بعضهم:
أهديت شيئًا يقل لولاأحدوثة الفال والتَّبرُّك
كرسي تفاءلت فيه لمارأيت مقلوبه يَسُرُّك
وكذلك قول الآخر:
كيف السرور بإقبالٍ وآخرهإذا تأمَّلته مقلوب الإقبال
وأجود من هذا كله قول الآخر:
جاذبتها والريح تجذب عقربًامن فوق خدِّ مثل قلب العقرب
وطفقت ألثم ثغرها فتمنعتوتحجَّبت عنِّي بقلب العقرب
وإذا قلب لفظ "عقرب" صار "برقعًا".
وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابًا.
القسم الخامس: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المجنب"، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم:
أبا العباس لا تحسب بأنيلشيءٍ من حُلَى الأشعار عاري
فلي طبعٌ كسلسال معينٍزلال من ذُرَا الأحجار جاري
وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألَا ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلّا جزء من اللفظ، وهو
أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك، لأنَّ العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله: "الأشعار" و"عار"، الجيم والراء في البيت الثاني في قوله "الأحجار" و"جار".
القسم السادس: من المشبَّه بالتجنيس, وهو ما يساوي وزنه تركيبه، غير أنَّ حروفه تتقدَّم وتتأخَّر، وذلك كقول أبي تمام:
بيض الصَّفائح لا سود الصحائف فيمتونهن جلاء الشك والريب
فالصفائح والصحائف مما تقدَّمت حروفه وتأخَّرت:
وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله ﷺ في فضيلة تلاوة القرآن الكريم: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ".
فقوله ﷺ: "اقرأ" و"ارق" من التجنيس المشار إليه في هذا القسم.
النص من طبعة نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع