من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ما قيل في المداد
قال بعض الكتاب: ليكن الكرسف في نهاية ما يكون من السواد، ولتكن الليقة التي نهاية اللين والنعمة، والأجود أن تكون مستديرة، فإن كان كذلك أجزأ الكاتب أن يسمها روق القلم، ولا يلحقه كلفة ولا إبطاء في الاستمداد. وإن حفر الموضع الواقع على الليقة من الغطاء وغشي بأرق ما يكون من الفضة، حتى إذا أطبقت الدواة تجافى ذلك الموضع عن الليقة، فلم ينله شيء من سوادها، كان ادعى إلى النظافة والسلامة وأكثر الدري لا تسلم منها ما لم تكن على ما وصفنا.
ويعنى بتعهد الليقة والكرسف بالملح والكافور، وإن غيرت في كل يومين أو ثلاثة كان آمن لتغيرها وربما أغفل ذلك فاستكرهت الرائحة وظهر من نتنها ما يخجل له. وتهيا ذلك على بعض الكتاب حتى ظن رئيسه أنه أبخر فشكا ذلك إلى نديم له فقال النديم: ما عرفت ذلك منه، ولكن لعلة أغفل ذلك من أمر دواته وتفقدها. فقال الرئيس: عذره في بخره أبسط عندي منه في نتن دواته، لأنه في ذلك مضطر وهو في هذا مختار. ثم نبهه نديمه على ذلك فلم يجر عليه بعد. وقال بعض الشعراء في هذا المعنى يهجو كاتباً:
دخيل في الكتابة ليس منهاله فكر تعد ولا بديه
تشاكل أمره خلقاً وخلقاًفظاهره لباطنه شبيه
كأن دواته من ريقه فيهتلاق فنشرها أبداً كريه
وقال أحمد بن إسماعيل حذراً من هذا:
كأنما النقس إذا استمدهغالية مذوقة بنده
قال وأنشدنا أحمد بن إسماعيل للحسن بن وهب:
مداد مثل خافية الغرابوقرطاس كرقراق السراب
وأقلام كمرهفة الحرابوألفاظ كأيام الشباب
وأحمد بن إسماعيل الذي يقول:
وإذا نمنمت بنانك خطاًمعرباً عن إصابة وسداد
عجب الناس من بياض معانيجتنى من سواد ذاك المداد
والمداد كل شيء يمد به هذا أصله قال الأخطل:
رأت بارقات بالأكف كأنهامصابيح سرج أوقدت بمداد
يريد بدهن أمدت به كثر الأستعمال لما تمد به الدواة فقلب كل شيء غيره فإذا قيل: مداد، لك يعرف شيء غيره وقال بعض الكتاب يمدح المداد:
من كان يعجبه في صحن عارضهمسك يطيب منه الريح والنسما
فإن مسكي مداد فوق أنملتيإذا الأصابع مني مست القلما
وقال آخر:
وما روض الربيع وقد زهاهندى الأسحار يأرج بالغداة
بأعبق أو بأطيب من نسيمتؤديه الألاقة من دواة
وقالوا: " المداد خضاب الرجال ". وقال آخر:
إنما الزعفران عطر العذارىومداد الدواة عطر الرجال
حدثني يعقوب بن بيان قال: كتب إبراهيم بن العباس يوماً كتاباً فأراد محو حرف منه، فلم يجد سبيلاً فمحاه بكمه، فقيل له في ذلك، فقال: المال فرع والقلم أصل، فهو أحق بالصون منه، وإنما بلغنا هذه الحال واعتقدنا الأموال بهذا القلم والمداد ثم قال:
إذا ما الفكر أظهر حسن لفظوأداه الضمير إلي العيان
رأيت حلى البنان منوراتتضاحك بينها صور المعاني
ويقال: مددت الدواة جعلت فيها مداداً وكل شيء زدت فيه فإنك تقول: مددته أمده مداً. قال الله تعالى: " والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ". وإذا أمرت قلت: مد الدواة بكسر الدال. ومد الدواة تتبع الضمة الضمة وإمداد الدواة. ولا يقال أمددت إلا ما كان على جهة الإعانة كقولك: أمددته بمال ورجال، ومنه قوله ﷿: " أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ". ومنه: " أمددناكم بأموال وبنين ". أي أعناكم وقربناكم. ويقال مداد ونقس بالسين وكسر النون، والكثير أنقاس.
وقال حميد بن ثور:
لمن الديار بجانب الحمسكمخط ذي الحاجات بالنفس
وأنشدنا محمد بن موسى الرازي لحمد بن مهران:
لا تجزعن من المداد ولطخهإن المداد خلوق ثوب الكاتب
وأبهج بذلك إنه لك زينةهبة من الله الجواد الواهب
لولا المداد ويسرنا بدليلهما صح في مال حساب الحاسب
ولما تبينت الأمور لطالبولكان شاهدنا شبيه الغائب
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع