تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

القرطاس وما يكتب فيه

تسمي العرب ما يكتب فيه القرطاس، وجمعه قراطيس، ومهرقاً وجمعه مهارق، وصحيفة وجمعها صحائف، وسفراً والجميع أسفار، قال الله ﷿: " يمحل أسفاراً "، وقد نزل القرآن بجميعها إلا المهرق. قال الله تعالى: " تجعلونه قراطيس "، وقال تعالى: " ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس "، وقال تعالى: " إن هذا لفي الصحف الأولى ". والعرب تشبه المنزل، إذا خلا ودرجت عليه

الريح وصار أرضاً، بالمهرق. قال الأعشى:

سلا دار ليلى هل تبين فتنطقوأنى ترد القول بيضاء سملق
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وأنى ترد القول دار كأنهالطول بلاها والتقادم مهرق
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

وشبه أبو نؤاس الناقة البيضاء بالقرطاس فقال:

واحتازها لون جرى في جلدهايقق كقرطاس الوليد هجان
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «حي الديار إذ الزمان زمان»

قيل: خص قرطاس الوليد لأنه معه كالرسم لم يكتب فيه بعد، والهجان أيضاً الكرام من الإبل وغيرها وما أعلم أحداً استوفى في وصف القرطاس إلا جعفر بن حمدان المصري الكاتب فإنه قال:

في يديه من القراطيس كالمزنة جادت بواكف مدرار

كالملاء الرحيض كالبيض بيض الهند كالبيض كالمياه الجواري

كالسراب الرقراق في عنفوان الصيف نصف النهار في أيار

ما تبالي أجلت عينك فيهحين يطوي أم في حضور العذاري
يسبح الخط فيه عفواً فما يكبو بوعث فيه ولا بحبار

حدثني أبو تذكوان القاسم بن إسماعيل قال: سمعت عمك أحمد بن عبد الله بن العباس، المعروف بطماس، يقول - وكان حسن البلاغة: القرطاس أمره ما لم تكحله مل الدواة.

ومن مليح الأخبار التي ذكر فيها القرطاس ما حدثني به أحمد بن محمد الأنصاري، قال حدثنا أبو العيناء عن الجماز قال: أراد أبو نؤاس أن يكتب إلى إخوانه له، فلم يجد شيئاً يكتب فيه فحلق رأس غلامه، وكتب عليه ما أراد، وفي آخرها كتب: وإذا قرأتم الخطاب فخرقوا القرطاس قال: فردوه بلا جلدة رأس. ورأى جرير رجلاً أسود عليه ثياب جد فقال:

كأنه لما بدا للناسأير حمار لف في قرطاس

وقال أبو نؤاس:

لم يقو عندي على تخريق قرطاسيإلا فتى قلبه من صخرة قاسي
إن القراطيس من قلبي بمنزلةتكون كالسمع والعينين في الراس
لولا القراطيس مات العاشقون معاًهذا بغم وهذا كم بوسواس

فأما الكراريس فواحدها كراسة، قال الأصمعي: كرست الكتب والورق جعلت شيئاً منه إلى شي وأكرس الغنم اجتماع

بعرها وبولها في مواضعها حتى يتطارق بعضه إلى بعض، قال العجاج:

يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً

قال أبو عبيد: اكرس البعر عليه فهو مكرس، ويروى مكرساً كأنه أكرس فهو مكرس وأصله ما ذكرت لك. وتكارس ورق الشجر تحته وقع بعضه فوق بعض.

ويقال دفتر ودفتر. وما سمع شيء في اشتاقه إلا أنه عربي فصيح. قال جندل بن المثنى الطهوري:

هل لا بحجر يا ربيع تبصرقد قضي الدين وجف الدفتر

ويروى الدفتر. وأنشدني الحسين بن يحيى:

هل تذكرين إذا الرسائل بينناتأتيك في الشجر الذي لم يغرس
إذ سر نفسي في يديك ومثلهلك في يدي من الفصيح الأخرس

وقال ابن الأحنف:

صحائف عندي للعتاب طويتهاستنشر يوماً والعتاب طويل
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «عقيلية أما ملاث إزارها»
عتاب لعمري لا بنان يخطهوليس يؤديه إليك رسول

آخر:

جاء الرسول بقرطاس فهيج ليشوقاً وأحببت منه كل قرطاس
فيه معاتبة منها تذكرنيعهد الوصال كأني غافل ناس

وقال:

أتاني كتاب منمليكي بخطهفما أعظم النعمى وما أصغر الشكرا
فظلت تناجيني بما في ضميرهأنامل قد صاغت بأقلامها سحرا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أتاني كتاب من مليك بخطه»

قال وكتب إلى فوز كتاباً أغضبها:

كتبت وليته شلت يمينهولم أكتب إليك بما كتبت
كتبت وقد شربت الكأس صرفاًفلا كان الشراب ولا شربت

وقال ابن الأحنف أيضاً:

أهدت إلى صحيفة مختومةنفسي الفداء لخط ذاك الكاتب
ففكتها فقرأت ما قد حبرتفإذا مقالة مستزيد عاتب

حدثني أبو عبد الله الأسباطي قال: كان رجل من الكتاب يهودي مغنية ويكاتبها، فكانت تخرق كتبه وتأمره بتخريق كتبها، فكتب إليها: إني أحتفظ بكتبك وتتهاونين بكتبي فتخرقينها فكتبت إليه:

يا ذا الذي لام في تخريق قرطاسكم مر مثلك في الدنيا على راسي
الحزم تخريقه إن كنت ذا نظروإنما الحزم سوء الظن بالناس
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «الحزم تخريقه إن كنت ذا حذر»
إذا أتاك وقد أدى أمانتهفاجعل كرامته دفناً بأرماس
وشق قرطاس من تهوى وكن حذراًيا رب ذي ضيعة من حفظ قرطاس

فكتب إليها: الصواب رأيك وخرق رقاعها.

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.