من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
المرفع
قال بعض الكتاب: المرفع ضرب من الكبر، وفضيلة في الآلة، وترفه مفرط لا يليق بذوي التقدم في العمل، والصبر عليه، والتجرد له. وما يسرع إليه إلا كل ذي نخوة ورياسة محدثة. وهو أحسن في مجالس الخلوات منه في الجماعات. فأما مجالس الرياسة والجد في الأعمال فلا موقع له فيها. قال أحمد بن إسماعيل: قلما رأيت سيداً رئيساً يجعل بين دواته وبين الأرض مرفعاً في مجالس رياسته. وإذا عجز الكاتب عن الاستمداد من الدواة على الأرض، فيغنم رفعها إلى يده بهذه الآلة وتقريب متناولها، فهو عما سوى ذلك من تمشية الأعمال وتنفيذ الأمور أعجز. وقد هجي بعض الكتاب بذلك فقيل:
إني بليت بجاهل متغافلمتكلف في فعله متصنع
حاز الكتابة حين فضض مرفعاًوجرت أنامله بخط مسرع
متتايه في الحفل يبغي عزةفيدل في مرأى هناك ومسمع
فكلامه دون المدى متواضعودواته للطرف فوق المرفع
حدثني أحمد بن محمد بن إسحاق قال: دخلت أنا وأبو علي بن المرزبان على يحيى بن مناوة الكاتب، وبين يديه مرفع قد قارب صدره عليه دواته، فقلت لابن المرزبان: أما ترى هذا المرفع؟ فقال: هذا مرفع وصاحبه رقيع لا رفيع.
وقيل لبعض الرؤساء - وقد جعل دواته على مرفع: ما كل الأجلاء تفعل هذا. فقال: من جلس على فرش تعليه قليلاً بعدت عليه مسافة الاستمداد، فأما من كان على حصير أو سماط فلا عذر له فيه. وقد وصف بعضهم مرفعاً مفضضاً واحتج له فقال:
قرب البعد مركب لدواةملجم من حليه بلجام
فضة تستضيء في أبنوسمثل ضوء الإصباح في الإصباح في الإظلام
كخوان الطعام سهل للأكقال: منه ما كان صعب المرام
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع