تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

الأموال ثلاثة

الفيء ووجوهه خمسة: منها ما أفاء الله على المسلمين، مما يجدونه في المدينة التي تفتح، بعد سكون الحرب، وانتقال الدار من اسم الكفر إلى الإسلام، فذلك فيء وليس بغنيمة، كالذي فعل عمر ﵁ في كنز الفخيرجان، وقد أتى به السائب، وقد ولاه قسمة الغنائم بنهاوند، لما فتحها الله على المسلمين، جمع السائب الغنائم فقسمها، ثم جاء من دله على الكنز، فاستخرجه، وكان سفطين من جوهر فأتى بهما عمر ﵀، فأمره أن يبيعهما ويقسم ثمنهما بين الذرية، ولم يأمره أن يخمسه، فتبين أنه جعله فيئاً ولم يجعله غنيمة.

والوجه الثاني: الجزية جزية رؤوس أهل الذمة.

والوجه الثالث: ما يؤخذ من نصارى تغلب وهو الزكاة مضاعفة.

والوجه الرابع: ما يؤخذ من تجارات أهل الذمة التي يختلفون فيها.

والوجه الخامس: ما يؤخذ من تجارات المشركين الذين يدخلون بلاد الإسلام بعهد. يؤخذ من تجارات أهل الذمة نصف العشر، ومن تجارات المشركين العشر.

والمال الثاني: الخمس ووجوهه أربعة فأولها الركاز، وهو دفن الجاهلية والكفار القدماء، إذا وجده إنسان أدى إلى السلطان خمسه وكانت له أربعة أخماسه.

والثاني: المعدن وهو الموضع الذي يوجد فيه الذهب والفضة والرصاص والنحاس والحديد، وقد اختلف فيه، فقال أهل العراق: فيه الخمس كالركاز، وقال أهل الحجاز فيه الزكاة معجلة.

والثالث: ما استخرج من البحر من العنبر واللؤلؤ، وقد اختلف فيه، فقال أهل العراق: لا شيء فيه وهو بمنزلة المسك. وروي عن عمر ﵁ أن يعلى بن منبه كتب إليه، وهو على اليمن، أن رجلاً وجد عنبرة على ساحل البحر، فكتب إليه عمر أنها سيبة من سيب الله، فيها وفي كل ما أخرج البحر، من حليه الخمس. وقال ابن عباس ﵁: ذاك رأيي.

والرابع: كل ما غنمه المسلمون من مال المشركين فيه الخمس.

والمال الثالث: الصدقة وهي في العين من كل عشرين ديناراً نصف دينار، وفي الورق من كل مائتي درهم وهو ربع العشر، والحلي ما كان منه جوهراً، فلا شيء فيه، وما كان ذهباً أو فضة ففيه ربع العشر، وكذلك كل ما يركب لا زكاة فيه.

والمماليك لا زكاة فيهم إلا زكاة الفطر. فإن كانوا للتجارة، كانت

فيهم الزكاة، ولم يكن فيهم زكاة الفطر، وزكاة هذا كله أن يقوم ويؤخذ ربع عشر قيمته.

وفي الإبل، إذا بلغت خمساً، شاة، وإذا بلغت عشراً شاتان، وإذا بلغت خمس عشرة ثلاث شياه، وإذا بلغت عشرين ففيها أربع، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بني مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، ثم يكون في كل أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقة.

وبعض الفقهاء يقول: تستأنف الفريضة بعد المائة والعشرين كما كانت في الابتداء لكل خمس شاة.

وفي الغنم، في كل أربعين شاة، ثم ليس فيها شيء، حتى تزيد على عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة ثم يكون في كل مائة شاة، ولا يؤخذ من الزيادة شيء حتى تكمل مائة ويحول عليها الحول وهي على هذا التمام.

وفي البقر وجواميسها في ثلاثين بقرة تبيع أو تبيعة، وهو جذع أو جذعة، وفي كل أربعين مسنة، وليس فيما بين الثلاثين إلى الأربعين شيء، وفي كل سبعين تبيع أو تبيعان، وليس فيما بين الأربعين والستين شيء، وحسابها بعد في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة، ولا زكاة في شيء مما ذكرنا حتى تكون سائمة، والسائمة الراعية التي ترعى في كلأ المسلمين، الذين هم فيه

سواء، فأما من لم يجد شيئاً من ذلك يعلفه ويمونه من ماله، فلا زكاة فيه وإن كثر.

وقال أهل الحجاز: لا زكاة في خيل ولا رقيق، إلا زكاة الفطر التي تلزم الأحرار، ولا في شيء من دواب الوحش، ولا زكاة في لؤلؤ ولا ياقوت ولا مرجان ولا لباس ولا في شيء من العروض، إلا زكاة التجارة، فهي على ما سميت لك فقس على ذلك.

وصدقة الأرض العشر مما يخرج الله منها، إذا بلغت خمسة أوسق. والوسق ستون صاعاً، والصاع خمسة أرطال وثلث بالرطل البغدادي في قول أهل الحجاز. وهو في قول أهل الكوفة خمسة أرطال بهذا الرطل، إذا كانت الأرض تشرب سيحاً أو ماء السماء، وإن كانت تشرب بدولاب وما أشبهه ففيه نصف العشر.

والفيء للمقاتلة والذرية وذوي الغناء عن الإسلام.

والخمس لمن قال الله ﷿: " واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى "، يعني قرابة النبي ﷺ، وهم بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب ابن عبد مناف خاصة من سائر بني عبد مناف، لأن النبي ﷺ جعل ذلك لهم، فكلمه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف في أن يجعلهم في أسهم القربى مثل إخوتهم بني المطلب بن عبد مناف إذ كانوا في القربى مثلهم، فقال النبي ﷺ: " لا أفعل إن بني المطلب ما فارقونا

في جاهلية ولا إسلام وكانوا معنا كذا " وشبك بين أصابعه. وإنما رعى لهم النبي ﷺ فعلهم، لما أدخلت قريش بني هاشم شعباً وقالوا: لا نكلمهم ولا نبايعهم، فدخل بنو عبد المطلب معهم وقالوا: لا نفارق إخواننا. واليتامى ليتامى سائر الناس ليس فيهم يتامى بني هاشم ولا يتامى بني المطلب.

والمساكين مساكين الناس عامة ليس فيهم مساكين بني هاشم ولا مساكين بني المطلب. وقد قال قوم: اليتامى والمساكين يتامى هؤلاء ومساكينهم. وابن السبيل الضيف الفقير.

واختلف الناس في الله وسهم الرسول ﷺ، فقال قوم: المعنى في قول الله ﷿: " فإن لله خمسه " مفتاح كلام، كما يقال: هذا لله ولك وقد أعتقك الله وأعتقتك.

والخمس مقسوم على خمسة كما قال الله ﷿: وقال قوم: كان رسول الله ﷺ، إذا أتي بالغنيمة، ضرب فما وقع فيها من شيء جعله للكعبة وهو سهم الله. هذا قول مالك. ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم: فسهم للنبي ﷺ، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل سهم سهم.

وقال ابن عباس: كان الخمس يقسم على أربعة: فربع للنبي ﷺ ولذي القربى، فما كان لله وللرسول، فهو لقرابة رسول الله ﷺ، ولم يأخذوا من الخمس شيئاً، والربع

الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل.

وقال قوم: كان خمس الله وخمس رسوله ﷺ واحداً، فكان النبي ﷺ يعطي بعضه ويصرف الباقي فيما أسماه الله له، وفيما يراه صلاحاً للمسلمين، والعدل قسمته والحق ما فعله ﵊.

وقد اختلف في سهم رسول الله ﷺ وسهم ذي القربى بعد وفاته، فقال قوم: سهم ذي القربى لقرابة النبي ﵊، وقال قوم: لقرابة الخليفة. وقال قوم: ما يكون سهم النبي ﷺ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والغزو، وفي سبيل الله ومصلحة المسلمين، فكانا يصرفان في ذلك أيام أبي بكر ومن بعده من الأئمة ﵃.

والصدقات للأصناف التي ذكرها الله ﷿ فقال: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ".

فالفقراء في اللغة هم الذين لهم قوت مجهودة أن يكفيهم لا فضل لهم ولا عندهم. واحتجوا في ذلك بقول الراعي:

أما الفقير الذي كانت حلوبتهوفق العيال فلم يترك له سبد
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»

فقالوا: والمسكين الذي لا قوت له وقول الله ﷿: " أما السفينة فكانت لمساكين "، يوجب خلاف ما حده أهل اللغة في المسكين.

واختلف الناس في سهم المؤلفة قلوبهم، فقال قوم: قد انقطع اليوم سهم بقوة الإسلام وأهله فسهمهم يرجع على الباقين. وقال قوم: بل للإمام أن يتألف من يراه هذا السهم له.

وأما سهم العاملين في الفريضة فأمرهم إلى الإمام يفرض لهم ما أراد.

وفي الرقاب قيل: هو أن يشترى العبد فيعتق. وقال بعضهم، وهو الشافعي: لا يشترى من الصدقة عبد فيعتق، ولكن يعان المكاتب منها.

و" الغارمين ": وهم قوم أدانوا ديناً في غير معصية.

وفي سبيل الله: في الغزو. وقال بعضهم: في سبيل الله في الذين يقاتلون عليها أهلها، إذا منعوها حتى يؤدوها.

وابن السبيل: المسافر الذي تنقطع به نفقته يعطى منها ما يبلغه إلى بلده من الصدقة.

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.