من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
جاري لَا تستنكري عذيريسيري وإشفاقي على بَعِيري
على أَن العذير هُنَا بِمَعْنى الْحَال الَّتِي يحاولها الْمَرْء يعْذر عَلَيْهَا وَقد بَين بقوله: سيري وإشفاقي الْحَال الَّتِي يَنْبَغِي أَن يعْذر فِيهَا وَلَا يلام عَلَيْهَا.
وَمثله لِابْنِ الشجري فِي أَمَالِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ: العذير: الْأَمر الَّذِي يحاوله الْإِنْسَان فيعذر فِيهِ. أَي: لَا تستنكري مَا أحاوله مَعْذُورًا فِيهِ. وَقد فسره بِالْبَيْتِ الثَّانِي. وَعَلِيهِ فعذيري مفعول تستنكري وسيري: عطف بَيَان لَهُ أَو بدل مِنْهُ أَو خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: هُوَ سيري... وَيجوز أَن يكون عذيري مُبْتَدأ خَبره سيري كَمَا قَالَ بن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح وعَلى هَذَا فمفعول تستنكري مَحْذُوف.
قَالَ الزّجاج: العذير: الْحَال. وَذَلِكَ أَن العجاج كَانَ يصلح حلساً لجمله فأنكرته وهزئت مِنْهُ فَقَالَ لَهَا هَذَا. قَالَ عَليّ بن سُلَيْمَان الْأَخْفَش: العذير: الصَّوْت. كَأَنَّهُ كَانَ يرجز فِي عمله بحلسه فأنكرت عَلَيْهِ ذَلِك أَي: لَا تستنكري
صوتي وَرَفعه بِالْحَدِيثِ لِأَنِّي قد كَبرت. والحلس للبعير وَهُوَ كسَاء رَقِيق يكون تَحت البرذعة وَهُوَ بِكَسْر الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ الْبَيْت الأول على أَن جاري منادى مرخم. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ حذف حرف النداء ضَرُورَة من قَوْله جاري وَهُوَ اسْم منكور قبل النداء لَا يتعرف إِلَّا بِحرف النداء.
وَإِنَّمَا يطرد الْحَذف فِي المعارف.
ورد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ جعله الْجَارِيَة نكرَة وَهُوَ يُشِير إِلَى جَارِيَة بِعَينهَا فقد صَارَت معرفَة بِالْإِشَارَةِ. وَلم يذهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى مَا تَأَوَّلَه الْمبرد عَلَيْهِ: من أَنه نكرَة بعد النداء وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه اسْم شَائِع فِي الْجِنْس قبل النداء وَهُوَ نكرَة. وَكَيف يتَأَوَّل عَلَيْهِ الْغَلَط فِي مثل هَذَا وسيبويه قد فرق بَين مَا كَانَ مَقْصُودا بالنداء من أَسمَاء الْأَجْنَاس وَبَين مَا لم يقْصد قَصده وَهَذَا من التعسف الشَّديد والاعتراض الْقَبِيح.
وَقَوله سيري هُوَ مصدر سَار يسير يكون بِاللَّيْلِ وبالنهار وَيسْتَعْمل لَازِما ومتعدياً يُقَال سَار الْبَعِير وسرته وَيفهم من كَلَام أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام فِي أَمْثَاله وَمن كَلَام الأعلم أَنه من فعل أَمر وَصرح بِهِ غَيره فَإِنَّهُمَا قَالَا: وَمعنى الشّعْر: يَا جَارِيَة سيري وَلَا تستنكري عذيري)
وإشفاقي.
وَيَردهُ الرِّوَايَة الْأُخْرَى وَهِي سعيي وإشفاقي كَمَا نقلهَا الصَّاغَانِي وَغَيره. والإشفاق:
مصدر أشفقت عَلَيْهِ: إِذا حنوت وعطفت عَلَيْهِ وأشفقت من كَذَا: حذرت مِنْهُ. وَقَوله على بَعِيري مُتَعَلق بِأحد المصدرين على التَّنَازُع.
وَهَذَانِ البيتان من رجز للعجاج وَبعده: وَكَثْرَة الحَدِيث عَن شقوري مَعَ الجلا ولائح القتير فِي الصِّحَاح: الشقور الْحَاجة وَعَن الْأَصْمَعِي بِفَتْح الشين قَالَ أَبُو عبيد: الأول أصلح لِأَن الشقور بِالضَّمِّ بِمَعْنى الْأُمُور اللاصقة بِالْقَلْبِ المهمة لَهُ
الْوَاحِد شقر. وَفِي أَمْثَال أبي عبيد أفضيت إِلَيْهِ بشقوري أَي: أخْبرته بأَمْري وأطلعته على مَا أسره من غَيره: وَقَالَ الزبيدِيّ فِي لحن الْعَامَّة: الشقور: مَذْهَب الرجل وباطن أمره. والجلا: بِفَتْح الْجِيم وَالْقصر: انحسار الشّعْر من مقدم الرَّأْس يكون خلقَة وَيكون من كبر. القتير بِفَتْح الْقَاف: الشيب.
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: لَا تستنكري حَالي من الْهَرم ياجارية وَلَا كَثْرَة مَا أحدث بِهِ من الْأَسْرَار. وَذَلِكَ من أَحْوَال الشُّيُوخ المسان وتهاتر الهرمى.
وترجمة العجاج تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالْعِشْرين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع