من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَة:
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس بعد الْمِائَة:...
يَا أبجر بن أبجر يَا أنتاأَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا
على أَن الْمُضمر لَو وَقع منادى جَازَ نظرا إِلَى الْمظهر فَإِن الْمظهر بِصُورَة الرّفْع وَالضَّمِير ضمير رفع.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف نقلا عَن الْبَصرِيين بِأَن الْمُفْرد الْمعرفَة إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ أشبه كَاف الْخطاب وكاف الْخطاب مَبْنِيَّة فَكَذَلِك مَا أشبههَا وَوجه الشّبَه بَينهمَا من ثَلَاثَة أوجه: الْخطاب)
والتعريف والإفراد. وَمِنْهُم من قَالَ: إِنَّمَا بني لِأَنَّهُ وَقع موقع اسْم الْخطاب لِأَن الأَصْل فِي قَوْلك يَا زيد: أَن تَقول: يَا إياك أَو يَا أَنْت لِأَن المنادى لما كَانَ مُخَاطبا كَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَغْنى عَن اسْمه وَيُؤْتى باسم الْخطاب فَيُقَال: يَا إياك وَيَا أَنْت كَمَا قَالَ: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا
فَلَمَّا وَقع الِاسْم المنادى موقع اسْم الْخطاب وَجب أَن يكون مَبْنِيا كَمَا أَن اسْم الْخطاب مَبْنِيّ.
وَظَاهر كَلَام الشَّارِح الْمُحَقق أَن نِدَاء الضَّمِير مطرد وَأَنه لَا فرق بَين نِدَاء الضَّمِير الْمَرْفُوع وَالضَّمِير الْمَنْصُوب.
قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: نِدَاء الْمُضمر شَاذ. وَقد قيل إِنَّه على تَقْدِير: يَا هَذَا أَنْت وَيَا هَذَا إياك أَعنِي.
وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: وَأما يَا أنتا فشاذ لِأَن الْموضع مَوضِع نصب وَأَنت ضمير رفع فحقه أَن لَا يجوز كَمَا لَا يجوز فِي إياك لَكِن بعض الْعَرَب قد جعل بعض الضمائر نَائِبا عَن غَيره كَقَوْلِهِم: رَأَيْتُك أَنْت بِمَعْنى رَأَيْتُك إياك فناب ضمير الرّفْع عَن ضمير النصب وَكَذَلِكَ قَالُوا: يَا أنتا وَالْأَصْل يَا إياك. وَقد يُقَال: إِن يَا فِي يَا أَنْت حرف تَنْبِيه وَأَنت مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِيَة تَأْكِيد وَقَالَ ابْن عُصْفُور: وَلَا يُنَادى الْمُضمر إِلَّا نَادرا والأسماء كلهَا تنادى إِلَّا الْمُضْمرَات أما ضمير الْغَيْبَة وَضمير الْمُتَكَلّم فهما مناقضان لحرف النداء لِأَن حرف النداء يَقْتَضِي الْخطاب وَلم يجمع بَين حرف النداء وَالضَّمِير الْمُخَاطب لِأَن أَحدهمَا يُغني عَن الآخر فَلم يجمع بَينهمَا إِلَّا فِي الشّعْر مثل قَوْله:
(يَا أَقرع بن حابسٍ يَا أنتا... أَنْت الَّذِي............. الْبَيْت)
فَمنهمْ من جعل يَا تَنْبِيها وَجعل أَنْت: مُبْتَدأ وَأَنت الثَّانِي إِمَّا تاكيداً أَو مُبْتَدأ أَو فصلا أَو بَدَلا. وَدلّ كَلَامه على أَن الْعَرَب لَا تنادي ضمير الْمُتَكَلّم فَلَا تَقول: يَا أَنا وَلَا ضمير الْغَائِب فَلَا تَقول: يَا إِيَّاه وَلَا يَا هُوَ فَكَلَام جهلة الصُّوفِيَّة فِي نِدَاء الله تَعَالَى: يَا هُوَ لَيْسَ جَارِيا على كَلَام الْعَرَب. كَلَام أبي حَيَّان.
وَهَذَانِ البيتان من أرجوزة لسالم بن دارة وَقد حرف الْبَيْت الأول على أوجهٍ كَمَا رَأَيْت.
وَصَوَابه: يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتا)
وَرَوَاهُ الْعَيْنِيّ كَرِوَايَة الشَّارِح وَزعم أَن قَائِله الْأَحْوَص. وَهُوَ وهم إِنَّمَا قَوْله نثر لَا نظم: وَهُوَ أَنه لما وَفد مَعَ أَبِيه على مُعَاوِيَة خطب فَوَثَبَ أَبوهُ ليخطب فكفه وَقَالَ: يَا إياك قد كفيتك.
ومنشأ الْوَهم: أَن النَّحْوِيين قد ذكرُوا هَذَا الْبَيْت عقب قَول الْأَحْوَص مَعَ قَوْلهم وَكَقَوْلِه فَظن أَن الضَّمِير للأحوص.
وَقد صحفه أَبُو عبد الله بن الْأَعرَابِي أَيْضا فِي نوادره وَرَوَاهُ: يَا قر يَا ابْن واقعٍ يَا أنتا نبه على تصحيفه أَبُو مُحَمَّد الْأسود الْأَعرَابِي فِيمَا كتبه على نوادره وَسَماهُ ضَالَّة الأديب فَقَالَ: صحف أَبُو عبد الله فِي اسْم من قيل فِيهِ هَذَا الرجز فَقَالَ: يَا قر وَإِنَّمَا هُوَ يَا مر وَهُوَ مرّة بن وَاقع أحد بني عبد منَاف بن فَزَارَة.
وَقَوله: أَنْت الَّذِي طلقت كَانَ الْقيَاس طلق ليعود إِلَى الْمَوْصُول ضمير الْغَائِب.
قَالَ ابْن جني: هَذَا كَلَام الْعَرَب الفصيح وَقد جَاءَ أَيْضا الْحمل على الْمَعْنى دون اللَّفْظ كَهَذا الْبَيْت.
وَكَانَ من قصَّة سَالم بن دارة وَمرَّة بن وَاقع الْفَزارِيّ: أَن قرفة أحد بني عبد منَاف نثل حسياً بزهمان فاستعان بسالم وبمرة وَاسم الحسى مُعَلّق فرجز سَالم وَهُوَ يخرج عَن مرّة المسناة:
أنزلني قرفة فِي مُعَلّقأترك حبلي مرّة وأرتقي
عَن مرّة بن واقعٍ واستقي وَلَا يزَال قَائِل: ابْن ابْن دلوك عَن حد الضروس وَاللَّبن فَغَضب مرّة من ذَلِك وَكَانَ عِنْده مرّة امرأةٌ من بني بدر بن عَمْرو فأسنت مرّة فَطلقهَا وَأهل الْبَادِيَة أفعل شَيْء لذَلِك فَلَمَّا أَحْيَا أَرَادَ رَجعتهَا فَأَبت وَكَانَ مرّة يحْسب أَن لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَة وَأَنه إِنَّمَا فاكهها فاحتملت إِلَى أَهلهَا ثمَّ إِن مرّة حج فِي أركوب من بني فَزَارَة حجاج وَخرج سَالم فِي أركوب من بني عبد الله بن غطفان حجاج فاصطحبوا فَنزل مرّة يَسُوق بالقوم فَقَالَ يرتجز:
لَو أَن بنت الأكرم البدريرَأَتْ شحوبي وَرَأَتْ بذريي
وَهن خوصٌ شبه القسييلفها لف حَصى الأتي
أروع سقاءٌ على الطوي)
ثمَّ نزل سالمٌ يَسُوق بالقوم وَقد كُنَّا تضاغنا فرجز:
يَا مر يَا ابْن وَاقع يَا أنتاأَنْت الَّذِي طلقت عَام جعتا
فَضمهَا البدري إِذْ طلقتاحَتَّى إِذا اصطبحت واغتبقتا
أَصبَحت مُرْتَدا لما تركتاأردْت أَن ترجعها كذبتا
أودى بَنو بدرٍ بهَا وأنتاتقسم وسط الْقَوْم: مَا فارقتا
انْتهى مَا أوردهُ الْأسود الْأَعرَابِي.
وَقَوله: نثل حسياً بزهمان يُقَال: نثلت الْبِئْر نثلاً وانتثلتها: إِذا استخرجت ترابها وَهُوَ النثيلة بالنُّون والثاء الْمُثَلَّثَة. والحسي بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين
الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا تنشفه الأَرْض من الرمل فَإِذا صَار إِلَى صلابة أمسكته فتحفر عته الرمل فتستخرجه وَجمعه الأحساء. وزهمان بِضَم الرَّاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْهَاء: وادٍ لبني فَزَارَة مُتَّصِل بِالرَّقْمِ بِفَتْح الرَّاء وَالْقَاف وَهُوَ مَوضِع بالحجاز قريب من وَادي الْقرى كَانَت فِيهِ وقْعَة لغطفان على عَامر. كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم لأبي عبيد الْبكْرِيّ.
وَقَوله: أبن أبن هُوَ فعل أَمر من الْإِبَانَة وَهُوَ الإبعاد. والضروس قَالَ فِي الصِّحَاح: بِضَم الضَّاد: الْحِجَارَة الَّتِي طويت بهَا الْبِئْر. وَأنْشد هَذَا الشّعْر وبئر مضروسة وضريس أَي: مطوية بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله فأسنت مرّة أَي: أَصَابَهُ السّنة وَهِي الْقَحْط والجدب. وَقَوله: فَلَمَّا أَحْيَا فِي الصِّحَاح: قَالَ أَبُو عَمْرو: أَحْيَا الْقَوْم: إِذا حسنت حَال مَوَاشِيهمْ. فَإِن أردْت أنفسهم قلت: حيوا. ثمَّ قَالَ: وَأَحْيَا الْقَوْم أَي: صَارُوا فِي الحيا وَهُوَ الخصب والحيا مَقْصُور: الْمَطَر وَالْخصب. وَهُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف. وَقَوله فاكهها أَي: مازحها والمفاكهة: الممازحة.
وَقَوله: البدري مَنْسُوب إِلَى بني بدر بن عَمْرو. وَلَو: لِلتَّمَنِّي لَا جَوَاب لَهَا. والشحوب: مصدر شحب جِسْمه بِالْفَتْح يشحب بِالضَّمِّ: إِذا تغير. وَقَوله:
بذريي أَي إبلي المفرقة وَيُقَال: تَفَرَّقت إبِله شذر بذر بِفَتْح الشين وَالْبَاء وكسرهما وَمَا بعدهمَا مَفْتُوح: إِذا تَفَرَّقت فِي كل وَجه.
وَقَوله: وَهن خوصٌ أَي: غائرات الْعُيُون جمع أخوص وخوصاء وَالْفِعْل خوص بِالْكَسْرِ أَي: غارت عينه. ويلفها: يضمها ويجمعها. والأتي بِفَتْح الْهَمْز وَكسر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة قَالَ فِي الصِّحَاح: وأتيت للْمَاء تأتية وتأتياً أَي: سهلت سَبيله ليخرج إِلَى مَوضِع والأتي: الْجَدْوَل يؤتيه الرجل إِلَى)
أرضه وَهُوَ فعيل يُقَال: جَاءَنَا سيل أُتِي وأتاوي: إِذا جَاءَك وَلم يصبك مطره.
وَقَوله: أروع هُوَ فَاعل يلفها وَمَعْنَاهُ: السَّيِّد الَّذِي يروعك بجماله وجلاله. وسقاء: مُبَالغَة ساقٍ والطوي: الْبِئْر المطوية أَي: المبنية بِالْحِجَارَةِ.
وَقَوله: أَصبَحت مُرْتَدا. أَي: رَاجعا والارتداد: الرُّجُوع. وأودى بهَا: ذهب بهَا. وَقَوله: فأد رزقها أَي: أعْط صَدَاقهَا الَّذِي تغلبت عَلَيْهِ وأكلته.
وَسَالم بن دارة: هُوَ سَالم بن مسافع بن عقبَة بن يَرْبُوع بن كَعْب بن عدي ابْن جشم بن عَوْف بن بهثة بن عبد الله بن غطفان.
ودارة: لقب أمة وَاسْمهَا سيقاء كَانَت أخيذة: أَصَابَهَا زيد الْخَيل من بعض غطفان وَهِي حُبْلَى وَهِي من بني أَسد فَوَهَبَهَا زيد الْخَيل لزهير بن أبي سلمى. فَرُبمَا نسب سَالم بن دارة إِلَى زيد الْخَيل. كَذَا فِي كتاب أَسمَاء الشُّعَرَاء المنسوبين إِلَى أمهاتهم تأليف أَحْمد بن أبي سهل بن عَاصِم الْحلْوانِي وَمن خطه نقلت.
وَقَالَ التبريزي فِي شرح الحماسة: ودارة هُوَ يَرْبُوع وَإِنَّمَا سمي دارة لِأَن رجلا من بني الصَّادِر بن مرّة بن عَوْف بن سعد بن ذبيان يُقَال لَهُ: كَعْب قتل ابْن عَم ليربوع بن كَعْب يُقَال لَهُ: درص فَقتل يَرْبُوع كَعْبًا بِابْن عَمه وَأخذ ابْنة كَعْب ثمَّ أرسلها فَأَتَت قَومهَا فنعت أَبَاهَا كَعْبًا فَقَالُوا: من قَتله قَالَت: غُلَام كَأَن وَجهه دارة الْقَمَر من بني جشم بن عَوْف بن بهثة. فَسُمي بذلك وَنسب إِلَيْهِ سَالم.
وَمثله فِي الأغاني. وَالصَّحِيح الأول وَيدل لَهُ قَول سَالم:
أَنا ابْن دارة مَعْرُوفا بهَا نسبيوَهل بدارة يَا للنَّاس من عَار
وَسَالم: شَاعِر مخضرم: قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَكَانَ رجلا هجاء وبسببه قتل.
قَالَ التبريزي نقلا عَن أبي رياش. وَكَانَ الَّذِي هاج قَتله: أَنه كَانَ مرّة بن وَاقع من وُجُوه بني فَزَارَة وَكَانَت عِنْده امْرَأَة من أَشْرَاف بني فَزَارَة ففاكهته امْرَأَته ذَات لَيْلَة فَطلقهَا الْبَتَّةَ واحتملت إِلَى أَهلهَا وَمرَّة يظنّ أَنه قَادر على ردهَا إِن شَاءَ حَتَّى أَتَى لذَلِك عامٌ وهما كَذَلِك. ثمَّ خطبهَا حمل بن القليب الْفَزارِيّ وَرجل آخر
من بني فَزَارَة يُقَال لَهُ: عَليّ وخطبها ابْن دارة.
فَبلغ ذَلِك مرّة فَأَرَادَ أَن يُرَاجِعهَا فَأَبت عَلَيْهِ واختارت عليا. فَركب مرّة بن وَاقع إِلَى مُعَاوِيَة وَقيل إِلَى عُثْمَان فَقَالَ: إِن الْأَعْرَاب أهل جفَاء وَإِنِّي قد قلت كلمة بيني وَبَين امْرَأَتي لم أرد مَا)
تبلغ فَتزوّجت رجلا وَإِنَّمَا أَتَيْتُك مبادراً قبل أَن يَبْنِي بهَا فامنع لي امْرَأَتي. فَقَالَ مُعَاوِيَة: لقد ذكرت أمرا صَغِيرا فِي أَمر عَظِيم لَا سَبِيل لَك عَلَيْهَا.
فَفرق بَينهمَا مُعَاوِيَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ على الشَّام عَاملا لعُثْمَان فَقَالَ سَالم فِي ذَلِك قبل أَن يقدم مرّة عِنْد مُعَاوِيَة وَالْقَوْم ينتظرونه:
يَا لَيْت مرّة يَأْتِيهَا فيجعلهاخير الْبناء وَيجْزِي مِنْهُمَا الجازي
فجَاء مرّة وَقد ابتنى بهَا عَليّ: فَغَضب على سَالم وَجعل يشتمه حَتَّى قَالَ: أَيهَا العَبْد من محولة مَا أَنْت وَذكر نسائنا ومحولة بَنو عبد الله بن غطفان وَكَانَ يُقَال لَهُم بَنو عبد الْعُزَّى فوفدوا على النَّبِي ﷺ َ فَقَالَ: من أَنْتُم فَقَالُوا: نَحن بَنو عبد الْعُزَّى فَقَالَ ﷺ َ: بل أَنْتُم بَنو عبد الله فسمتهم الْعَرَب محولة فَقَالَ سَالم بن دارة: مهلا يَا مرّة فَإِنِّي لم أفعل تأبيداً كَأَنَّهُ أَرَادَ لم آتٍ بآبدة وَمَا بِي بَأْس وَلَا ذَنْب لي وَإِنَّمَا مزحت. فَأبى مرّة إِلَّا شَتمه. فَقَالَ سَالم: وَقد غضب: أوقع يَا على المنادى الْمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: يَا مرّة أَنْت. وَقد ادّعى قوم أَن أَنْت يجوز نداؤها. وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الْوَجْه الأول... ثمَّ ذكر الأبيات السَّابِقَة وَقَالَ: ثمَّ تواعدا أَن يلتقيا وَعظم فِي صُدُور بني فَزَارَة قَول سَالم فأغمضوا على ذَلِك. ثمَّ تواقف ابْن وَاقع وَسَالم على رهان وَفِيهِمْ يَوْمئِذٍ ابْن بيشة. أحد بني عبد منَاف بن عقيل فَقَالَ سَالم لجَمِيع بني فَزَارَة: إِنِّي أَحْمد الله كعهدكم وبعدكم واستعهدكم من مرّة. فَقَالَ مرّة: وَالله لَا أَزَال أهجوك مَا بل ريقي لساني.
وَجَاءَت بَنو فَزَارَة بامرأةٍ من بني غراب ترجز يُقَال لَهَا: غاضرة. فَلَمَّا رَآهَا سَالم نهق كَمَا ينهق الْحمار ثمَّ قَالَ:...
قد سبني بَنو الْغُرَاب الْأَحْمَرجبنا وجهلاً وتمنوا منكري
كل عَجُوز مِنْهُم ومعصرغاضر أُدي رشوتي لَا تغدري
وَأَبْشِرِي بعزبٍ مصدرشراب ألبان الخلايا مقفر
يحمل عرداً كالوظيف الأعجروفيشةً مَتى تريها تشفري
حَمْرَاء كالنورج فَوق الأندرتقلب أَحْيَانًا حماليق الْحر
معقدٍ مشْعر مسيركَأَنَّمَا أحس جَيش الْمُنْذر
إِن تمنعي قعوك أمنع محوريلقعو أُخْرَى كعشبٍ مدور
)
النورج: شَيْء يدق بِهِ أهل الشَّام حبهم: فَلَمَّا قَالَهَا سَالم ألهاها الِاسْتِمَاع الرَّد عَلَيْهِ ثمَّ لوى درعها فكشف عَنْهَا فحجز النَّاس بَينهمَا وافترقوا وَلابْن دارة الظفر. وَعم بني فَزَارَة بالهجاء لما أعانت عَلَيْهِ بَنو غراب وَقَالَ يهجو مرّة بن وَاقع الْفَزارِيّ:
حدبدبا بدبدبا مِنْك الْآناسْتَمعُوا أنْشدكُمْ يَا ولدان
إِن بني فَزَارَة بن زبيانقد طرقت ناقتهم بِإِنْسَان
مشيإ أعجب بِخلق الرَّحْمَنغلبتم النَّاس بِأَكْل الجردان
كل متل كالعمود جوفانوسرق الْجَار ونيك البعران
حدبدبا: كلمة جَاءَ بهَا فِي معنى التَّعَجُّب مِمَّا هُوَ فِيهِ. وَأَصلهَا لعبة يلْعَب بهَا الصّبيان وَيخْتَلف فِي لَفظهَا فبعضهم يَقُول: حدبدبا ببائين وَبَعْضهمْ يَقُول: حدندبا وَمِنْهُم من يَقُول: حديدبا يَقُول: اجْتَمعُوا يَا صبية لتلعبوا هَذِه اللعبة. وَإِنَّمَا غَرَضه أَن يعجب النَّاس مِمَّا هُوَ فِيهِ وَيُعلمهُم أَنه فِي أَمر كلعب الصّبيان.
وَقَالَ قصيدة طَوِيلَة فِي هجوهم مِنْهَا:
بلغ فَزَارَة أَنِّي لن أسالمهاحَتَّى ينيك زميلٌ أم دِينَار
هِيَ أم زميل وَكَانَت تكنى أم دِينَار فَحلف زميلبن أبير أحد بني عبد الله ابْن عبد منَاف: أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يغسل رَأسه وَلَا يَأْتِي امْرَأَة حَتَّى يقْتله. فَالتقى زميل وَابْن دارة منحدرٌ إِلَى الْكُوفَة وزميل يُرِيد الْبَادِيَة: فَقَالَ لَهُ سَالم: لَا أَبَا لَك ألم يَأن لَك أَن تحل يَمِينك فَقَالَ لَهُ زميل: إِنِّي أعْتَذر إِلَيْك وَالله مَا فِي الْقَوْم حَدِيدَة إِلَّا أَن يكون مخيطاً. فَافْتَرقَا.
وَسَار سَالم حَتَّى قدم على أَخِيه فِي الْكُوفَة فَمَكثَ غير بعيد ثمَّ لحق بقَوْمه بالبادية ثمَّ ورد الْمَدِينَة ثمَّ خرج مِنْهَا فلقي زميلاً عشَاء وزميل دَاخل الْمَدِينَة فَكَلمهُ وناداه وَقَالَ.. أَلا تحل يَمِينك ثمَّ انْطلق وَاتبعهُ زميل وغشيه بِالسَّيْفِ فَدفع الرَّاحِلَة وأدركه زميل فَضَربهُ فَأصَاب مؤخرة الرحل وحذا عضده ذُبَاب السَّيْف حذْيَة أوضحت وَرجع إِلَى الْمَدِينَة يتداوى بهَا.
فزعموا أَن بسرة بنت عُيَيْنَة بن أَسمَاء وَيُقَال إِنَّهَا بنت مَنْظُور بن زبان وَكَانَت تَحت عُثْمَان بن عَفَّان دست إِلَى الطَّبِيب سما فِي دوائه فَمَاتَ وَقَالَ قبل مَوته:
أبلغ أَبَا سالمٍ عني مغلغلةًفَلَا تكونن أدنى الْقَوْم للعار
لَا تأخذن مائَة مِنْهُم مُجَللَةوَاضْرِبْ بسيفك مَنْظُور بن سيار
)
وَقَالَ النَّاس لما قتل: قد محوا عَن أنفسهم. وَفِي ذَلِك يَقُول الْكُمَيْت بن مَعْرُوف:
فَلَا تكثروا فِيهَا الضجاج فَإِنَّهُمحا السَّيْف مَا قَالَ ابْن دارة أجمعا
انْتهى مَا أوردهُ التبريزي.
وَقَالَ مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب المغتالين من الْأَشْرَاف فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام: إِن سَالم بن دارة هجا زميل بن أبير وَهُوَ ابْن أم دِينَار فَقَالَ فِي قصيدة لَهُ طَوِيلَة:
آلى ابْن دارة جهداً لَا يصالحكمحَتَّى ينيك زميل أم دِينَار
وَحكى الْحِكَايَة كَمَا ذكرت. إِلَى أَن قَالَ: ثمَّ إِن زميلاً قدم الْمَدِينَة فَقضى حَوَائِجه حَتَّى إِذا صدر عَن الشقرة سمع رجلا يتَغَنَّى بِشعر فَعرف زميل صَوت سَالم فَأقبل إِلَيْهِ فَضَربهُ ضربتين وعقر بعيره. فَحمل سَالم إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان فَدفعهُ إِلَى طَبِيب نَصْرَانِيّ حَتَّى إِذا برأَ والتأمت كلومه دخل النَّصْرَانِي وَإِذا سَالم يشامع امْرَأَته فاحتنقها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّصْرَانِي: إِنِّي لأرى عظما ناتئاً فَهَل لَك أَن أجعَل عَلَيْهِ دَوَاء حَتَّى يسْقط قَالَ: نعم فافعل. فسمه فَمَاتَ. وَيُقَال: إِن أم الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة بن حصن الْفَزارِيّ وَكَانَت عِنْد عُثْمَان بن عَفَّان جعلت للطبيب جعلا حَتَّى سمه فَمَاتَ.
وافتخر زميل بقتْله وَقَالَ:
أَنا زميل قَاتل ابْن دارةوغاسل المخزاة عَن فَزَارَة
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع