تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّادِس بعد الْمِائَة

فيه ٦ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَاوَلَيْسَ عَلَيْك يَا مطر السَّلَام
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أإن نادى هديلا ذات فلج»

على أَنه إِذا اضْطر إِلَى تَنْوِين المنادى المضموم اقْتصر على الْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ من التَّنْوِين.

وَالْقدر الْمُضْطَر إِلَيْهِ هُوَ النُّون الساكنة فألحقت وأبقيت حَرَكَة مَا قبلهَا على حَالهَا إِذْ لَا ضَرُورَة إِلَى تغيرها فَإِنَّهَا تنْدَفع بِزِيَادَة النُّون.

وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والخليل والمازني. قَالَ النّحاس والأخفش الْمُجَاشِعِي فِي المعاياة: وحجتهم أَنه بِمَنْزِلَة مَرْفُوع مَا لَا ينْصَرف فَلحقه التَّنْوِين على لَفظه.

وَاخْتَارَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْمَذْهَب لكنه رد هَذِه الْحجَّة فَقَالَ: الِاسْم الْعلم المنادى الْمُفْرد مَبْنِيّ على الضَّم لمضارعته عِنْد الْخَلِيل وَأَصْحَابه للأصوات وَعند غَيره لوُقُوعه موقع الضَّمِير فَإِذا لحقه فِي ضَرُورَة الشّعْر فالعلة الَّتِي من أجلهَا بني قائمةٌ بعد فِيهِ فينون على لَفظه لأَنا قد رَأينَا من المبنيات مَا هُوَ منون نَحْو إيهٍ وغاقٍ وَمَا أشبه ذَلِك. وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة مَا لَا ينْصَرف لِأَن مَا لَا ينْصَرف أَصله الصّرْف وَكثير من الْعَرَب من لَا يمْتَنع من صرف شَيْء فِي ضَرُورَة وَلَا غَيرهَا إِلَّا أفعل مِنْك فَإِذا نون فَإِنَّمَا يرد إِلَى أَصله والمفرد المنادى الْعلم لم ينْطق بِهِ مَنْصُوبًا منوناً قطّ فِي

غير ضَرُورَة شعر. فَهَذَا بَين وَاضح.

وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ فِي أَبْيَات الْجمل وَنقل هَذَا الْكَلَام بِعَيْنِه.

قَالَ النّحاس: وَحكى سِيبَوَيْهٍ عَن عِيسَى بن عمر يَا مَطَرا بِالنّصب وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَخْفَش فِي المعاياة وَقَالَ: نصب مَطَرا لِأَنَّهُ نكرَة. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء. قَالَ الْمبرد: أما أَبُو عمر وَعِيسَى وَيُونُس والجرمي فيختارون النصب وحجتهم أَنهم ردُّوهُ إِلَى الأَصْل لِأَن أصل النداء النصب كَمَا ترده الْإِضَافَة إِلَى النصب قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي أحسن لرده التَّنْوِين إِلَى أَصله كَمَا فِي النكرَة.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ وَبعده:

فَلَا غفر الْإِلَه لمنكحيهاذنوبهم وَإِن صلوا وصاموا
كَأَن المالكين نِكَاح سلمىغَدَاة نِكَاحهَا مطرٌ نيام
فَلَو لم ينكحوا إِلَّا كفيئاًلَكَانَ كفيئها الْملك الْهمام
فَإِن يكن النِّكَاح أحل شيءٍفَإِن نِكَاحهَا مَطَرا حرَام
فَطلقهَا فلست لَهَا بكفءٍوَإِلَّا يعل مفرقك الحسام

)

فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّد بن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن خَلاد الْأنْصَارِيّ قَالَ: قدم الْأَحْوَص الْبَصْرَة فَخَطب إِلَى رجل من بني تَمِيم ابْنَته وَذكر لَهُ نسبه فَقَالَ:

هَات لي شَاهدا يشْهد أَنَّك ابْن حمي الدبر وأزوجك. فَجَاءَهُ بِمن شهد لَهُ على ذَلِك. فَزَوجهُ إِيَّاهَا وشرطت عَلَيْهِ أَن لَا يمْنَعهَا من أحد من أَهلهَا. فَخرج بهَا إِلَى الْمَدِينَة وَكَانَت أُخْتهَا عِنْد رجل من بني تَمِيم قَرِيبا من طريقهم فَقَالَت لَهُ: اعْدِلْ بِي إِلَى أُخْتِي. فَفعل فذبحت لَهُم وأكرمتهم وَكَانَت من أحسن النَّاس وَكَانَ زَوجهَا فِي إبِله فَقَالَت زَوْجَة الْأَحْوَص لَهُ أقِم حَتَّى يَأْتِي. فَلَمَّا أَمْسوا رَاجع إبِله ورعاة غنمه فراح من ذَلِك شَيْء كثير وَكَانَ يُسمى مَطَرا. فَلَمَّا رَآهُ الْأَحْوَص ازدراه واقتحمته عينه وَكَانَ شَيخا دميماً فَقَالَت لَهُ زَوجته: قُم إِلَى سلفك فَسلم عَلَيْهِ.

فَقَالَ الْأَحْوَص وَأَشَارَ إِلَى أُخْت زَوجته بإصبعه: سَلام الله يَا مطر عَلَيْهَا.......... الأبيات وَأَشَارَ إِلَى مطر بإصبعه فَوَثَبَ إِلَيْهِ مطر وَبَنوهُ وَكَاد الْأَمر يَتَفَاقَم حَتَّى حجز بَينهم. انْتهى.

وَقَالَ الزجاجي فِي أَمَالِيهِ الْوُسْطَى وَتَبعهُ اللَّخْمِيّ: كَانَ الْأَحْوَص يهوى أُخْت امْرَأَته ويكتم ذَلِك وينسب فِيهَا وَلَا يفصح فَتَزَوجهَا مطر فغلبه الْأَمر وَقَالَ هَذَا الشّعْر.

وَبَعْضهمْ لما لم يقف على منشأ الشّعْر قَالَ: مطر اسْم رجل وَكَانَ دميماً أقبح النَّاس وَكَانَت امْرَأَته من أجمل النِّسَاء وأحسنهن وَكَانَت تُرِيدُ فِرَاقه وَلَا يرضى مطر بذلك فَأَنْشد الْأَحْوَص هَذِه القصيدة يصف فِيهَا أحوالهما. هَذَا كَلَامه.

وَقَوله غَدَاة نِكَاحهَا الْغَدَاة الضحوة وَأَرَادَ مُطلق الْوَقْت. ونكاحها: مصدر مُضَاف لمفعوله ومطر: فَاعل الْمصدر وَهُوَ هُنَا بِمَعْنى التَّزَوُّج وَالْعقد فِي الْمَوْضِعَيْنِ ونيام: خبر كَأَن وروى غَدَاة يعرهم مطرٌ نيام مضارع عرهم من بَاب قتل عرة بِالضَّمِّ وَهُوَ الفضيحة والقذر والجرب يُقَال: فلَان عرة كَمَا يُقَال: قذر للْمُبَالَغَة.

وَقَوله: فَلَو لم ينكحوا: هُوَ مضارع أنكحت الرجل الْمَرْأَة فَهُوَ مُتَعَدٍّ لمفعولين بِالْهَمْزَةِ وَالْمَفْعُول الأول ضمير سلمى مَحْذُوف والكفيء على وزن فعيل بِمَعْنى الْكُفْء والمماثل وَيُقَال: الكفوء أَيْضا على وزن فعول.

وَقَوله: أحل شَيْء هُوَ مَنْصُوب خبر يكن وَهُوَ أفعل تَفْضِيل من الْحَلَال ضد الْحَرَام وروى)

الزجاجي أحل شَيْئا بِنصب شَيْء فَيكون أحل فعلا مَاضِيا وَقَوله: فَإِن نِكَاحهَا مَطَرا يرْوى بِرَفْع مطر ونصبه وجره: فالرفع على أَنه فَاعل الْمصدر وَهُوَ نِكَاحهَا فَيكون مُضَافا إِلَى مَفْعُوله وَالنّصب على أَنه مفعول الْمصدر فَيكون مُضَافا إِلَى فَاعله والجر على أَنه مُضَاف إِلَيْهِ وَوَقع الْفَصْل بَين المتضايفين بضمير الْفَاعِل أَو الْمَفْعُول. وَقد أورد ابْن هِشَام هَذَا الْبَيْت فِي شرح الألفية شَاهدا لهَذَا.

وَقَوله: وَإِلَّا يعل مفرقك أَي: وَإِن لم تطلقها. وَهَذَا الْبَيْت شَاهد للنحاة فِي اطراد حذف الشَّرْط فِي مثله. والمفرق بِفَتْح الْمِيم وَكسر الرَّاء: الْموضع الَّذِي ينفرق فِيهِ الشّعْر من الرَّأْس وَأَرَادَ وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»