من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد س:...
قفي قبل التَّفَرُّق يَا ضباعاوَلَا يَك موقفٌ مِنْك الوداعا
على أَن مرخم ضباعة فحذفت الْهَاء للترخيم وَألف التَّرْخِيم تغني عَنْهَا. قَالَ الْعلم وَغَيره: الْوَقْف مَا فِيهِ الْهَاء ثمَّ لما وقفُوا عَلَيْهِ ردوا الْهَاء عَلَيْهَا عوضا من الْهَاء لأَنهم إِنَّمَا رخموا للْوَقْف فَلَمَّا لم يُمكنهُم رد الْهَاء هَهُنَا جعل الْألف عوضا مِنْهَا على مَا بَينه سِيبَوَيْهٍ.
قَالَ الدماميني فِي شرح التسهيل: قد يُقَال: لَا نسلم أَن هَذِه الْألف عوض عَن التَّاء المحذوفة بل هِيَ ألف الْإِطْلَاق. وَهَذِه الْمَسْأَلَة لَا يسْتَدلّ عَلَيْهَا بالشعر فَإِن ثَبت فِي النثر مثل ذَلِك تمت الدَّعْوَى وَإِلَّا فَلَا.
قَوْله: وَلَا يَك موقف.. الخ يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن يكون على الطّلب وَالرَّغْبَة كَأَنَّهُ قَالَ: لَا جعل الله موقفك هَذَا آخر الْوَدَاع. كَذَا فِي شرح أَبْيَات الْجمل للخمي. فَفِيهِ حذف مُضَاف من الْوَدَاع وَقدره بَعضهم: موقف وداع وَهَذَا أحسن. وروى أَبُو الْحسن الْأَخْفَش وَهُوَ سعيد وَلَا يَك موقفا مِنْك الوداعا وَقَالَ: نصب موقفا لِأَنَّهُ أَرَادَ: قفي موقفا وَهُوَ أبينها ا. هـ.
وَعَلِيهِ فاسم يَك ضمير الْمصدر الْمَفْهُوم من قفي كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يكن موقفك موقف الْوَدَاع.
وَقَوله: وَرفع بَعضهم موقفا.. الخ هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة لَكِن فِيهِ الْإِخْبَار بالمعرفة عَن النكرَة. وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْأَفْعَال النَّاقِصَة.
وضباعة بنت زفر بن الْحَارِث الْآتِي ذكره.
قَالَ اللَّخْمِيّ: وَفِيه عطف المعرب على الْمَبْنِيّ لِأَنَّهُ عطف وَلَا يَك وَهُوَ مُعرب على قفي وَهُوَ مَبْنِيّ وَإِنَّمَا سوغ ذَلِك وجود الْعَامِل وَهِي لَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وَلَو قلت: اقصدني وأكرمك بِالْجَزْمِ على اللَّفْظ لم يجز على مَذْهَب الْبَصرِيين لِأَن اقصدني فعل مَبْنِيّ لَا جازم لَهُ فَلَا يعْطف على لَفظه كَمَا لَا يجوز: هَذِه حذام وَأُخْتهَا بِالْجَرِّ على لفظ حذام. فَإِن قلت: اقصدني فلأحدثك فأدخلت لَام الْأَمر جَازَت الْمَسْأَلَة كَمَا تقدم فِي الْآيَة..)
أَقُول: هَذَا مَا يتعجب مِنْهُ فَإِن الْعَطف فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من عطف جملَة على جملَة لَا من عطف مُعرب على مَبْنِيّ وَلَا حَاجَة إِلَى التَّطْوِيل من غير طائل.. قَالَ: وَفِيه حذف النُّون من يكن
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة للقطامي مدح بهَا زفر بن الْحَارِث الْكلابِي. وَكَانَ بَنو أَسد أحاطوا بِهِ فِي نواحي الجزيرة وأسروه يَوْم الخابور وَأَرَادُوا قَتله فحال زفر بَينه وَبينهمْ وحماه وَمنعه وَحمله وكساه وَأَعْطَاهُ مائَة نَاقَة. فمدحه بِهَذِهِ القصيدة وَغَيرهَا وحض قيسا وتغلب على السّلم. وَبعد هَذَا الْبَيْت:
قفي فادي أسيرك إِن قومِيوقومك لَا أرى لَهُم اجتماعا
وَكَيف تجامعٌ مَعَ مَا استحلامن الْحرم الْكِبَار وَمَا أضاعا
ألم يحزنك أَن حبال قيسٍوتغلب قد تباينت انْقِطَاعًا
يطيعون الغواة وَكَانَ شرالمؤتمر الغواية أَن يطاعا
ألم يحزنك أَن ابْني نزارٍأسالا من دمائهما التلاعا
إِلَى أَن قَالَ:
أمورٌ لَو تلافاها حليمٌإِذا لنهى وهبب مَا استطاعا
وَلَكِن الْأَدِيم إِذا تفرىبلَى وتعيناً غلب الصناعا
ومعصية الشفيق عَلَيْك مِمَّايزيدك مرّة مِنْهُ استماعا
وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت مِنْهُوَلَيْسَ بِأَن تتبعه اتبَاعا
تراهم يغمزون من استركواويجتنبون من صدق المصاعا
وَقَوله: قفي فادي أسيرك خطاب لضباعة بنت زفر الممدوح لِأَنَّهُ كَانَ عِنْد والدها أَسِيرًا. والمفاداة: أَخذ الْفِدْيَة من الْأَسير وإطلاقه. والحبال: المواصلة والعهود الَّتِي كَانَت بَين قيس وتغلب. وتباينت: تَفَرَّقت. رُوِيَ أَن ضباعة لما سَمِعت قَوْله: ألم يحزنك الخ قَالَت: بلَى وَالله قد حزنني. وأحزنني وحزنني لُغَتَانِ. والمؤتمر: الَّذِي يرى الغواية رَأيا وَيَأْمُر بهَا نَفسه.
يَقُول هُوَ: شرٌ للغاوي أَن يطاع فِي غيه.
وابنا نزار: ربيعَة وَمُضر. والتلعة: مسيل من الِارْتفَاع إِلَى بطن الْوَادي. وتلافاها: تداركها. وهبب بِالْقَتْلِ بموحدتين أَي: أَمر بِهِ. وتفرى:
تشقق. وَتعين السقاء والمزادة: إِذا رقت مِنْهُمَا مَوَاضِع وتهيأت للخرق. والصناع بِالْفَتْح: الحاذقة بِعَمَل الْيَدَيْنِ.)
وَقَوله:
ومعصية الشفيق.. الخ يَقُول: إِذا عصيت الشفيق عَلَيْك الْحَرِيص على رشدك تبينت فِي عواقب أَمرك الزلل. فزادك ذَلِك حرصاً على أَن تقبل نصحه.
وَقَوله: وَخير الْأَمر مَا اسْتقْبلت أَي: خير الْأَمر مَا قد تدبرت أَوله فَعرفت إلام تؤول عاقبته وشره مَا ترك النّظر فِي أَوله وتتبعت أواخره بِالنّظرِ. وَاسْتشْهدَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ عِنْد قَوْله تَعَالَى: فتقبلها رَبهَا بقبولٍ حسن على أَن تقبل بِمَعْنى اسْتقْبل كتعجله وتقصاه بِمَعْنى استعجله وَقَوله: كَذَاك وَمَا رَأَيْت النَّاس.. الخ وَرُوِيَ: إِلَى مَا ضرّ جاهلهم سرَاعًا أَي: يُسَارع الْجَاهِل إِلَى مَا يضرّهُ. وَقَوله: تراهم يغمزون.. الخ استركوا: استضعفوا والركيك: الضَّعِيف. والمصاع بِالْكَسْرِ: المجالدة بِالسَّيْفِ. يَقُول: يستضعفون الضَّعِيف فيطعنون فِيهِ. والغمز هُنَا: الْإِشَارَة بِالْعينِ وَالرَّأْس. والْقطَامِي اسْمه عُمَيْر بن شييم التغلبي: تغلب بني وَائِل. وَعُمَيْر مصغر عمرٍ ووَكَذَلِكَ شييم مصغر أَشْيَم وَهُوَ الَّذِي بِهِ شامة. وَيُقَال: شييم بِكَسْر الشين أَيْضا وَضَبطه عِيسَى بن إِبْرَاهِيم شَارِح أَبْيَات الْجمل: شييم بسين مُهْملَة مَضْمُومَة. وَله لقبان أَحدهمَا الْقطَامِي مَنْقُول من الصَّقْر لِأَن الصَّقْر يُقَال لَهُ: قطامي بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا وَهُوَ مُشْتَقّ من القطم بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شَهْوَة اللَّحْم وشهوة النِّكَاح يُقَال فَحل قطمٌ: إِذا هاج للضراب.
وَهُوَ لقبٌ غلب عَلَيْهِ لقَوْله:
يصكهن جانباً فجانباصك الْقطَامِي القطا القواربا
واللقب الآخر: صريع الغواني. قَالَ النطاح: أول من سمي صريع الغواني الْقطَامِي بقوله:
صريع غوانٍ راقهن ورقنهلدن شب حَتَّى شَاب سود الذوائب
أَي: صرعه حبهن حَتَّى لَا حراك بِهِ. والغواني: الشواب. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: ذَوَات الْأزْوَاج غنين بأزواجهن.
وصريع الغواني لقب مُسلم بن الْوَلِيد أَيْضا لقبه هَارُون الرشيد بقوله:
هَل الْعَيْش إِلَّا أَن تروح مَعَ الصِّبَاوتغدو صريع الكأس والأعين النجل
والقطامي كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم. وَهُوَ ابْن أُخْت الأخطل النَّصْرَانِي الْمَشْهُور. وعده الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة الثَّانِيَة من شعراء الْإِسْلَام. قَالَ بعض عُلَمَاء الشّعْر: أحسن النَّاس ابتداعاً فِي الْجَاهِلِيَّة)
امْرُؤ الْقَيْس حَيْثُ يَقُول:
أَلا عَم صباحاً أَيهَا الطل الْبَالِيوَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي
وَفِي الْإِسْلَام الْقطَامِي حَيْثُ يَقُول: إِنَّا محيوك فَاسْلَمْ أَيهَا الطل وَمن المولدين بشار حَيْثُ يَقُول:
أَبى طلٌ بالجزع أَن يتكلماوماذا عَلَيْهِ لَو أجَاب متيما
وَذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من يُقَال لَهُ الْقطَامِي ثَلَاثَة: أَوَّلهمْ هَذَا وَالثَّانِي: الْقطَامِي الضبعِي ضبيعة بن ربيعَة بن نزار أحد ولد الساهري وَصَاحب شراب وَمن شعره:
وَكَانَ أَبوهُ من أَصْحَاب خَالِد الْقَسرِي. وَالثَّالِث الْقطَامِي الْكَلْبِيّ واسْمه الْحصين وَهُوَ أَبُو الشَّرْقِي بن الْقطَامِي. شَاعِر محسن وَهُوَ الْقَائِل لما بلغه خبر يزِيد بن الْمُهلب:
لَعَلَّ عَيْني أَن ترى يزيدايَقُود جَيْشًا جحفلاً رشيدا
ترى ذَوي التَّاج لَهُ سجودا وَأما زفر بن الْحَارِث فَهُوَ أَبُو الْهُذيْل زفر بن الْحَارِث بن عبد عَمْرو بن معَاذ بن يزِيد بن عَمْرو بن الصَّعق بن خُلَيْد بن نفَيْل بن عَمْرو بن كلاب الْكلابِي.
كَانَ كَبِير قيس فِي زَمَانه وَفِي الطَّبَقَة الأولى من التَّابِعين من أهل الجزيرة. وَكَانَ من الْأُمَرَاء.
سمع عَائِشَة وَمُعَاوِيَة. وَشهد وقْعَة صفّين مَعَ مُعَاوِيَة أَمِيرا على أهل قنسرين وَشهد وقْعَة مرج راهط مَعَ الضَّحَّاك بن قيس فَلَمَّا قتل الضَّحَّاك هرب إِلَى قرقيسا وَلم يزل متحصناً فِيهَا حَتَّى مَاتَ فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان فِي بضع وَسبعين.
وَكَانَ الضَّحَّاك بن قيس وَمَعَهُ النُّعْمَان بن بشير الْأنْصَارِيّ يَدْعُو فِي الشَّام لعبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم مَعَ بني أُميَّة يَدْعُو لنَفسِهِ فَالتقى الْفَرِيقَانِ فِي مرج راهط وَكَانَ مَعَ الضَّحَّاك سِتُّونَ ألف فَارس وَمَعَ مَرْوَان ثَلَاثَة عشر ألفا.
فَقَالَ عبيد الله بن زِيَاد لمروان: إِن فرسَان قيس مَعَ الضَّحَّاك فَلَا ننال مِنْهُ إِلَّا بكيد فَأرْسل مَرْوَان إِلَى الضَّحَّاك يسْأَله الْمُوَادَعَة حَتَّى نَنْظُر فِي الْمُبَايعَة لِابْنِ الزبير فَأَجَابَهُ الضَّحَّاك وَوضع أَصْحَابه سِلَاحهمْ فَقَالَ ابْن زِيَاد: دُونك فَشد مَرْوَان على الضَّحَّاك فَقتل الضَّحَّاك والنعمان وَرِجَال قيس. وَلما هرب زفر جَاءَتْهُ خيل مَرْوَان ففاتها وتحصن وَقَالَ فِي ذَلِك:)
أريني سلاحي لَا أَبَا لَك إِنَّنِيأرى الْحَرْب لَا تزداد إِلَّا تماديا
أَتَانِي عَن مَرْوَان بِالْغَيْبِ أَنهمقيدٌ دمي أَو قاطعٌ من لسانيا
وَفِي العيس مناجاةٌ وَفِي الأَرْض مهربٌإِذا نَحن رفعنَا لَهُنَّ المثانيا
فَلَا تحبسوني إِن تغيبت غافلاًوَلَا تفرحوا إِن جِئتُكُمْ بلقائيا
فقد ينْبت المرعى على دمن الثرىلَهُ ورقٌ من تَحْتَهُ الشَّرّ باديا
ويمضي وَلَا يبْقى على الأَرْض دمنةوَتبقى حزازات النُّفُوس كَمَا هيا
وَيذْهب يومٌ واحدٌ إِن أسأتهبِصَالح أيامي وَحسن بلائيا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع