من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشاهد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وهوالشاهد التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
أَبَا عرو لَا تبعد فَكل ابْن حرةٍسيدعوه دَاعِي مَوته فيجيب
لما تقدم فِي الْبَيْت قبله: فَإِن أَبَا عرو منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف وَأَبا منادى مُضَاف لما بعده وعرو: مرخم عُرْوَة: وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَمَا تقدم فِي الْبَيْت قبله. قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَمِمَّا يدل على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَلم يكن فِيهِ مَا تَأَوَّلَه أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فِي بَيت زُهَيْر فَزعم أَنه أَرَادَ يَا آل عكرمٍ بِالْجَرِّ والتنوين قَول الشَّاعِر: أَبَا عرو لَا تبعد... الْبَيْت أَلا ترى أَنه لَا يُمكن أَبَا الْعَبَّاس أَن يَقُول: إِن عُرْوَة قَبيلَة كَمَا قَالَ ذَلِك فِي عِكْرِمَة وَلَا يُمكنهُ أَن يَقُول: أَرَادَ أَبَا عرو بِالْجَرِّ والتنوين. فَمَنعه من ذَلِك أَن عُرْوَة لَا ينْصَرف للتأنيث فِي التَّعْرِيف انْتهى.
وروى ابْن الشجري هَذَا الْبَيْت كَرِوَايَة الشَّارِح الْمُحَقق وأنشده ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَكَذَا ابْن هِشَام فِي شرح الألفية: سيدعوه دَاعِي ميتةٍ بِكَسْر الْمِيم. والْميتَة: الْحَالة الَّتِي يَمُوت عَلَيْهَا الْإِنْسَان. وَزَاد ابْن السّكيت فِي كتاب الْمُذكر والمؤنث رِوَايَة: ستدعوه بمثناة فوقية لَا تحتية على أَن قَوْله: دَاعِي اكْتسب التَّأْنِيث من إِضَافَته إِلَى الْمُؤَنَّث.
وَكَذَلِكَ أوردهُ الْفراء عِنْد تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَال حبةٍ من خَرْدَل قَالَ: فَإِن قلت: إِن المثقال ذكر فَكيف قَالَ: تَكُ قلت: لِأَن المثقال أضيف إِلَى الْحبَّة وفيهَا الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: وَقَوله: لَا تبعد أَي: لَا تهْلك وَهُوَ دُعَاء خرج بِلَفْظ النَّهْي كَمَا يخرج الدُّعَاء بِلَفْظ الْأَمر وَإِن كَانَ لَيْسَ بِأَمْر نَحْو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا. يُقَال: بعد الرجل يبعد بعدا من بَاب فَرح إِذا هلك وَإِذا أردْت ضد الْقرب قلت: بعد يبعد بِضَم الْعين فيهمَا والمصدر على وزن ضِدّه وَهُوَ الْقرب وَرُبمَا استعملوا هَذَا فِي معنى الْهَلَاك لتداخل معنييهما. فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: لَا تبعد وَهُوَ قد هلك أُجِيب بِأَن الْعَرَب قد جرت عَادَتهم بِاسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة فِي الدُّعَاء للْمَيت وَلَهُم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا أَنهم يُرِيدُونَ بذلك استعظام موت الرجل الْجَلِيل وَكَأَنَّهُم لَا يصدقون بِمَوْتِهِ. وَقد بَين هَذَا الْمَعْنى النَّابِغَة الذبياني بقوله:)
يَقُولُونَ: حصنٌ ثمَّ تابى نُفُوسهموَكَيف بحصنٍ وَالْجِبَال جنوح
وَلم تلفظ الْمَوْتَى الْقُبُور وَلم تزلنُجُوم السَّمَاء والأديم صَحِيح
أَرَادَ أَنهم يَقُولُونَ: مَاتَ حصن ثمَّ يستعظمون أَن ينطقوا بذلك وَيَقُولُونَ: كَيفَ يجوز أَن يَمُوت وَالْجِبَال لم تنسف والنجوم لم تنكدر والقبور لم تخرج موتاها وجرم الْعَالم صَحِيح لم يحدث فِيهِ حَادث.
وَهَكَذَا تستعمله الْعَرَب فِيمَن هلك فسَاء هَلَاكه وشق على من يفقده. قَالَ الْفِرَار السّلمِيّ:
مَا كَانَ يَنْفَعنِي مقَال نِسَائِهِموَقتلت دون رِجَالهمْ: لَا تبعد
يَقُولُونَ: لَا تبعد وهم يدفنوننيوَأَيْنَ مَكَان الْبعد إِلَّا مكانيا
وَالْغَرَض الثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ الدُّعَاء لَهُ بِأَن يبْقى ذكره وَلَا ينسى لِأَن بَقَاء ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته بِمَنْزِلَة حَيَاته كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
فَأَثْنوا علينا لَا أَبَا لأبيكمبأفعالنا إِن الثَّنَاء هُوَ الْخلد
وَقَالَ آخر:
فَإِن تَكُ أفنته اللَّيَالِي فأوشكتفَإِن لَهُ ذكرا سيفني اللياليا
وَقَالَ المتنبي وَأحسن:
ذكر الْفَتى عمره الثَّانِي وَحَاجتهمَا فَاتَهُ وفضول الْعَيْش أشغال
وَقد بَين الْفِرَار السّلمِيّ وَمَالك بن الريب مَا فِي هَذَا من الْمحَال فِي الْبَيْتَيْنِ الْمَذْكُورين.
وَقَوله: فَكل ابْن حرَّة الْفَاء للتَّعْلِيل. يَقُول: لَا أنسى الله ذكرك بالثناء الْجَمِيل فِي الدُّنْيَا فَإِن الْإِنْسَان لابد لَهُ من الْمَوْت فَإِن ذكر بالجميل فَكَأَنَّهُ لم يمت. وَذكر الْحرَّة وَأَرَادَ الْمَرْأَة أَو تَقول: أَبنَاء الْحَرَائِر إِذا كَانَ لابد لَهُم من الْمَوْت فموت أَبنَاء الْإِمَاء من بَاب أولى.. وَالسِّين فِي قَوْله: ستدعوه للتَّأْكِيد لَا للتسويف. وَقَوله: فيجيب مَعْطُوف على ستدعوه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع