من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَة)
يَا مرحباه بِحِمَار ناجيه
على أَن هَاء السكت الْوَاقِعَة بعد الْألف يضمها بعض الْعَرَب ويفتحها فِي حَالَة الْوَصْل فِي الشّعْر.
قَالَ ابْن جني فِي بَاب الحكم يقف بَين الْحكمَيْنِ من الخصائص: وَمن ذَلِك بَيت الْكتاب: لَهُ زجلٌ كَأَنَّهُ صَوت حادٍ فَحذف الْوَاو من كَأَنَّهُ لَا على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيَقْتَضِي بِالسُّكُونِ: كَأَنَّهُ وَأما الْوَصْل فَيَقْتَضِي بالمطل وتمكين الْوَاو: كأنهو فَقَوله إِذن: كَأَنَّهُ منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف.
يَا مرحباه بِحِمَار ناجيهإِذا أَتَى قربته للسانيه
فثبات الْهَاء فِي مرحباه لَيْسَ على حد الْوَقْف وَلَا على حد الْوَصْل أما الْوَقْف فَيُؤذن بِأَنَّهَا سَاكِنة وَأما الْوَصْل فَيُؤذن بحذفها أصلا فثباتها فِي الْوَصْل متحركة منزلةٌ بَين المنزلتين ا. هـ.
وَقَوله: يَا مرحباه: المنادى مَحْذُوف ومرحبا مصدر مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف أَي: صَادف رحباً وسعة. حذف تنوينه لنِيَّة الْوَقْف ثمَّ بعد أَن وصل بِهِ هَاء السكت عَن لَهُ الْوَصْل فوصل. والْحمار مُذَكّر وَالْأُنْثَى أتان وحمارة بِالْهَاءِ نَادِر وَهُوَ مُضَاف إِلَى نَاجِية. ونَاجِية: بالنُّون وَالْجِيم: اسْم شخص وَبَنُو نَاجِية قوم من الْعَرَب وَنَاجِيَة: مَاء لبني أَسد وَمَوْضِع بِالْبَصْرَةِ والناجية: النَّاقة السريعة وَلَيْسَت بمرادٍ هُنَا. وَالْبَاء مُتَعَلقَة بقوله مرْحَبًا.
والسانية: الدَّلْو الْعَظِيمَة وأداتها. والناقة الَّتِي يسنى عَلَيْهَا أَي: يستقى عَلَيْهَا من الْبِئْر.)
وَفِي الْمثل: سير السواني سفر لَا يَنْقَطِع. يُقَال: سنت النَّاقة تسنو سناوة وسناية: إِذا سقت الأَرْض والسحابة تسنو الأَرْض وَالْقَوْم يسنون لأَنْفُسِهِمْ: إِذا استقوا وَالْأَرْض مسنوة ومسنية بِالْوَاو وَالْيَاء. وَأَرَادَ بتقريب الْحمار للسانية: أَن يستقى عَلَيْهِ من الْبِئْر بالدلو الْعَظِيمَة.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س: فِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل على أَن فَلَا مِمَّا يخْتَص بالنداء وَقد اسْتَعْملهُ الشَّاعِر فِي الضَّرُورَة غير منادى.
قَالَ صَاحب اللّبَاب: ووزنه فعل تَقْديرا والذاهب مِنْهُ الْوَاو فَيكون أَصله فَلَو كفسق فَذَهَبت الْوَاو تَخْفِيفًا. وَذَلِكَ لِأَن الِاسْم المتمكن لَا يكون على حرفين فَلَا بُد من تَقْدِير حرف ثَالِث وحرف الْعلَّة أولى لِكَثْرَة دوره وَالْوَاو أولى لِأَن بَنَات الْوَاو أَكثر.
وَهَذَا الْبَيْت من أرجوزة طَوِيلَة لأبي النَّجْم الْعجلِيّ وصف فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة أَولهَا:
الْحَمد لله الْعلي الأجللالْوَاسِع الْفضل الوهوب المجزل
أعْطى فَلم يبخل وَلم يبخلكوم الذرى من خول المخول
تبقلت من أول التبقلبَين رماحي مالكٍ ونهشل
يدْفع عَنْهَا الْعِزّ جهل الْجَهْل إِلَى أَن قَالَ:
وَقد جعلنَا فِي وضين الأحبلجوز خفافٍ قلبه مثقل
أخزم لَا قوقٍ وَلَا حزنبلموثق الْأَعْلَى أَمِين الْأَسْفَل
إِلَى أَن قَالَ:
وصدرت بعد أصيل الْموصلتمشي من الرِّدَّة مشي الحفل
مشي الروايا بالمزاد الأثقل إِلَى أَن قَالَ:
تثير أيديها عجاج القسطلإِذْ عصبت بالعطن المغربل
تدافع الشيب وَلم تقتلفِي لجةٍ أمسك فلَانا عَن فل
وَمِنْهَا فِي صفة الرَّاعِي:)
تفلي لَهُ الرّيح وَلما يفتللمة قفرٍ كشعاع السنبل
يَأْتِي لَهَا من أيمنٍ وأشملوبدلت والدهر ذُو تبدل
هيفاً دبوراً بالصبا والشمأل وَهِي طَوِيلَة جدا.
قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني: ورد أَبُو النَّجْم على هِشَام بن عبد الْملك فِي الشُّعَرَاء فَقَالَ لَهُم هِشَام: صفوا لي إبِلا فقطروها وأوردوها وأصدروها حَتَّى كَأَنِّي أنظر إِلَيْهَا. فأنشدوه..
وَأنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة بديهة.
وَكَانَ أسْرع النَّاس بديهة. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَخْبرنِي عمي قَالَ أَخْبرنِي ابْن بنت أبي النَّجْم قَالَ: قَالَ جدي أَبُو النَّجْم: نظمت هَذِه الأرجوزة فِي قدر مَا يمشي الْإِنْسَان من مَسْجِد الْأَشْيَاخ إِلَى مَسْجِد حَاتِم الجزار وَمِقْدَار مَا بَينهمَا غلوة سهم أَي مِقْدَار رمية.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: أنْشد أَبُو النَّجْم هَذِه الأرجوزة هِشَام بن عبد الْملك وَهِي أَجود أرجوزة للْعَرَب وَهِشَام يصفق بيدَيْهِ اسْتِحْسَانًا لَهَا حَتَّى إِذا بلغ قَوْله فِي صفة الشَّمْس:...
حَتَّى إِذا الشَّمْس جلاها المجتليبَين سماطي شفقٍ مرعبل
صغواء قد كَادَت وَلما تفعلفَهِيَ على الْأُفق كعين الْأَحول
أَمر بوجء رقبته وإخراجه. وَكَانَ هِشَام أَحول ا. هـ.
وَقَوله: الْحَمد لله الْعلي الأجلل أوردهُ عُلَمَاء البلاغة على أَن الأجلل
بفك الْإِدْغَام مِمَّا يخل بالفصاحة والفصيح الْأَجَل وَهُوَ الْقيَاس.
وَأوردهُ ابْن هِشَام أَيْضا فِي آخر الأوضح على أَن فك الْإِدْغَام فِيهِ للضَّرُورَة مَعَ أَن الْإِدْغَام وَاجِب فِي مثله. وَرَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ: الْحَمد لله الوهوب المجزل وأنشده على أَن حذف الْيَاء الْمُتَّصِلَة بِحرف الروي جَائِز على ضعف تَشْبِيها لَهَا فِي الْحَذف بياء الْوَصْل الزَّائِدَة للترنم كَمَا فِي قَوْله المجزل وَنَحْوه.. وَكَأن هَذِه الرِّوَايَة مركبة من بَيْتَيْنِ. والمجزل: من أجزل لَهُ فِي الْعَطاء: إِذا أوسعه. وَالْبخل عِنْد الْعَرَب: منع السَّائِل مِمَّا يفضل عِنْده وَفعله من بَاب تَعب وَقرب. وبخله بِالتَّشْدِيدِ: إِذا نسبه إِلَى الْبُخْل وَأما أبخله بِالْهَمْز فَمَعْنَاه وجده بَخِيلًا. وكوم الذرى: مفعول أعْطى وَهُوَ جمع كوماء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهِي النَّاقة الْعَظِيمَة السنام. وذرى الشَّيْء بِالضَّمِّ أعاليه جمع ذرْوَة بِالْكَسْرِ وَالضَّم أَيْضا وَهِي أَعلَى السنام أَيْضا. والخول بِفتْحَتَيْنِ: الْعَطِيَّة. والمخول)
اسْم فَاعل: الْمُعْطِي. فِي الْعباب: الخول: الْعَطِيَّة وَقَوله تَعَالَى: وتركتم مَا خولناكم أَي: أعطيناكم وملكناكم. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: تبقلت.. الخ البقل: كل نَبَات اخضرت لَهُ الأَرْض. وتبقلت النَّاقة مثلا وابتقلت: رعت البقل. وَمَالك هُوَ ابْن ضبيعة بن قيس من هوزان. ونهشل هُوَ أَبُو دارم قَبيلَة من ربيعَة.
قَالَ الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني: وَكَانَ سَبَب ذكر هَاتين القبيلتين أَعنِي بني مَالك ونهشل: أَن دِمَاء كَانَت بَين بني دارم وَبني نهشل وحروباً فِي بِلَادهمْ فتجافى جَمِيعهم الرَّعْي فِيمَا بَين فلج والصمان مَخَافَة الشَّرّ حَتَّى عَفا كلؤه وَطَالَ. فَذكر: أَن بني عجل جَاءَت لعزها إِلَى ذَلِك الْموضع فرعته وَلم تخف رماح هذَيْن الْحَيَّيْنِ. ففخر بِهِ أَبُو النَّجْم ا. هـ. وفلج بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون اللَّام وَآخره جِيم. والصمان بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْمِيم قَالَ الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم: فلج: مَوضِع فِي بِلَاد
مَازِن وَهُوَ فِي طَرِيق الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة وَفِيه منَازِل للحجاج. وَقَالَ الزّجاج: فلج بَين الرحيل إِلَى المجازة وَهُوَ ماءٌ لَهُم. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لما قتل عمرَان بن خُنَيْس السَّعْدِيّ رجلَيْنِ من بني نهشل بن دارم اتهاماً بأَخيه الْمَقْتُول فِي بغاء إبِله نشأت بَين بني سعد بن مَالك وَبَين بني نهشل حربٌ تحامى النَّاس من أجلهَا مَا بَين فلج والصمان وَهُوَ على وزن فعلان: جبل يخرج من الْبَصْرَة على طَرِيق الْمُنْكَدر لمن أَرَادَ مَكَّة.
وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي فِي نوادره: كَانَ رجل من عنزة دَعَا رؤبة بن العجاج فأطعمه وسقاه فَأَنْشد فخره على ربيعَة فسَاء ذَلِك الْعَنزي فَقَالَ لغلامه سرا: اركب فرسي وجئني بِأبي النَّجْم.
فجَاء بِهِ وَعَلِيهِ جُبَّة خَز وَبت فِي غير سَرَاوِيل. فَدخل واكل وَشرب. ثمَّ قَالَ الْعَنزي: أنشدنا يَا أَبَا النَّجْم ورؤبة لَا يعرفهُ فانتحى فِي قَوْله: الْحَمد لله الوهوب المجزل ينشدها حَتَّى بلغ:
تبقلت من أول التبقلبَين رماحي مالكٍ ونهشل
فَقَالَ لَهُ رؤبة: إِن نَهْشَلَا من مَالك يَرْحَمك الله فَقَالَ: يَا ابْن أخي الكمر أشباه الكمر إِنَّه لَيْسَ مَالك بن حَنْظَلَة إِنَّه مَالك بن ضبيعة فخزي رؤبة وحيي من غَلَبَة أبي النَّجْم لَهُ.. ثمَّ وَاسْتشْهدَ صَاحب الْكَشَّاف بقوله:)
بَين رماحي مالكٍ ونهشل عِنْد قَوْله تَعَالَى: اثْنَتَيْ عشرَة أسباطاً على جمع الأسباط مَعَ أَن مُمَيّز مَا عدا الْعشْرَة لَا يكون إِلَّا مُفردا. لِأَن المُرَاد بالأسباط الْقَبِيلَة وَلَو قيل: سبطاً
لأوهم أَن الْمَجْمُوع قَبيلَة وَاحِدَة فَوضع أسباطاً مَوضِع قَبيلَة كَمَا وضع أَبُو النَّجْم رماحاً وَهُوَ جمع مَوضِع جماعتين من الرماح وَثني على تَأْوِيل: رماح هَذِه الْقَبِيلَة ورماح هَذِه الْقَبِيلَة. فَالْمُرَاد: لكل فَرد من أَفْرَاد هَذِه التَّثْنِيَة جمَاعَة كَمَا أَن لكل فَرد من أَفْرَاد هَذَا الْجمع وَهُوَ أَسْبَاط قَبيلَة.. وفاعل تبقلت ضمير كوم الذرى.
زعم بعض شرَّاح شَوَاهِد التَّفْسِير: أَن هَذَا الْبَيْت فِي وصف رمكة مرتاضة اعتادت ممارسة الحروب حَتَّى تحسب أَرض الْحَرْب رَوْضَة تتبقل فِيهَا. وَلَا يخفى أَن هَذَا كَلَام من لم يقف على سِيَاق هَذَا الْبَيْت وَلَا سباقه. مَعَ أَن هَذَا الزاعم أورد غَالب الأرجوزة وَلم يتفهم الْمَعْنى.
وَقَوله: يدْفع عَنْهَا الْعِزّ.. الخ الْعِزّ: فَاعل يدْفع وَهُوَ بِمَعْنى الْقُوَّة والمنعة وَجَهل الْجَهْل: مَفْعُوله أَي: سفاهة السُّفَهَاء وَضمير عَنْهَا رَاجع إِلَى كوم الذرى.
وَقَوله: وَقد جعلنَا فِي وضين.. الخ هَذَا فِي وصف بعير السانية والْوَضِين: نسعٌ عريض كالحزام يعْمل من أَدَم قَالَ الْجَوْهَرِي: الْوَضِين للهودج بِمَنْزِلَة البطان للقتب والتصدير للرحل والحزام للسرج وهما كالنسع إِلَّا أَنَّهُمَا من السيور إِذا نسج بعضه على بعض.. تَقول: وضنت النسع أضنه وضناً: إِذا نسجته. والأحبل: جمع حَبل. والْجَوْز بِفَتْح الْجِيم وَآخره زَاي مُعْجمَة. مفعول جعلنَا وَجوز كل شَيْء: وَسطه. والْخفاف بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الفاءين بِمَعْنى خَفِيف وَهُوَ منون وَقَلبه فَاعل خفاف وَهُوَ صفة لموصوف مَحْذُوف أَي: بعير خفاف. والمثقل: الثقيل صفة ثَانِيَة. يُرِيد: شددنا الْوَضِين فِي وسط بعير خَفِيف الْقلب ذكي من ثقل بدنه وضخامته. والأحزم: خلاف الأهضم وَهُوَ أَن يكون مَوضِع حزامه عَظِيما وَهُوَ صفة ثَالِثَة. والقوق بِضَم الْقَاف الأولى: الْفَاحِش الطول وَهُوَ صفة رَابِعَة. والحزنبل بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون وَفتح الْمُوَحدَة: الْقصير.
وَقَوله: موثق الْأَعْلَى.. الخ بِالْجَرِّ صفة خَامِسَة وَأَرَادَ بالأعلى ظَهره
وبالأسفل بَطْنه وأَمِين بِمَعْنى مَأْمُون صفة سادسة. وَقَوله: أقب.. الخ مجرور بالفتحة صفة سابعة و)
وَمن عَليّ يكْتب بِالْيَاءِ وَلَيْسَت الكسرة فِي اللَّام كسرة إِعْرَاب أَلا ترى أَنه معرفَة وَلَيْسَ بنكرة.
أَلا ترى أَن مَعْنَاهُ وكويته فَوق نواظره أَو النواظر مِنْهُ فَهُوَ إِذن معرفَة لِأَنَّهُ يُرِيد بِهِ شَيْئا مَخْصُوصًا فَهُوَ إِذن كَقَوْل أَوْس:
فَملك بالليط الَّذِي تَحت قشرهكغرقئ بيضٍ كنه القيض من عل
أَي: من أَعْلَاهُ وَقَالَ الشنفرى:
إِذا وَردت أصدرتها ثمَّ إِنَّهَاتثوب فتأتي من تحيت وَمن عل
وَإِنَّمَا تعرب عل إِذا كَانَت نكرَة كَقَوْلِهِم فِي النكرَة: من فوقٍ وَمن علٍ إِذا لم
ترد أمرا مَعْلُوما.
فَقَوله: فَوق النواظر من علٍ علٍ مِنْهُ كشج وعمٍ ووزنه فعل وَالْيَاء فِيهِ لَام الْفِعْل والكسرة فِي اللَّام قبلهَا ككسرة الضَّاد من قَاض. فاعرف ذَلِك. وَفِيه عشر لُغَات: أَتَيْته من علٍ وَمن عل وَمن عَليّ وَمن علا وَمن علو وَمن علو وَمن علو وَمن علوٍ وَمن عالٍ وَمن معالٍ.
وَمثله سَوَاء قَول الْعجلِيّ:
أقب من تَحت عريضٍ من عَليّ أَرَادَ من أَعْلَاهُ. أَلا ترَاهُ قرنه بالمعرفة المبنية وَهِي تَحت فعلي إِذن معرفَة فَهُوَ كشج وكسرة لامه ككسرة زَاي غاز والكلمة مَبْنِيَّة على الضَّم وَفِي الْيَاء تَقْدِير ضمة الْبناء. فبيت ربيعَة كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل قَالَ ابْن جني: عل فِيهِ نكرَة أَلا ترى أَنه لَا يُرِيد من أَعلَى شَيْء
مَخْصُوص فالكسرة إِذن فِي لَام علٍ كسرة إِعْرَاب ككسرة دَال يدٍ وَمِيم دم ا. هـ. كَلَام ابْن جني مُخْتَصرا.
وَقد قرر ابْن هِشَام أَيْضا فِي الْمُغنِي: أَن عل مَتى أُرِيد بِهِ الْمعرفَة كَانَ مَبْنِيا على الضَّم تَشْبِيها بالغايات كَمَا فِي قَوْله: أرمض من تَحت وأضحى من عِلّة وَالْهَاء للسكت قَالَ: إِذْ المُرَاد فوقية مُعينَة لَا فوقية مُطلقَة. وَالْمعْنَى: أَنه تصيبه الرمضاء من تَحْتَهُ وحر الشَّمْس من فَوْقه. وَمثله قَول الآخر يصف فرسا: أقب من تَحت عريض من عل ا. هـ)
وَقد أَشَارَ بقوله: وَمثله يصف فرسا إِلَى أَن ضمة الْبناء فِي عل إِمَّا ملفوظة كَمَا فِي قَوْله: وأضحى من عله وَإِمَّا مقدرَة كَمَا فِي قَول أبي النَّجْم:
عريض من عل فَلَا يرد الِاعْتِرَاض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أنْشدهُ بِالْبِنَاءِ على الضَّم والقوافي كلهَا مجرورة. لَكِن يبْقى عَلَيْهِ أَن الْبَيْت فِي وصف بعير السانية لَا فِي وصف فرس. فَتَأمل وأنصف.
قَوْله: معاود كرة.. الخ معاود: اسْم مفعول وَهُوَ بِالْجَرِّ صفة تاسعة أَي: يُعَاد عَلَيْهِ مرَارًا قَول أقبل على الْبِئْر إِذا تفرعت الدَّلْو أدبر عَنْهَا إِذا امْتَلَأت. وكرة: بِالرَّفْع نَائِب فَاعل معاود وَهُوَ مُضَاف لما بعده.
وَقَوله: تمشى من الرِّدَّة فِي الصِّحَاح: وَالرِّدَّة بِالْكَسْرِ: امتلاء الضَّرع من اللَّبن قبل النِّتَاج عَن الْأَصْمَعِي. وَأنْشد لأبي النَّجْم تمشي من الرِّدَّة.. الْبَيْت ا. هـ.
وَيجوز أَن تكون مصدر قَوْلك رده يردهُ ردا وردة وَالرِّدَّة الِاسْم من الارتداد.
وَقَالَ ابْن السيرافي فِي شرح أَبْيَات إصْلَاح الْمنطق: يصف إبِلا قد أكثرت من شرب المَاء فأثقلها الرّيّ وَالرِّدَّة ترَاد فِي أجوافها يُقَال: أردْت فَهِيَ مرد. إِذا انتفخت من المَاء أَو انتفخ ضرْعهَا من غير لبن. يَقُول: تمشي من كَثْرَة شرب المَاء كمشي الَّتِي أثقلها كَثْرَة مَا فِي ضرْعهَا. والحافل: الَّتِي اجْتمع فِي ضرْعهَا اللَّبن ا. هـ. ومشي: مصدر مَنْصُوب أَي: مشياً كمشي الحفل وَهُوَ جمع حافل من حفل اللَّبن فِي الضَّرع: إِذا اجْتمع. والروايا: جمع رِوَايَة من روى الْبَعِير المَاء: حمله فَهُوَ راويةٌ الْهَاء فِيهِ للْمُبَالَغَة ثمَّ أطلقت الرِّوَايَة على كل دَابَّة يستقى المَاء عَلَيْهَا. والمزاد: جمع مزادة وَهِي الراوية الَّتِي تعْمل من جُلُود.
وَقَوله: تثير أيديها.. الخ الضَّمِير إِلَى كوم الذرى. والقسطل بِالْقَافِ الْغُبَار والعجاج: مَا ارْتَفع مِنْهُ. وعصبت بِالْعينِ وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ فِي الصِّحَاح: وعصبت الْإِبِل بِالْمَاءِ: إِذا دارت بِهِ. قَالَ الْفراء: عصبت الْإِبِل وعصبت بِالْكَسْرِ: إِذا اجْتمعت. والعطن بِفتْحَتَيْنِ: مبرك الْإِبِل عِنْد المَاء لتشرب عللاً بعد نهل فَإِذا استوفت ردَّتْ إِلَى المرعى. والمغربل: المنخول أَي: أَن تُرَاب العطن كَأَنَّهُ منخول لِكَثْرَة مَا انسحق مِنْهُ لشدَّة الْحَرَكَة.
وَقَوله: تدافع الشيب مصدر تشبيهي وعامله مَحْذُوف وَهُوَ مَعْطُوف على عصبت أَي: اجْتمعت وتدافعت تدافعاً كتدافع الشُّيُوخ والشيب بِالْكَسْرِ جمع أشيب وَهُوَ الشَّيْخ. وَقَوله:)
وَقَوله: أمسك فلَانا. الخ هُوَ على إِضْمَار القَوْل أَي: فِي لجة يُقَال فِيهَا: أمسك.. الخ. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل تبعا لِابْنِ السَّيِّد: شبه تزاحمها ومدافعة بَعْضهَا بَعْضًا بقومٍ شُيُوخ فِي لجة وَشر يدْفع بَعضهم بَعْضًا فَيُقَال:
أمسك فلَانا عَن فلَان أَي: احجز بَينهم. وَخص الشُّيُوخ لِأَن الشَّبَاب فيهم التسرع إِلَى الْقِتَال. فَلذَلِك قَالَ: تدافع الشيب.. الخ. أَي: هِيَ فِي تزاحم وَلَا تقَاتل كالشيوخ. وَقد غفل عَن هَذَا الْمَعْنى الأعلم الشنتمري فِي شرح أَبْيَات س فَقَالَ: إِن مَعْنَاهُ خُذ هَذَا بِدَم هَذَا وَأسر هَذَا بِهَذَا هَذَا كَلَامه وَكَأَنَّهُ لم ينظر إِلَى مَا قبله من الأبيان. وأعجب مِنْهُ قَول ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب فِي شرح بَيت الشَّاهِد: إِن مَعْنَاهُ: قد كثر أصوات الرُّعَاة يَقُول بَعضهم لبَعض: أمسك الْبَعِير الْفُلَانِيّ عَن الْبَعِير الْفُلَانِيّ لِئَلَّا يضرّهُ.
هَذَا كَلَامه مَعَ أَنه سطر مَا قبله من الأبيات وَشَرحهَا من شرح اللّبَاب للفالي.
وَقَوله: تفلى لَهُ الرّيح.. الخ الفلي: مصدر فليت رَأسه من بَاب رمى. إِذا نقيته من الْقمل وافتلى هُوَ: إِذا نقاه ويفتل: مجزوم بلما مَحْذُوف الْيَاء من آخِره يُرِيد: أَن الرّيح تهب على رَأسه فَتفرق شعره كَأَنَّهَا تفليه وَهُوَ لم يفتل شعره لشعثه وَقلة تعهده نَفسه. واللمة بِكَسْر اللَّام: الشّعْر الَّذِي يلم بالمنكب أَي: يقرب مِنْهُ وَهُوَ مفعول تفلي على التَّنَازُع. والقفر بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْفَاء وَأَصله بِالْكَسْرِ: وصفٌ من قفر زيدٌ من بَاب فَرح: إِذا قل لَحْمه. وشعاع السنبل بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة: سفاه وَقد أشع الزَّرْع: أخرج شعاعه وأسفى الزَّرْع: إِذا خشن أَطْرَاف سنبله. والسنبل هُنَا سنبل الْحِنْطَة وَالشعِير وَنَحْوهمَا شبه شعره المنتفش بشوك سنبل الزَّرْع.
وَقَوله: يَأْتِي لَهَا.. الخ فَاعل يَأْتِي ضمير الرَّاعِي وَضمير لَهَا لكوم الذرى قَالَ صَاحب الصِّحَاح: أَي: يعرض لَهَا من نَاحيَة الْيَمين وناحية الشمَال. وَذهب إِلَى معنى أَيمن الْإِبِل وأشملها فَجمع لذَلِك ا. هـ.
وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ على أَن الشَّاعِر لما جر أيمناً وأشملاً بِمن أخرجهُمَا عَن الظَّرْفِيَّة. وَزعم الأعلم)
الشنتمري أَن هَذَا الْبَيْت فِي وصف ظليم ونعامة قَالَ: يَعْنِي:
كلما أسرعت إِلَى أدحيها وَهُوَ مبيضها عرض لَهَا يَمِينا وَشمَالًا مزعجاً لَهَا وَهَذَا كَمَا ترى لَا أصل لَهُ. وَقَوله: وبدلت والدهر ذُو تبدل.. الخ نَائِب الْفَاعِل ضمير الرّيح والهيف بِفَتْح الْهَاء مثل الهوف بضَمهَا: ريح حارة تَأتي من الْيمن وَهِي النكباء الَّتِي تجْرِي بَين الْجنُوب وَالدبور من تَحت مجْرى سُهَيْل. وَالصبَا: ريح ومهبها المستوي أَي تهب من مَوضِع مطلع الشَّمْس إِذا اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار. والدبور: الرّيح الَّتِي تقَابل الصِّبَا. والشمَال بِسُكُون الْمِيم وَفتح الْهمزَة بعْدهَا: الرّيح الَّتِي تقَابل الْجنُوب.
فَكَانَ الْوَاجِب أَن يُقَابل الشمَال بالجنوب. لكنه لضَرُورَة النّظم أَقَامَ الهيف مقَام الْجنُوب لقربها من الْجنُوب. وَفِيه لف وَنشر غير مُرَتّب أَي: بدلت الرّيح فَجَاءَت الدبور بدل الصِّبَا وَجَاءَت الهيف أَي: الْجنُوب بدل الشمَال. فَفِيهِ دُخُول الْبَاء على الْمَتْرُوك وَهُوَ الْمَشْهُور وَسمع خِلَافه أَيْضا. وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن جملَة: والدهر ذُو تبدل مُعْتَرضَة بَين الْفِعْل ومفعوله للتَّأْكِيد والتسديد.
وَقَوله: بَين سماطي شفق مرعبل السماط بِالْكَسْرِ: الصَّفّ والجانب والسماطان من النَّاس وَالنَّخْل: الجانبان يُقَال: مَشى بَين السماطين وَأنْشد القصيدة بَين السماطين. والمرعبل: المقطع.
وَرُوِيَ بدله مهول. وصغواء بالغين الْمُعْجَمَة من صغت النُّجُوم إِذا مَالَتْ للغروب. وَقَوله: قد كَادَت أَي: قاربت الشَّمْس أَن تغيب وَلم تغب بِالْفِعْلِ.
روى صَاحب الأغاني: أَن أَبَا النَّجْم لما بلغ ذكر الشَّمْس فَقَالَ: وَهِي على الْأُفق كعين.. وَأَرَادَ أَن يَقُول: الْأَحول فَذكر حول هِشَام فَلم يتم الْبَيْت وأرتج عَلَيْهِ. فَقَالَ هِشَام: أجز. فَقَالَ: كعين الْأَحول. فَأمر هِشَام بِإِخْرَاجِهِ من الرصافة وَيُقَال: لَهَا رصافة هِشَام وَهِي مَدِينَة فِي غربي الرقة بَينهمَا أَرْبَعَة
فراسخ على طرف الْبَريَّة بناها هِشَام لما وَقع الطَّاعُون بِالشَّام وَكَانَ يسكنهَا فِي الصَّيف وَكَانَت قبل من بِنَاء الْمُلُوك الغسانيين ثمَّ قَالَ لصَاحب شرطته: إياك وَأَن أرى هَذَا فَكلم وُجُوه النَّاس صَاحب الشرطة أَن يقره. فَفعل. فَكَانَ يُصِيب من فضول أَطْعِمَة النَّاس ويأوي بِاللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِد..
قَالَ أَبُو النَّجْم: وَلم يكن فِي الرصافة أحدٌ يضيف إِلَّا سليم بن كيسَان الْكَلْبِيّ وَعَمْرو بن بسطَام الثَّعْلَبِيّ فَكنت أتغدى عِنْد سليم وأتعشى عِنْد عَمْرو وَآتِي الْمَسْجِد فأبيت فِيهِ. فأغتم هشامٌ لَيْلَة وَأَرَادَ مُحدثا يحدثه فَقَالَ لخادمٍ لَهُ: أبغني مُحدثا أَعْرَابِيًا أهوج شَاعِرًا يروي الشّعْر. فَخرج)
الْحَاجِب إِلَى الْمَسْجِد فَإِذا هُوَ بِأبي النَّجْم فَضَربهُ بِرجلِهِ وَقَالَ لَهُ: قُم أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ: أَنا أَعْرَابِي غَرِيب. قَالَ: إياك أبغي فها تروي الشّعْر قَالَ: نعم وأقوله.
فَأقبل بِهِ حَتَّى أدخلهُ الْقصر وأغلق الْبَاب فأيقن بِالشَّرِّ ثمَّ مضى فَأدْخلهُ على هِشَام فِي بَيت صَغِير بَينه وَبَين أَهله ستر رَقِيق والشمع بَين يَدَيْهِ يزهر. قَالَ: فَلَمَّا دخلت قَالَ لي: أَبُو النَّجْم قلت: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طريدك. قَالَ: اجْلِسْ. فَسَأَلَنِي وَقَالَ: أَيْن كنت تأوي فَأَخْبَرته الْخَبَر. قَالَ: وَمَالك من الْوَلَد وَالْمَال قلت: أما المَال فَلَا مَال لي وَأما الْوَلَد فلي ثَلَاث بَنَات وَبني يُقَال لَهُ: شيان بِفَتْح الشين وَتَشْديد الْيَاء الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة قَالَ: هَل أخرجت من بناتك قلت: نعم زوجت اثْنَتَيْنِ وَبقيت وَاحِدَة تجمز فِي أَبْيَاتنَا كَأَنَّهَا نعَامَة قَالَ: وَمَا وصيت بِهِ الأولى وَكَانَت تسمى برة قَالَ:
أوصيت من برة قلباً حرابالكلب خيرا والحماة شرا
لَا تسأمي ضربا لَهَا وجراًحَتَّى ترى حُلْو الْحَيَاة مرا
وَإِن كستك ذَهَبا ودراوالحي عميهم بشر طرا
فَضَحِك هِشَام وَقَالَ: فَمَا قلت فِي الْأُخْرَى قَالَ: قلت:
سبي الحماة وابهتي عَلَيْهَاوَإِن دنت فازلفي إِلَيْهَا
وقعدي كفيك فِي صدغيهالَا تُخْبِرِي الدَّهْر بِذَاكَ ابنيها
فَضَحِك هِشَام حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه وَسقط على قَفاهُ وَقَالَ: وَيحك مَا هَذِه وَصِيَّة يَعْقُوب لوَلَده قَالَ: وَلَا أَنا كيعقوب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ: فَمَا قلت فِي الثَّالِثَة قَالَ: قلت:
أوصيك يَا بِنْتي فَإِنِّي ذَاهِبأوصيك أَن يحمدك الْأَقَارِب
وَالْجَار والضيف الْكَرِيم الساغبوَيرجع الْمِسْكِين وَهُوَ خائب
وَلَا تني أظفارك السلاهبلَهُنَّ فِي وَجه الحماة كَاتب
وَالزَّوْج إِن الزَّوْج بئس الصاحب قَالَ: فَأَي شَيْء قلت فِي تَأْخِير تَزْوِيجهَا قَالَ: قلت:...
كَأَن ظلامة أُخْت شيانيتيمةٌ ووالدها حَيَّان
الْجيد مِنْهَا عطلٌ والآذانوَلَيْسَ للرجلين إِلَّا خيطان
وقصةٌ قد شيطتها النيرَانتِلْكَ الَّتِي يضْحك مِنْهَا الشَّيْطَان
)
فَضَحِك هِشَام وضحكت النِّسَاء لضحكه وَقَالَ للخصي: كم بَقِي من نَفَقَتك قَالَ: ثلثمِائة دِينَار. قَالَ: أعْطه إِيَّاهَا يَجْعَلهَا فِي رجْلي ظلامة مَكَان الْخَيْطَيْنِ.
وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة أبي النَّجْم فِي الشَّاهِد السَّابِع فِي أَوَائِل الْكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع