تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشاهد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة

فيه ١٩ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الْمِائَة)

لنا يومٌ وللكروان يومٌتطير البائسات وَلَا نطير
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»

على أَن البائسات مَنْصُوب على الترحم.

وَهَذَا الْبَيْت لقصيدة لطرفة بن العَبْد هجا بهَا عَمْرو بن الْمُنْذر امْرِئ الْقَيْس وأخاه قَابُوس بن

فليت لنا مَكَان الْملك عمرٍ ورغوثا حول قبتنا تخور
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»
من الزمرات أسبل قادماهاوضرتها مركنةٌ درور
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»
يشاركنا لنا رخلان فِيهَاوتعلوها الكباش وَمَا تنور
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»
لعمرك إِن قَابُوس بن هندٍليخلط ملكه نوك كثير
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»
قسمت الدَّهْر فِي زمنٍ رخيكَذَاك الحكم يقْصد أَو يجور
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»

لنا يومٌ وللكروان يومٌ.................. الْبَيْت

فَأَما يومهن فَيوم سوءٍتطاردهن بالحدب الصقور
وَأما يَوْمنَا فنظل ركباًوقوفاً مَا نحل وَلَا نسير
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «فليت لنا مكان الملك عمرو»

وَكَانَ السَّبَب فِي هَذِه القصيدة على مَا حكى الْمفضل بن سَلمَة فِي كِتَابه الفاخر أَن عَمْرو بن الْمُنْذر كَانَ يرشح أَخَاهُ قَابُوس بن الْمُنْذر ليملك بعده فَقدم عَلَيْهِ المتلمس وطرفة فجعلهما فِي صحابة قَابُوس وَأَمرهمَا بلزومه.. وَكَانَ قَابُوس شَابًّا يُعجبهُ اللَّهْو وَكَانَ يركب يَوْمًا فِي الصَّيْد فيركض يتصيد وهما مَعَه يركضان حَتَّى يرجعا عَشِيَّة وَقد تعبا فَيكون قَابُوس من الْغَد فِي الشَّرَاب فيقفان بِبَاب سرادقة إِلَى الْعشي. فَكَانَ قَابُوس يَوْمًا على الشَّرَاب فوقفا بِبَابِهِ النَّهَار كُله وَلم يصلا إِلَيْهِ فضجر طرفَة فَقَالَ هَذِه القصيدة.

وَقَالَ يَعْقُوب بن السّكيت والأعلم الشنتمري فِي شرحهما لديوان طرفَة: إِن عَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور كَانَ شريراً وَكَانَ لَهُ يَوْم بؤس وَيَوْم نعْمَة فيومٌ يركب فِي صَيْده يقتل أول من يلقى ويومٌ يقف النَّاس بِبَابِهِ فَإِن اشْتهى حَدِيث رجل أذن لَهُ فَكَانَ هَذَا دهره كُله. فهجاه طرفَة وَذكر ذَلِك بقوله: فليت لنا مَكَان.. الخ الْملك بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون اللَّام وَأَصلهَا الْكسر: وصفٌ من ملك على النَّاس أَمرهم: إِذا تولى السلطنة. وَلنَا: خبر لَيْت مقدم ورغوثاً: اسْمهَا مُؤخر وَمَكَان الْملك: ظرف وَكَانَ فِي الأَصْل صفة لرغوث فَلَمَّا قدم صَار حَالا. والرغوث بِفَتْح الرَّاء وَضم الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَآخره ثاء مُثَلّثَة: النعجة الْمُرْضع يُقَال: رغث الْغُلَام أمه: إِذا رضعها.)

وتخور: تصوت وأصل الخوار للبقر. فَجعله طرفَة للنعجة.

وَقَوله: من الزمرات.. الخ بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَكسر الْمِيم أَي: القليلات الصُّوف وخصها لِأَنَّهَا أغزر ألباناً يُقَال: رجل زمر الْمُرُوءَة: إِذا كَانَ قليلها. والقادمان: الخلفان وأصل القادمين للناقة لِأَن لَهَا أَرْبَعَة أخلاف: قادمين وَآخَرين فاستعار القادمين للشاة. وأسبل: طَال وكمل والضرة بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة. لحم الضَّرع. والمركنة: الَّتِي لَهَا أَرْكَان أَي: جَوَانِب وأصل وَقيل: هِيَ المجتمعة. والدرور بِفَتْح الدَّال: الْكَثِيرَة الدّرّ.

وَقَوله: يشاركنا.. الخ الرخل بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْأُنْثَى من أَوْلَاد الضَّأْن. وَلنَا: حَال من رخلان وَكَانَ قبل التَّقْدِيم صفة أَي: يشاركنا فِي لَبنهَا رخلان لنا. وتنور بالنُّون: تنفر والنوار: النفور. يصف غزارة درها وَكَثْرَة

أَوْلَادهَا وَأَنَّهَا قد ألفت الذُّكُور فَمَا تنفر مِنْهَا.

وَقَوله: نوك كثير النوك بالنُّون: الحماقة وَكثير: يرْوى بِالْمُثَلثَةِ وبالموحدة. وَكَانَ قَابُوس يحمق ويزن فِي نَفسه.

وَقَوله: قسمت الدَّهْر.. الخ هُوَ بِالْخِطَابِ على طَريقَة الِالْتِفَات: إِمَّا من قَابُوس على قَول الْمفضل بن سَلمَة وَإِمَّا من عَمْرو على القَوْل الآخر يخاطبه وَيذكر مَا كَانَ من يَوْم صَيْده وَيَوْم وقُوف النَّاس بِبَابِهِ. وَقد بَينه فِي الأبيات الَّتِي بعده. والرخي: السهل اللين. وكذاك الحكم جملَة اسمية على حذف مُضَاف أَي: ذُو الحكم. أرسلها مثلا. وَقَوله: يقْصد.. الخ بَيَان لجِهَة التَّشْبِيه. ويقصد: من قصد فِي الْأَمر قصدا من بَاب ضرب: إِذا توَسط وَطلب الْأسد وَلم يُجَاوز الْحَد. وَقَوله: لنا يَوْم.. الخ مُبْتَدأ وَخبر وَرُوِيَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: لنا يَوْمًا وللكروان يَوْمًا بِنصب يَوْمًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ على أَنه بدل كل من الدَّهْر. والكروان بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون الرَّاء قَالَ الأعلم: هُوَ جمع كروان وَهُوَ طَائِر وَنَظِيره شقذان وشقذان وورشان وورشان وحمار وَلم يذكر فِي أَمْثَاله أَبُو فيد مؤرج بن عَمْرو السدُوسِي إِلَّا الْوَجْه الثَّانِي كَمَا تقدم فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة قَالَ: قَالُوا: كراً وكروان مثل فَتى وفتيان. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

وَزعم ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على هَذَا الْكتاب: أَن الكروان هُنَا مُفْرد بِفَتْح الْكَاف وَالرَّاء وَأَن التَّأْنِيث بِاعْتِبَار قصد الْأَفْرَاد من الْجِنْس. انْتهى.)

والبائسات مَنْصُوب على الترحم كَمَا يُقَال: مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين. وفاعل تطير ضمير الكروان.

وَرُوِيَ بِالرَّفْع أَيْضا قَالَ ابْن السّكيت: وَهُوَ الْأَكْثَر وَقَالَ

الأعلم: وَالرَّفْع على الْقطع وَقد يكون على الْبَدَل من الْمُضمر فِي تطير. وَهُوَ جمع بائسة من الْبُؤْس بِالضَّمِّ وَسُكُون الْهمزَة وَهُوَ الضّر يُقَال: بئس بِالْكَسْرِ: إِذا نزل بِهِ الضّر فَهُوَ بائس. وَقَوله: لَا نطير بنُون الْمُتَكَلّم مَعَ الْغَيْر.

وَقَوله: فَأَما يومهن.. الخ السوء بِفَتْح السِّين قَالَ الْأَزْهَرِي فِي تهذيبه: وَتقول فِي النكرَة: هَذَا رجل سوءٍ وَإِذا عرفت قلت: هَذَا الرجل السوء وَلم تضف. وَتقول: هَذَا عمل سوءٍ وَلَا تقل عمل السوء لِأَن السوء يكون نعتاً للرجل وَلَا يكون السوء نعتاً للْعَمَل لِأَن الْفِعْل من الرِّجَال وَلَيْسَ الْفِعْل من السوء. كَمَا تَقول: قَول صدقٍ وَقَول الصدْق وَرجل صدقٍ وَلَا تَقول رجل الصدْق لِأَن الرجل لَيْسَ من الصدْق انْتهى. وَرُوِيَ بدله نحسٍ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. والحدب بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ: مَا ارْتَفع من الأَرْض وَغلظ. يَقُول: يَوْم الكروان يَوْم نحسٍ لمطاردة الصقور لَهُنَّ.

وَقَوله: مَا نحل وَلَا نسير أَي: نَحن قيام على بَابه نَنْتَظِر الْإِذْن فَلَا هُوَ يَأْذَن فنحل عِنْده وَلَا هُوَ يَأْمُرنَا بِالرُّجُوعِ فنسير عَنهُ. وَنحل مضارع حل يحل حلولاً من بَاب قعد: إِذا نزل.

وطرفَة هُوَ طرفَة بن العَبْد بن سُفْيَان بن سعد بن مَالك بن ضبيعة بن قيس بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل. الشَّاعِر الْمَشْهُور.

وطرفة بِالتَّحْرِيكِ فِي الأَصْل: وَاحِد الطرفاء وَهُوَ الأثل قَالَ فِي الْقَامُوس: الطرفة محركة: وَاحِدَة الطرفاء وَبهَا لقب طرفَة بن العَبْد واسْمه عَمْرو ولقب بِبَيْت قَالَه.

وَهُوَ أشعر الشُّعَرَاء بعد امْرِئ الْقَيْس. ومرتبته ثَانِي مرتبَة وَلِهَذَا ثني بمعلقته. وَقَالَ الشّعْر صَغِيرا. قَالَ ابْن قُتَيْبَة: هُوَ أَجود الشُّعَرَاء قصيدةً. وَله بعد الْمُعَلقَة شعرٌ حسن. وَلَيْسَ عِنْد الروَاة من شعره وَشعر عبيدٍ إِلَّا الْقَلِيل. وَقتل وَهُوَ ابْن سِتّ وَعشْرين سنة.

وَكَانَ السَّبَب فِي قَتله: أَنه وَفد مَعَ خَاله المتلمس على عَمْرو بن هِنْد فأكرمهما

وبقيا عِنْده مُدَّة قَالَ الْمفضل بن سَلمَة: وَكَانَ لطرفة ابْن عَم عِنْد عَمْرو بن هِنْد واسْمه عبد عمرٍ وبن بشر بن عَمْرو بن مرْثَد بن سعد بن مَالك بن ضبيعة وَكَانَ طرفَة عدوا لِابْنِ عَمه عبد عَمْرو وَكَانَ سميناً بادناً فَدخل على عَمْرو بن هِنْد الْحمام فَلَمَّا تجرد قَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد: لقد كَانَ بن عمك طرفَة رآك حِين مَا قَالَ وَكَانَ طرفَة هجا عبد عَمْرو فَقَالَ فِيهِ من جملَة أَبْيَات:

وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنىوَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «يا عجبا من عبد عمرو وبغيه»

فَلَمَّا أنْشد الأبيات لعبد عَمْرو قَالَ لَهُ عبد عَمْرو: مَا قَالَ لَك شرٌ مِمَّا قَالَ لي ثمَّ أنْشدهُ:)

فليت لنا مَكَان الْملك عَمْرو.. الأبيات الْمُتَقَدّمَة فَصدقهُ عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ لَهُ: مَا أصدقك عَلَيْهِ مَخَافَة أَن تُدْرِكهُ الرَّحِم وينذره فَمَكثَ غير كثير ثمَّ دَعَا المتلمس وطرفة وَقَالَ: لعلكما قد اشتقتما إِلَى أهلكما وسركما أَن تنصرفا قَالَا: نعم فَكتب لَهما إِلَى عَامله على هجر أَن يقتلهما. وأخبرهما أَنه قد كتب لَهما بحباء وَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُمَا شَيْئا فَخَرَجَا وَكَانَ المتلمس قد أسن فمرا بنهر الْحيرَة على غلْمَان يَلْعَبُونَ فَقَالَ المتلمس: هَل لَك أَن نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن كَانَ فيهمَا خيرٌ مضينا لَهُ وَإِن كَانَ شرا ألقيناهما فَأبى عَلَيْهِ طرفَة. فَأعْطى المتلمس كِتَابه بعض الغلمان فقرأه عَلَيْهِ فَإِذا فِيهِ السوء. فَألْقى كِتَابه فِي المَاء وَقَالَ لطرفة: أطعني والق كتابك فَأبى طرفَة وَمضى بكتابه إِلَى الْعَامِل فَقتله. وَمضى المتلمس حَتَّى لحق بملوك بني جَفْنَة بِالشَّام ا. هـ.

وروى يَعْقُوب بن السّكيت فِي شرح ديوانه الْقِصَّة بأبسط من هَذَا قَالَ: إِن طرفَة لما هجا عَمْرو بن هِنْد بالأبيات الْمُتَقَدّمَة لم يسْمعهَا عَمْرو بن هِنْد. حَتَّى خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فأمعن فِي الطّلب فَانْقَطع فِي نفر من أَصْحَابه حَتَّى أصَاب طريدته فَنزل وَقَالَ لأَصْحَابه: اجْمَعُوا حطباً وَفِيهِمْ ابْن عَم طرفَة فَقَالَ لَهُم: أوقدوا. فأوقدوا نَارا وشوى. فَبَيْنَمَا عَمْرو يَأْكُل من شوائه وَعبد عَمْرو يقدم إِلَيْهِ

إِذْ نظر إِلَى خصر قَمِيصه منخرقاً فأبصر كشحه وَكَانَ من أحسن أهل زَمَانه جسماً وَقد كَانَ بَينه وَبَين طرفَة أمرٌ وَقع بَينهمَا مِنْهُ شَرّ فهجاه طرفَة بِأَبْيَات فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن هِنْد وَكَانَ سمع تِلْكَ الأبيات يَا عبد عَمْرو لقد أبْصر طرفَة حسن كشحك ثمَّ تمثل فَقَالَ:

وَلَا خير فِيهِ غير أَن لَهُ غنىوَأَن لَهُ كشحاً إِذا قَامَ أهضما
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «يا عجبا من عبد عمرو وبغيه»

فَغَضب عبد عَمْرو مِمَّا قَالَه وأنف فَقَالَ: لقد قَالَ للْملك أقبح من هَذَا قَالَ عَمْرو: وَمَا الَّذِي قَالَ فندم عبد عَمْرو وأبى أَن يسمعهُ. فَقَالَ: أسمعنيه وطرفة آمن. فأسمعه القصيدة الَّتِي هجاه بهَا وشرحنا مِنْهَا ثَمَانِيَة أَبْيَات تقدّمت فَسكت عَمْرو بن هِنْد على مَا وقر فِي نَفسه وَكره أَن يعجل عَلَيْهِ لمَكَان قومه فَأَضْرب عَنهُ وَبلغ ذَلِك طرفَة وَطلب غرته والاستمكان مِنْهُ حَتَّى أَمن طرفَة وَلم يخفه على نَفسه فَظن أَنه قد رَضِي عَنهُ. وَقد كَانَ المتلمس وَهُوَ جرير بن عبد الْمَسِيح هجا عَمْرو بن هِنْد. وَكَانَ قد غضب عَلَيْهِ فَقدم المتلمس وطرفة على عَمْرو بن هِنْد يتعرضان لفضله. فَكتب لَهما إِلَى عَامله على الْبَحْرين وهجر. وَكَانَ عَامله فيهمَا فِيمَا)

يَزْعمُونَ ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي وَهُوَ الَّذِي كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن طرفَة والمتلمس وَقَالَ لَهما: انْطَلقَا إِلَيْهِ فاقبضا جوائزكما. فَخَرَجَا.

فزعموا أَنَّهُمَا لما هبطا النجف قَالَ المتلمس: يَا طرفَة إِنَّك غلامٌ غر حَدِيث السن وَالْملك من قد عرفت حقده وغدره وكلانا قد هجاه فلست آمنا أَن يكون قد أَمر فِينَا بشر فَهَلُمَّ نَنْظُر فِي كتابينا فَإِن يكن أَمر لنا بخيرٍ مضينا فِيهِ وَإِن يكن قد أَمر فِينَا بِغَيْر ذَلِك لم نهلك أَنْفُسنَا فَأبى طرفَة أَن يفك خَاتم الْملك وحرص المتلمس على طرفَة فَأبى. وَعدل المتلمس إِلَى غُلَام من غلْمَان الْحيرَة عبَادي فَأعْطَاهُ الصَّحِيفَة فقرأها فَلم يصل إِلَى مَا أَمر بِهِ فِي المتلمس حَتَّى جَاءَ غُلَام بعده فَأَشْرَف فِي الصَّحِيفَة لَا يدْرِي لمن هِيَ فقرأها فَقَالَ: ثكلت المتلمس أمه فَانْتزع المتلمس الصَّحِيفَة من يَد الْغُلَام وَاكْتفى بذلك من قَوْله وَاتبع طرفَة فَلم يُدْرِكهُ وَألقى

الصَّحِيفَة فِي نهر الْحيرَة ثمَّ خرج هَارِبا.

وَقد كَانَ المتلمس فِيمَا يُقَال قَالَ لطرفة حِين قَرَأَ كِتَابه: تعلم أَن فِي صحيفتك لمثل الَّذِي فِي صحيفتي فَقَالَ طرفَة: إِن كَانَ اجترأ عَلَيْك فَمَا كَانَ ليجترأ عَليّ وَلَا ليغرني وَلَا ليقدم عَليّ فَلَمَّا غَلبه سَار المتلمس إِلَى الشَّام وَسَار طرفَة حَتَّى قدم على عَامل الْبَحْرين وَهُوَ بهجر.

فَدفع إِلَيْهِ كتاب عَمْرو بن هِنْد فقرأه فَقَالَ: هَل تعلم مَا أمرت بِهِ فِيك قَالَ: نعم أمرت أَن تجزيني وتحسن إِلَيّ. فَقَالَ لطرفة: إِن بيني وَبَيْنك لخؤولةً أَنا لَهَا راعٍ فاهرب من ليلتك هَذِه فَإِنِّي قد أمرت بقتلك فَاخْرُج قبل أَن تصبح وَيعلم بك النَّاس فَقَالَ لَهُ طرفَة: اشتدت عَلَيْك جائرتي وأحببت أَن أهرب وَأَجْعَل لعَمْرو بن هِنْد عَليّ سَبِيلا كَأَنِّي أذنبت ذَنبا وَالله لَا أفعل ذَلِك أبدا فَلَمَّا أصبح أَمر بحبسه.

وَجَاءَت بكر بن وَائِل فَقَالَت: قدم طرفَة فَدَعَا بِهِ صَاحب الْبَحْرين فَقَرَأَ عَلَيْهِم كتاب الْملك ثمَّ أَمر بطرفة وَحبس وتكرم عَن قَتله وَكتب إِلَى عَمْرو بن هِنْد: أَن ابْعَثْ إِلَى عَمَلك فَإِنِّي غير قَاتل الرجل. فَبعث إِلَيْهِ رجلا من بني تغلب يُقَال لَهُ عبد هِنْد بن جرذ وَاسْتَعْملهُ على الْبَحْرين وَكَانَ رجلا شجاعاً وَأمره بقتل طرفَة وَقتل ربيعَة بن الْحَارِث الْعَبْدي فقدمهما عبد هِنْد فَقَرَأَ عَهده على أهل الْبَحْرين ولبث أَيَّامًا. وَاجْتمعت بكر بن وَائِل فهمت بِهِ وَكَانَ طرفَة يحضضهم. وانتدب لَهُ رجل من عبد الْقَيْس ثمَّ من الحواثر يُقَال لَهُ: أَبُو ريشة فَقتله. فقبره الْيَوْم مَعْرُوف بهجر.)

وَزَعَمُوا أَن الحواثر ودته إِلَى أَبِيه وَقَومه.

وَقَالَت أُخْت طرفَة تهجو عبد عَمْرو لما كَانَ من إنشاده الشّعْر للْملك:

أَلا ثكلتك أمك عبد عمرٍ وأبالخربات آخيت الملوكا
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «ألا ثكلتك أمك عبد عمرٍو»
هم دحوك للوركين دحاًوَلَو سَأَلُوا لأعطيت البروكا

ورثت طرفَة أُخْته بقولِهَا:

فجعنا بِهِ لما رجونا إيابهعلى خير حالٍ: لَا وليداً وَلَا قحما
للشاعر الخرنق بنت بدر، من قصيدة «عَدَدْنالهُ خَمْسا وعشرين حجَّة ً»

ا. هـ. وَمثله فِي كتاب الشُّعَرَاء لِابْنِ قُتَيْبَة قَالَ: وَكَانَ طرفَة فِي حسبٍ من قومه جريئاً على هجائهم وهجاء غَيرهم. وَكَانَت أُخْته عِنْد عبد عَمْرو بن بشر ابْن مرْثَد وَكَانَ عبد عَمْرو سيد أهل زَمَانه فشكت أُخْت طرفَة شَيْئا من أَمر زَوجهَا إِلَيْهِ فَقَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى................ الْبَيْت

وَإِن نسَاء الْحَيّ يعكفن حولهيقلن عسيب من سرارة ملهما

وأهضم: منقبض. وسرارة بِالْفَتْح: خِيَار. وملهم بِالْفَتْح: مَوضِع كثير النّخل فَخرج عَمْرو بن هِنْد يتصيد وَمَعَهُ عبد عَمْرو فَأصَاب حمارا فعقره فَقَالَ لعبد عَمْرو: انْزِلْ إِلَيْهِ فَنزل غليه فأعياه فَضَحِك عَمْرو بن هِنْد وَقَالَ: لقد أبصرك طرفَة حِين قَالَ: وَلَا عيب فِيهِ غير أَن لَهُ غنى................. الْبَيْت وَقَالَ فِي آخرهَا: وَيُقَال: إِن الَّذِي قَتله الْمُعَلَّى بن حَنش الْعَبْدي وَالَّذِي تولى قَتله بِيَدِهِ مُعَاوِيَة بن مرّة الأيفلي حيٌ من طسم وجديس.

ثمَّ قَالَ: وَكَانَ أَبُو طرفَة مَاتَ وطرفة صَغِير فَأبى أَعْمَامه أَن يقسموا مَاله فَقَالَ:

مَا تنْظرُون بِمَال وردة فِيكُمصغر البنون ورهط وردة غيب
وَالظُّلم فرق بَين حييّ وائلٍبكرٌ تساقيها المنايا تغلب
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ما تنظرون بحق وردة فيكم»
والصدق يألفه الْكَرِيم المرتجىوَالْكذب يألفه الدنيء الأخيب
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «ما تنظرون بحق وردة فيكم»

وَيُقَال: إِن أول شعر قَالَه طرفَة أَنه خرج مَعَ عَمه فِي سفر فنصب فخاً فَلَمَّا أَرَادَ الرحيل قَالَ:

يالك من قبرةٍ بِمَعْمَرخلا لَك الجو فبيضي واصفري
ونقري إِن شِئْت أَن تنقريقد رفع الفخ فَمَاذَا تحذري

لَا بُد يَوْمًا أَن تصادي فاصبري ا. هـ) وَعَمْرو بن هِنْد الْمَذْكُور هُوَ من مُلُوك الْحيرَة. كَانَ عاتياً جباراً وَيُسمى محرقاً أَيْضا لِأَنَّهُ حرق بني تَمِيم وَقيل: بل حرق نخل الْيَمَامَة. والنعمان بن الْمُنْذر صَاحب النَّابِغَة ابْن أخي عَمْرو بن هِنْد. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى نِسْبَة عَمْرو بن الْمُنْذر فِي نِسْبَة أَخِيه النُّعْمَان بن الْمُنْذر فِي الشَّاهِد الثَّالِث بعد هَذَا.

تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من اسْمه طرفَة من الشُّعَرَاء أَرْبَعَة أَوَّلهمْ هَذَا.

والثَّانِي طرفَة بن ألاءة بن نَضْلَة بن الْمُنْذر بن سلمى بن جندل بن نهشل بن دارم. والثَّالِث طرفَة الجذمي أحد بني جذيمة الْعَبْسِي. وَالرَّابِع أَخُو عَامر بن ربيعَة.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»