من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس عشر بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَةوَابْشَرْ بِذَاكَ وقر مِنْهُ عيُونا
على أَنه يجوز جمع الْمثنى فيالتمييز إِذا لم يلبس: إِذا كَانَ الظَّاهِر أَن يُقَال: وقر مِنْهُ عينين أَو عينا. لكنه جمع لعدم اللّبْس وَلِأَن أقل الْجمع اثْنَان على رَأْي.
وَهَذَا الْبَيْت أحد أَبْيَات خَمْسَة لأبي طَالب عَم النَّبِي ﷺ َ. وَهِي:
وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْحَتَّى أُوَسَّد فِي التُّرَاب دَفِينا
فَاصْدَعْ بِأَمْرك مَا عَلَيْك غَضَاضَةوَابْشَرْ بِذَاكَ وقر مِنْهُ عيُونا
وَدَعَوْتنِي وَزَعَمت أَنَّك نَاصحوَلَقَد صدقت وَكنت ثمَّ أَمينا
لَوْلَا الْمَلَامَة أَو حذار مسَبَّةلَوَجَدْتنِي سَمحا بِذَاكَ مُبينًا
قَالَ السُّيُوطِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْمُغنِي: أخرج ابْن إِسْحَاق وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن يَعْقُوب بن عتبَة بن الْمُغيرَة بن الْأَخْنَس: أَن قُريْشًا أَتَت أَبَا طَالب فكلمته فِي النَّبِي ﷺ َ فَبعث إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن أخي إِن قَوْمك قد جاؤوني فَقَالُوا كَذَا وَكَذَا فأبق عَليّ وعَلى نَفسك وَلَا تحملنِي من الْأَمر مَا لَا أُطِيق أَنا وَلَا أَنْت فَاكْفُفْ عَن قَوْمك مَا يكْرهُونَ من قَوْلك فَظن رَسُول الله ﷺ َ أَنه قد بدا لِعَمِّهِ فِيهِ وَأَنه خاذله فَقَالَ: يَا عَم لَو وضعت الشَّمْس فِي يَمِيني وَالْقَمَر فِي يساري مَا تركت هَذَا الْأَمر حَتَّى يظهره الله أَو أهلك فِي طلبه ثمَّ استعبر رَسُول الله ﷺ َ فَبكى فَلَمَّا ولى قَالَ لَهُ حِين رأى مَا بلغ من الْأَمر برَسُول الله ﷺ َ: يَا ابْن أخي امْضِ على أَمرك وَافْعل مَا أَحْبَبْت فوَاللَّه لَا أسلمك لشَيْء أبدا. وَقَالَ أَبُو طَالب فِي ذَلِك هَذِه الأبيات انْتهى.
وَقد أنْشد الزَّمَخْشَرِيّ هَذِه الأبيات عِنْد قَوْله تَعَالَى وهم ينهون عَنهُ وينأون عَنهُ من سُورَة الْأَنْعَام بِنَاء على القَوْل بِأَنَّهَا نزلت فِي أبي طَالب.
وَقَوله: وَالله لن يصلوا إِلَيْك الخ أنْشد هَذَا الْبَيْت ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن الْقسم قد يلقى بلن نَادرا. ونازعه الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون مِمَّا حذف فِيهِ الْجَواب لدلَالَة مَا بعده عَلَيْهِ تَقْدِيره: وَالله إِنَّك لآمن على نَفسك فَيكون قَوْله: لن يصلوا إِلَيْك الخ جملَة مستأنفة لَا جَوَاب الْقسم. وأوسد بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: من وسدته الشَّيْء: إِذا جعلته تَحت رَأسه وسَادَة. ودفينا: حَال من ضمير أُوَسَّد بِمَعْنى مدفون.)
وَقَوله فَاصْدَعْ بِأَمْرك الخ يُقَال: صدعت بِالْحَقِّ إِذا تَكَلَّمت بِهِ جهاراً. وَقيل فِي قَوْله تَعَالَى: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمر أَي: شقّ جماعاتهم بِالتَّوْحِيدِ وَقيل: افرق بذلك بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقيل: أظهر ذَلِك. وَهُوَ مَأْخُوذ من قَوْلهم: صدعت الْقَوْم صدعاً فتصدعوا أَي: فرقتهم فَتَفَرَّقُوا.
وأصل الصدع الشق. وَرُوِيَ فانفذ بِأَمْرك. والغضاضة قَالَ فِي الصِّحَاح: يُقَال لَيْسَ عَلَيْك فِي هَذَا الْأَمر غَضَاضَة أَي: ذلة ومنقصة. وَفِي الْمِصْبَاح: غض الرجل صَوته وطرفه وَمن طرفه وصوته غضاً من بَاب قتل: خفض وَمِنْه يُقَال غض من فلَان غضاً وغضاضة: إِذا تنقصه.
وَقَوله: وَابْشَرْ بِذَاكَ أَي: بِعَدَمِ وصولهم إِلَيْك أَو بِظُهُور أَمرك أَو بِانْتِفَاء الغضاضة عَنْك أَو بالمجموع وَيكون ذَلِك إِشَارَة إِلَى مَا ذكر. وَابْشَرْ بِفَتْح الشين لِأَنَّهُ يُقَال بشر بِكَذَا يبشر مثل فَرح يفرح وزنا وَمعنى وَهُوَ الاستبشار أَيْضا والمصدر البشور وَيَتَعَدَّى بالحركة فَيُقَال بَشرته أُبَشِّرهُ من بَاب قتل فِي لُغَة تهَامَة وَمَا والاها وَالِاسْم مِنْهُ الْبشر بِضَم الْبَاء والتعدية بالتثقيل لُغَة عَامَّة الْعَرَب كَذَا فِي الْمِصْبَاح.
وَقَوله: وقر مِنْهُ عيُونا أَي: من أَجله. قَالَ الطَّيِّبِيّ: وَإِنَّمَا جمع الْعين لِأَن المُرَاد عُيُون الْمُسلمين لِأَن قُرَّة عينه ﵊ ُ قُرَّة لأعينهم. وَهَذَا الْمَعْنى صَحِيح إِلَّا أَن اللَّفْظ لَا يساعد. وَهُوَ تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل. قَالَ ثَعْلَب فِي
فصيحه: وقررت بِهِ عينا أقرّ بِكَسْر الْعين فِي الْمَاضِي وَفتحهَا فِي الْمُسْتَقْبل ومصدر الأول القر والقرور بِضَم أَولهمَا ومصدر الثَّانِي الْقَرار والقر بفتحهما. قَالَ شَارِحه أَبُو سهل الْهَرَوِيّ: قَوْلهم: أقرّ الله عَيْنك مَعْنَاهُ لَا أبكاك الله فتسخن بالدمع عَيْنك فَكَأَنَّهُ قَالَ: سرك الله ويجوز أَن يكون صادفت مَا يرضيك لتقر عَيْنك من النّظر إِلَى غَيره. وَأما قَول بَعضهم: مَعْنَاهُ برد الله دمعتها لِأَن الدمعة السرُور بَارِدَة ودمعة الْحزن حارة فَإِنَّهُ خطأ لِأَن الدمع كُله حَار.
وَقَوله: وَدَعَوْتنِي أَي: إِلَى الْإِيمَان. وَزَعَمت أَي: قلت فَإِن الزَّعْم أحد مَعَانِيه القَوْل وَرُوِيَ بدله. وَعلمت فَهُوَ بِضَم التَّاء وَثمّ بِفَتْح الثَّاء إِشَارَة إِلَى مقَام القَوْل والنصح أَو الدعْوَة وَرُوِيَ بدله: قبل بِضَم اللَّام أَي: قبل هَذَا.
وَقَوله: وَعرضت الخ من زَائِدَة على رَأْي من يَقُول بزيادتها فِي الْإِثْبَات أَو تبعيضية أَي: من بعض الْأَدْيَان الفاضلة. وديناً الثَّانِي إِمَّا تَمْيِيز وَإِمَّا تَأْكِيد للْأولِ. وَقَوله: لَوْلَا الْمَلَامَة أَي: لَوْلَا ملامة الْكفَّار لي. والحذار بِالْكَسْرِ: المحاذرة. وسمحاً: منقاداً. ومبيناً: مظْهرا من الْإِبَانَة وَهِي)
وترجمة أبي طَالب تقدّمت فِي الشَّاهِد الْحَادِي وَالتسْعين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع