تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٢٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ

والأكرمين إِذا مَا ينسبون أَبَا هَذَا عجز وصدره: سيري أَمَام فَإِن الْأَكْثَرين حَصى على أَنه كَانَ الظَّاهِر أَن يَقُول آبَاء بِالْجمعِ وَإِنَّمَا وحّد الْأَب لأَنهم كَانُوا أَبنَاء أَب وَاحِد.

وَقَوله: سيري فعل أَمر للمؤنثة. وأمام بِضَم الْهمزَة: منادى مرخّم أَي: يَا أُمَامَة. وحصىً تَمْيِيز للأكثرين وَكَذَلِكَ أَبَا تَمْيِيز للأكرمين. وَمعنى الْحَصَى الْعدَد وَإِنَّمَا أطلق على الْعدَد لِأَن الْعَرَب أُمِّيُّونَ لَا يقرؤون وَلَا يعْرفُونَ الْحساب غنما كَانُوا يعدون بالحصى فَأطلق الْحَصَى على الْعدَد واشتق مِنْهُ الْفِعْل فَقيل أحصيت الشَّيْء أَي: عددته. وَإِذا: ظرف للأكرمين. وينسبون بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول.

والأكرمين مَعْطُوف على اسْم إِن وخبرها قوم فِي الْبَيْت الَّذِي بعده وَهُوَ:

قوم هم الْأنف والأذناب غَيرهموَمن يسوّي بأنف النَّاقة الذنبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»
قوم إِذا عقدوا عقدا لجارهمشدّوا العناج وشدّوا فَوْقه الكربا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

وَهَذِه الأبيات من قصيدة للحطيئة يمدح بهَا بغيض بن عَامر بن لأي بن شمّاس بن لأي بن أنف النَّاقة واسْمه جَعْفَر بن قريع بِالتَّصْغِيرِ بن عَوْف بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. ويهجو الزبْرِقَان واسْمه حُصَيْن بِالتَّصْغِيرِ بن بدر بن امْرِئ الْقَيْس بن خلف بن بَهْدَلَة بن عَوْف بن كَعْب الْمَذْكُور نسبه. وَإِنَّمَا لقّب جَعْفَر بِهَذَا لِأَن أَبَاهُ نحر جزوراً فَقَسمهَا بَين نِسَائِهِ فَقَالَت لَهُ أمه وَهِي الشّموس من بني وَائِل بن سعد هذيم: انْطلق إِلَى أَبِيك فَانْظُر هَل بَقِي شَيْء من الْجَزُور عِنْده فَأَتَاهُ فَلم يجد إِلَّا رَأسهَا فَأخذ بأنفها يجرّه فَقَالُوا: مَا هَذَا قَالَ: أنف النَّاقة.

فسمّي أنف النَّاقة.

وَكَانَ آل شمّاس فِي الْجَاهِلِيَّة يعيّرون بِهِ ويغضبون مِنْهُ. ولمّا مدحهم الحطيئة بِهَذَا وَإِنَّمَا مدح مِنْهُم بغيض بن عَامر صَار فخراً لَهُم. وَأَرَادَ بأنف النَّاقة بغيضاً وَأهل بَيته. وَأَرَادَ بالذنب قَالَ ابْن رَشِيق فِي بَاب من رَفعه الشّعْر وَمن وَضعه من الْعُمْدَة: كَانَ بَنو أنف النَّاقة يفرقون من هَذَا الِاسْم حَتَّى إِن الرجل مِنْهُم كَانَ يسْأَل: مِمَّن هُوَ فَيَقُول: من بني قريع. فيتجاوز)

جعفراً أنف النَّاقة ويلغي ذكره فِرَارًا من هَذَا اللقب. إِلَى أَن قَالَ الحطيئة هَذَا الشّعْر فصاروا يتطاولون بِهَذَا النّسَب ويمدذون بِهِ أَصْوَاتهم فِي جهارة.

وَقَوله: قوم إِذا عقدوا عقدا الخ هَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد أدب الْكَاتِب عقد الْحَبل والعهد يعقده عقدا. والعناج بِكَسْر الْمُهْملَة وَالنُّون وَالْجِيم: حَبل يشدّ أَسْفَل الدّلو الْعَظِيمَة إِذا كَانَت ثَقيلَة ثمَّ يشدّ إِلَى الْعِرَاقِيّ فَيكون عوناً لَهَا وللوذم فَإِذا انْقَطَعت الأوذام فَانْقَلَبت أمْسكهَا العناج وَلم يَدعهَا تسْقط فِي الْبِئْر يُقَال: عنجت الدَّلْو أعنجها عنجاً من بَاب نصر والعناج اسْم ذَلِك الْحَبل يُقَال: قَول لَا عناج لَهُ: إِذا أرسل على غير رويّة.

وَإِذا كَانَت الدَّلْو خَفِيفَة فعناجها خيط يشدّ فِي إِحْدَى آذانها إِلَى العرقوة. والوذم: السيور الَّتِي بَين آذان الدَّلْو وأطراف العراقيّ. وَالْكرب بِفتْحَتَيْنِ: الْحَبل الَّذِي يشدّ فِي وسط العراقيّ ثمَّ يثنى ويثلّث ليَكُون هُوَ الَّذِي يَلِي المَاء فَلَا يعفن الْحَبل الْكَبِير. يُقَال: أكربت الدَّلْو فَهِيَ مكربة.

والعراقيّ: العودان المصلّبان تشدّ إِلَيْهِمَا الأوذام.

وَأَرَادَ الحطيئة أَنهم إِذا عقدوا عقدا أحكموه ووثّقوه كإحكام الدَّلْو إِذا شدّ عَلَيْهَا العناج

طافت أُمَامَة بالركبان آونةيَا حسنه من قوام مَا ومنتقبا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

وَاسْتشْهدَ بِهِ المراديّ فِي شرح الألفية على أنّ من فِي التَّمْيِيز زَائِدَة وَلِهَذَا صحّ عطف الْمَنْصُوب على مجرورها. أَي: ياحسنه قواماً ومنتقباً. وآونة: جمع أَوَان كأزمنة جمع زمَان وَقَوله: يَا حسنه لَفظه لفظ النداء وَمَعْنَاهُ التَّعَجُّب فيا للتّنْبِيه لَا للنداء وَالضَّمِير مُبْهَم قد فسّر بالتمييز. والقوام بِالْفَتْح وَوهم من ضَبطه بِالْكَسْرِ: الْقَامَة يُقَال: امْرَأَة حَسَنَة القوام أَي: الْقَامَة. وَمَا: زَائِدَة. والمنتقب بِفَتْح الْقَاف: مَوضِع النقاب. وَبعده بِأَبْيَات:

إنّ امْرأ رهطه بِالشَّام منزلهبرمل يبرين جاراً شدّ مَا اغتربا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «طافت أمامة بالركبان آونة»

وَأوردهُ ابْن هِشَام فِي أَوَاخِر الْبَاب الْخَامِس من الْمُغنِي على أَن أَصله: ومنزله برمل يبرين فَحذف حرف الْعَطف وَهُوَ الْوَاو وبابه الشّعْر. ثمَّ قَالَ: كَذَا قَالُوا وَلَك أَن تَقول الْجُمْلَة الثَّانِيَة صفة ثَانِيَة لَا معطوفة.

وَقَوله: امْرأ عَنى الحطيئة بِالْمَرْءِ نَفسه. وَقَوله: رهطه بِالشَّام جملَة اسميّة صفة لاسم إنّ وَأَرَادَ: بِنَاحِيَة الشَّام الحطيئة عبسيّ ومنزل بني عبس شرج والقصيم والجواء وَهِي أسافل عدنة وَكَانَ الحطيئة جاور بغيض بن شمّاس الْمَذْكُور برمل يبرين وَهِي قَرْيَة كَثِيرَة النّخل والعيون)

بِالْبَحْرَيْنِ بحذاء الأحساء لبني عَوْف بن سعد بن زيد مَنَاة ثمَّ لبني أنف النَّاقة. وإعرابها بِالْوَاو رفعا وبالياء نصبا وجرّاً وَرُبمَا التزموا الْيَاء وَجعلُوا الْإِعْرَاب بالحركات على النُّون وَيُقَال أَيْضا:

رمل أبرين وَلابْن جنّي فِيهِ كَلَام جيّد نَقله ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ.

وَقَوله: منزله برمل يبرين جملَة اسمية ثَانِيَة إِمَّا معطوفة بِالْوَاو المحذوفة وَإِمَّا صفة ثَانِيَة لاسم إِن. وجاراً: حَال من الْمُضمر المستقرّ فِي قَوْله: برمل يبرين الْعَائِد على الْمنزل. وَقَوله: شدّ مَا اغتربا مَنْصُوب على التَّعَجُّب وَمَا مَصْدَرِيَّة أَي: مَا أشدّ اغترابه وَالْجُمْلَة خبر اسْم إِن.

وَمثله قَول جرير:

فَقلت للركب إِذْ جدّ الْمسير بِنَامَا بعد يبرين من بَاب الفراديس

وَبَاب الفراديس من أَبْوَاب الشَّام. وَإِنَّمَا بسطت شرح هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ وَقع فِي مُغنِي اللبيب وَلم يشرحه أحد من شرّاحه بِشَيْء.

وَسبب مدح الحطيئة بغيضاً وهجو الزّبرقان هُوَ مَا ذكره الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني أَن الزبْرِقَان قدم على عمر ﵁ فِي سنة مُجْدِبَة ليؤدّي صدقَات قومه فَلَقِيَهُ الحطيئة بقرقرى وَمَعَهُ ابناه أَوْس وسوادة وَبنَاته وَامْرَأَته قَالَ لَهُ الزبْرِقَان وَقد عرفه وَلم يعرفهُ الحطيئة: أَيْن تُرِيدُ فَقَالَ: الْعرَاق فقد حطمتنا هَذِه السّنة قَالَ: وتصنع مَاذَا قَالَ: وددت أَن أصادف بهَا رجلا يَكْفِينِي مُؤنَة عيالي وأصفيه مدائحي فَقَالَ لَهُ الزبْرِقَان: قد أصبته فَهَل لَك فِيهِ يوسعك تَمرا ولبناً ويجاورك أحسن جوَار قَالَ:

هَذَا وَأَبِيك الْعَيْش وَمَا كنت أَرْجُو هَذَا كُله عِنْد من قَالَ: عِنْدِي. قَالَ: وَمن أَنْت قَالَ: الزبْرِقَان. فسيّره إِلَى أمه وَهِي عمّة الفرزدق وَكتب إِلَيْهَا: أَن أحسني إِلَيْهِ وأكثري لَهُ من التَّمْر وَاللَّبن.

وَقَالَ آخَرُونَ: بل س ذره إِلَى زَوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية فأكرمته وأحسنت إِلَيْهِ فَبلغ ذَلِك بغيض بن عَامر من بني أنف النَّاقة وَكَانَ يُنَازع الزبْرِقَان

الشّرف وَكَانَ الحطيئة دميماً سيئ الْخلق فهان أمره عَلَيْهَا وقصّرت بِهِ فَأرْسل إِلَيْهِ بغيض وَإِخْوَته: أَن ائتنا. فَأبى وَقَالَ: شَأْن النِّسَاء التَّقْصِير والغفلة وَلست بِالَّذِي أحمل على صَاحبهَا ذنبها وألحّوا عَلَيْهِ فَقَالَ: إِن تركت وجفيت تحوّلت إِلَيْكُم. وأطمعوه ووعدوه وَعدا عَظِيما فدسّوا إِلَى زَوْجَة الزبْرِقَان أَن الزبْرِقَان يُرِيد أَن يتَزَوَّج ابْنَته مليكَة وَكَانَت جميلَة فَظهر مِنْهَا جفوة.

وألحوا عَلَيْهِ فِي الطّلب فارتحل إِلَيْهِم فَضربُوا لَهُ قبَّة وربطوا بكلّ طُنب من أطنابها حلّة هجريّة)

وأراحوا عَلَيْهِ إبلهم وَأَكْثرُوا عَلَيْهِ التَّمْر وَاللَّبن. فَلَمَّا قدم الزبْرِقَان سَأَلَ عَنهُ فَأخْبر بِقِصَّتِهِ فَنَادَى فِي بني بَهْدَلَة بن عَوْف وَركب فرسه وَأخذ رمحه وَسَار حَتَّى وقف على القريعيين وَقَالَ: ردّوا عليّ جاري قَالُوا: مَا هُوَ لَك بجار وَقد اطّرحته وضيّعته وَكَاد أَن يَقع بَين الْحَيَّيْنِ حَرْب.

فَاجْتمع أهل الحجا. وخيّروا الحطيئة فَاخْتَارَ بغيضاً وَجعل يمدح القريعيين من غير أَن يهجو الزبْرِقَان وهم يحرّضونه على ذَلِك وَهُوَ يَأْبَى حَتَّى أرسل الزبْرِقَان إِلَى رجل من النمر بن قاسط يُقَال لَهُ دثار بن شَيبَان فهجا بغيضاً وفضّل الزبْرِقَان فَقَالَ من جملَة أَبْيَات:

وجدنَا بَيت بَهْدَلَة بن عَوْفتَعَالَى سمكه ودجا الفناء
وَمَا أضحى لشمّاس بن لايقديم فِي الفعال وَلَا رباء
سوى أَن الحطيئة قَالَ قولافَهَذَا من مقَالَته جَزَاء

وَلما سمع الحطيئة هَذَا ناضل عَن بغيض وهجا الزبْرِقَان فِي عدَّة قصائد مِنْهَا قَوْله:

وَالله مَا معشر لاموا امْرأ جنبامن آل لأي بن شمّاس بأكياس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
مَا كَانَ ذَنْب بغيض لَا أَبَا لكمفِي بائس جَاءَ يَحْدُو آخر النَّاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
لقد مريتكم لَو أَن درّتكميَوْمًا يَجِيء بهَا مسحي وإبساسي
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «يابا شجاع رعاك الله من ملك»
فَمَا ملكت.. بِأَن كَانَت نفوسكمكفارك كرهت ثوبي وإلباسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
حَتَّى إِذا مَا بدا لي غيب أَنفسكُموَلم يكن لجراحي فِيكُم آسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما راموا امرأًَ جنباً»
أزمعت يأساً مُبينًا من نوالكموَلنْ ترى طارداً للحرّ كالياس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
مَا كَانَ ذَنْب بغيض أَن رأى رجلاذَا فاقة عَاشَ فِي مستوعر شَاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
جاراً لقوم أطالوا هون منزلهوغادروه مُقيما بَين أرماس
دع المكارم لَا ترحل لبغيتهاواقعد فَإنَّك أَنْت الطاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
من يفعل الْخَيْر لَا يعْدم جوازيهلَا يذهب الْعرف بَين الله وَالنَّاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
ماكان ذَنبي أَن فلذت معاولكممن آل لأي صفاة أَصْلهَا راسي
قد ناضلوك فسلّوا من كنانتهممجداً تليداً ونبلاً غير أنكاس
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»

وَالْجنب بِضَم الْجِيم وَالنُّون: الْغَرِيب. والبائس: هُنَا الحطيئة وَهُوَ الَّذِي لَقِي بؤساً وشدّة من الْفقر يُقَال: أَصَابَت النَّاس سنة شَدِيدَة وَكَانَ الحطيئة فِيمَن انحدر مَعَ النَّاس فَلم يكن بِهِ من الْقُوَّة أَن يكون فِي أوّل النَّاس. وَقَوله: لقد مريتكم الخ أَي: طلبت مَا عنْدكُمْ وَأَصله من مريت)

النَّاقة هُوَ أَن يمسح ضرْعهَا لتدرّ. والدرّة بِالْكَسْرِ: اللَّبن. والإبساس: صَوت تسكّن بِهِ النَّاقة عِنْد الْحَلب يَقُول: بس بس.

وَقَوله: فَمَا ملكت بِأَن كَانَت الخ يَقُول: لم أملك بغضكم فأجعله حيّاً. والفارك: الْمَرْأَة المبغضة لزَوجهَا. وَقَوله: كرهت ثوبي أَي: كرهت أَن تدخل معي فِي ثوبي وَأَن تدخلني فِي ثوبها. وَقَوله: حَتَّى إِذا مَا بدا لي الخ أَي: بدا لي مَا كَانَ غَائِبا فِي أَنفسكُم من البغضة. وَلم يكن فِيكُم مصلح لما بِي من الْفساد وَسُوء الْحَال. والآسي: المداوي.

وَقَوله: أزمعت يأساً الخ هُوَ من أَبْيَات مُغنِي اللبيب أوردهُ على أَن بَعضهم قَالَ من مُتَعَلقَة بيأساً وَالصَّوَاب أَن تعلقهَا بيئست محذوفة لِأَن الْمصدر لَا يُوصف قبل أَن يَأْتِي معموله.

والإزماع: تصميم الْعَزْم. والمستوعر: الْمَكَان الوعر. والشأس: الْمَكَان الْمُرْتَفع الغليظ. والهون بِالضَّمِّ: المذلة. وغادروه أَي: تَرَكُوهُ كالميت بَين أموات الْقُبُور.

وَقَوله: مَا كَانَ ذَنبي الخ فَلت بِالْفَاءِ: ثلمت والفلول: الثلم. والصفاة بِالْفَتْح: الصَّخْرَة الملساء.

أَي: أردتموهم بِسوء فَلم تعْمل فِيهِ معاولكم. يَقُول: مَا كَانَ ذَنبي فَإِنِّي مدحت هَؤُلَاءِ لأَنهم أشرف مِنْكُم وَلَهُم مجد راس لَا تطيقون إِزَالَته. وَقَوله: قد ناضلوك الخ النكس بِالْكَسْرِ: السهْم يقلب فَيجْعَل أَسْفَله أَعْلَاهُ إِذا انْكَسَرَ طرفه. والمناضلة: الْمُفَاخَرَة. وَأَرَادَ بالمجد الْقَدِيم النواصي وَكَانَت الْعَرَب إِذا أَنْعَمت على الرجل الشريف المأسور جزواً ناصيته وأطلقوه فَتكون الناصية عِنْد الرجل يفخر بهَا.

وَقَوله: دع المكارم الخ أوردهُ الْفراء فِي مَعَاني الْقُرْآن فِي سُورَة هود

على أَن الكاسي بِمَعْنى المكسو كَمَا أَن العاصم فِي قَوْله تَعَالَى: لَا عَاصِم الْيَوْم بِمَعْنى الْمَعْصُوم. قَالَ: وَلَا تنكرن أَن يخرج الْمَفْعُول على فَاعل إِلَّا ترى أَن قَوْله من مَاء دافق بِمَعْنى مدفوق وعيشة راضية بِمَعْنى مرضية يسْتَدلّ على ذَلِك بأنك تَقول: رضيت هَذِه الْمَعيشَة ودفق المَاء وكسي الْعُرْيَان بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَلَا تَقول ذَلِك بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل.

وَلما بلغ الزبْرِقَان هَذَا الْبَيْت استعدى عَلَيْهِ عمر بن الْخطاب ﵁ فَقَالَ: مَا أرَاهُ هجاك وَلكنه مدحك. فَقَالَ: سل حسان بن ثَابت. فَسَأَلَهُ فَقَالَ حسان: هجاه وسلح عَلَيْهِ فحبسه عمر فَقَالَ وَهُوَ فِي الْحَبْس:

مَاذَا تَقول لأفراخ بِذِي مرخحمر الحواصل لَا مَاء وَلَا شجر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»

)

ألقيت كاسبهم فِي قَعْر مظْلمَةفَاغْفِر عَلَيْك سَلام الله يَا عمر
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ»

ذُو مرخ: اسْم مَكَان وَأَرَادَ بالأفراخ أطفاله الصغار. وحمر الحواصل يَعْنِي لَا ريش لَهَا وَتكلم فِيهِ عَمْرو بن الْعَاصِ فَأخْرجهُ عمر فَقَالَ: إياك وهجاء النَّاس قَالَ: إِذا يَمُوت عيالي جوعا هَذَا مكسبي وَمِنْه معاشي وَعَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه قَالَ: أرسل عمر إِلَى الحطيئة وَأَنا عِنْده وَقد كَلمه عَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيره فَأخْرجهُ من السجْن فأنشده: مَاذَا تَقول لأفراخ بِذِي مرخ

فَبكى عمر ثمَّ قَالَ: عَليّ بالكرسي فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَشِيرُوا عَليّ فِي الشَّاعِر فَإِنَّهُ يَقُول الهجو ويشبب بِالنسَاء وينسب بِمَا لَيْسَ فيهم ويذمهم مَا أَرَانِي إِلَّا قَاطعا لِسَانه ثمَّ قَالَ: عَليّ بطست ثمَّ قَالَ: عَليّ بالمخصف عَليّ بالسكين بل عَليّ بالموس فَقَالُوا: لَا يعود يَا أَمِير وروى عبد الله بن الْمُبَارك: أَن عمر ﵁ لما أطلق الحطيئة أَرَادَ أَن يُؤَكد عَلَيْهِ الْحجَّة فَاشْترى مِنْهُ أَعْرَاض الْمُسلمين جَمِيعًا بِثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. فَقَالَ الحطيئة فِي ذَلِك:

وَأخذت أَطْرَاف الْكَلَام فَلم تدعشتماً يضر وَلَا مديحاً ينفع
وحميتني عرض اللَّئِيم فَلم يخفمني وَأصْبح آمنا لَا يفزع

وَقد ترجمنا الحطيئة فِي الشَّاهِد التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»