تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَتَيْن

فيه ١٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

ويلم أَيَّام الشَّبَاب معيشةمَعَ الكثر يعطاه الْفَتى الْمُتْلف الندي

على أَن قَوْله: معيشة تَمْيِيز عَن النِّسْبَة الْحَاصِلَة بِالْإِضَافَة كَمَا بَينه الشَّارِح الْمُحَقق.

وَقَوله: ويلم أَيَّام الخ دُعَاء فِي معنى التَّعَجُّب أَي: مَا ألذ الشَّبَاب مَعَ الْغنى. وَقد بَينا قبل هَذَا الْبَيْت أَصْلهَا وَمَعْنَاهَا. قَالَ الطبرسي فِي شرح الحماسة: ويل إِذا أضيفت بِغَيْر لَام فَالْوَجْه فِيهِ النصب تَقول: ويل زيد أَي: ألزم الله زيدا ويلاً. فَإِذا أضيفت بِاللَّامِ فَقيل: ويل لزيد فَالْوَجْه أَن ترفع على الِابْتِدَاء. وَجَاز ذَلِك مَعَ أَنه نكرَة لِأَن معنى الدُّعَاء مِنْهُ مَفْهُوم وَالْمعْنَى: الويل ثَابت لزيد. فَالْأَصْل فِي الْبَيْت: ويل لأم لذات الشَّبَاب. قصد الشَّاعِر إِلَى مدح الشَّبَاب وَحمد لذاته بَين لذات المعاش. وَقد طاع لصَاحبه الكثر وَهُوَ كَثْرَة المَال فَاجْتمع الْغنى

والشباب لَهُ وَهُوَ سخي. انْتهى.

وهذات الْبَيْت أول أَبْيَات أَرْبَعَة لعلقمة بن عَبدة. وَهِي ثَابِتَة فِي ديوانه. وَقد اقْتصر أَبُو تَمام فِي الحماسة على الْبَيْت الأول وَالثَّانِي وَهُوَ: ونسبهما لبَعض بني أَسد. ونسبهما فِي مُخْتَار أشعار الْقَبَائِل لِابْنِهِ وَهُوَ خَالِد بن عَلْقَمَة بن عَبدة. ونسبهما بَعضهم لِابْنِ ابْنه وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن عَلْقَمَة بن عَبدة. ونسبهما الأعلم الشنتمري فِي حماسته لحميد بن سجار الضَّبِّيّ. وَكَذَا هُوَ فِي حَاشِيَة الصِّحَاح مَنْسُوب لحميد.

والكثر بِضَم الْكَاف وَمثله القل: المَال الْكثير وَالْمَال الْقَلِيل يُقَال: مَاله قل وَلَا كثر. قَالَ أَبُو عبيد: سَمِعت أَبَا زيد يَقُول: الكثر وَالْكثير وَاحِد. قَالَ فِي الصِّحَاح: هما بِالضَّمِّ وَالْكَسْر.

وَقَوله: مَعَ الكثر فِي مَوضِع النصب صفة لمعيشة. وَجُمْلَة يعطاه الخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول: حَال من الكثر وَالْهَاء ضمير الكثر وَهُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي للعطاء. والفتى نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ مَفْعُوله الأول.

والمتلف بِالرَّفْع: صفة للفتى وَكَذَلِكَ الندي. وَرُوِيَ: يعطاها بضمير الْمُؤَنَّث على أَنه عَائِد على الْمَعيشَة مَعَ قيدها. والفتى قَالَ فِي الصِّحَاح: هُوَ السخي الْكَرِيم يُقَال: هُوَ فَتى بَين الفتوة وَقد تفتى وتفاتى وَالْجمع فتيَان وفتية وفتو على فعول وفتي مثل عصي. والمتلف: المفرق لمَاله يُقَال: رجل متْلف لمَاله ومتلاف بالمبالغة. والندي: السخي قَالَ فِي الصِّحَاح: وندوت من الْجُود يُقَال: سنّ وَلِلنَّاسِ الندى فندوا بِفَتْح الدَّال وَيُقَال: فلَان ندي الْكَفّ: إِذا كَانَ سخياً. وَقد رُوِيَ فِي ديوانه الْبَيْت هَكَذَا:) ويل بلذات الشَّبَاب معيشة فويلم لذات الشَّبَاب معيشة وَقَوله: وَقد يعقل القل من عقله من بَاب ضرب إِذا مَنعه. والقل بِالضَّمِّ فَاعل والفتى مفعول. وَرُوِيَ: وَقد يقصر القل من قصره: إِذا حَبسه أَو من قصرت قيد الْبَعِير: إِذا ضيقته من بَاب دخل يدْخل. وَرُوِيَ أَيْضا: وَقد يقْعد القل من أقعده: إِذا مَنعه من الْقيام لِحَاجَتِهِ.

والهم بِالْفَتْح: أول الْعَزِيمَة قَالَ ابْن فَارس: الْهم: مَا هَمَمْت بِهِ وهممت بالشَّيْء هما من بَاب قتل: إِذا أردته وَلم تَفْعَلهُ وَمثله الهمة بِالْكَسْرِ وبالتاء. وَقد يُطلق على الْعَزْم الْقوي كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَدون بِمَعْنى قبل. وأنجد: جمع نجد وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.

قَالَ فِي الصِّحَاح: وَمِنْه قَوْلهم فلَان طلاع أنجد وطلاع الثنايا: إِذا كَانَ سامياً لمعالي الْأُمُور.

وَمعنى هَذَا الْبَيْت قد تداوله الشُّعَرَاء وتصرفوا فِيهِ مِنْهُم مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ:

عرف الْحُقُوق وَقصرت أَمْوَالهعَنْهَا وضاق بهَا الْغَنِيّ الباخل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «عند الحوادث من أخيك عزيمة»

وَمِنْه قَول آخر:

أرى نَفسِي تتوق إِلَى أُمُوريقصر دون مبلغهن مَالِي
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
فَلَا نَفسِي تطاوعني ببخلوَلَا مَالِي يبلغنِي فعالي
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

وَمِنْه قَول الآخر:

إِذا أردْت مساماة تقاعد بِيعَمَّا أحاول مِنْهَا رقة الْحَال

وَقَرِيب مِنْهُ قَول الآخر:

النَّاس اثْنَان فِي زَمَانك ذَالَو تبتغي غير ذين لم تَجِد
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «الناس إثنان في زمانك ذا»
هَذَا بخيل وَعِنْده سَعَةوَذَا جواد بِغَيْر ذَات يَد
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «إني إذا ملكت قوت غد»

وَأما البيتان الأخيران من الأبيات الْأَرْبَعَة فهما:

وَقد أقطع الْخرق الْمخوف بِهِ الردىبعنس كجفن الْفَارِسِي المسرد
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ويلم لذات الشباب معيشة»
كَأَن ذراعيها على الْخلّ بعد مَاونين ذِرَاعا مائح متجرد
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ويلم لذات الشباب معيشة»

والخرق بِالْفَتْح: الأَرْض الواسعة الَّتِي تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. والردى: نَائِب فَاعل الْمخوف.

والعنس بِفَتْح الْعين وَسُكُون النُّون: النَّاقة القوية الشَّدِيدَة. والخل: مصدر خل لَحْمه خلا وخلولاً أَي: قل ونحف كَذَا فِي الْعباب.)

وَقَوله: ونين فعل مَاض من الونى بِالْقصرِ وَهُوَ الضعْف والفتور والكلال والإعياء. والمائح: الَّذِي ينزل الْبِئْر فَيمْلَأ الدَّلْو وَذَلِكَ إِذا قل مَاؤُهَا وَفعله ماح يميح. وَأما الماتح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة فَهُوَ مستقي الدَّلْو. والمتجرد: المشمّر ثِيَابه. وعَلْقَمَة شَاعِر جاهلي ونسبته كَمَا فِي الجمهرة لِابْنِ الْكَلْبِيّ والمؤتلف والمختلف للآمدي عَلْقَمَة بن عَبدة بن نَاشِرَة بن قيس بن عبيد بن ربيعَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم انْتهى.

وَعَبدَة بِفَتْح الْعين وَالْبَاء وَأما عَبدة بن الطَّبِيب فَهُوَ بِسُكُون الْبَاء. كَذَا فِي الصِّحَاح. والعبدة محركة بِمَعْنى الْقُوَّة والسّمن والبقاء وصلاءة الطّيب والأنفة.

قَالَ صَاحب المؤتلف والمختلف: عَلْقَمَة فِي الشُّعَرَاء جمَاعَة لَيْسُوا مِمَّن أعْتَمد

ذكره وَلَكِن أذكر عَلْقَمَة الْفَحْل وعلقمة الْخصي وهما من ربيعَة الْجُوع فَأَما عَلْقَمَة الْفَحْل فَهُوَ عَلْقَمَة بن عَبدة... إِلَى آخر نسبه الْمَذْكُور. ثمَّ قَالَ: وَقيل لَهُ عَلْقَمَة الْفَحْل من أجل رجل آخر يُقَال لَهُ عَلْقَمَة الْخصي.

وَأما عَلْقَمَة الْخصي فَهُوَ عَلْقَمَة بن سهل أحد بني ربيعَة بن مَالك بن زيد مَنَاة ابْن تَمِيم ذكر أَبُو يقظان أَنه كَانَ يكنى أَبَا الوضاح. قَالَ: وَكَانَ لَهُ إِسْلَام وَقدر. ومان سَبَب خصائه أَنه أسر بِالْيمن فهرب فظفر بِهِ فهرب ثَانِيَة فَأخذ وَخصي. وَكَانَ شَاعِرًا وَهُوَ الْقَائِل:

يَقُول رجال من صديق وَصَاحبأَرَاك أَبَا الوضاح أَصبَحت ثاويا
فَلَا يعْدم البانون بَيْتا يكنهموَلَا يعْدم الْمِيرَاث مني المواليا
وخفّت عُيُون الباكيات وَأَقْبلُواإِلَى مَالهم قد بنت عَنهُ بماليا

وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا لقب بالفحل لِأَنَّهُ خلف على امْرَأَة امرىء الْقَيْس لما حكمت لَهُ بِأَنَّهُ أشعر مِنْهُ.

وَذَلِكَ مَا حَكَاهُ الْأَصْمَعِي: أَن امْرَأَة الْقَيْس لما هرب من الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وجاور فِي طَيء تزوج امْرَأَة مِنْهُم يُقَال لَهَا أم جُنْدُب. ثمَّ إِن عَلْقَمَة بن عَبدة نزل عِنْده ضيفاً وتذاكر الشّعْر فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: أَنا أشعر مِنْك وَقَالَ عَلْقَمَة: أَنا أشعر مِنْك واحتكما إِلَى امْرَأَته أم جُنْدُب لتَحكم بَينهمَا فَقَالَت: قولا شعرًا تصفان فِيهِ الْخَيل على رُوِيَ وَاحِد. فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

خليليّ مرّا بِي على أمّ جُنْدُبلنقضي حاجات الْفُؤَاد المعذب

)

وَقَالَ عَلْقَمَة:

ذهبت من الهجران فِي كل مَذْهَبوَلم يَك حَقًا كل هَذَا التجنب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

ثمَّ أنشداها جَمِيعًا. فَقَالَت لامرىء الْقَيْس: عَلْقَمَة أشعر مِنْك قَالَ: وَكَيف ذَلِك قَالَت: لِأَنَّك قلت:

فللسوط ألهوب وللساق درّةوللزجر مِنْهُ وَقع أهوج منعب

فجهدت فرسك بسوطك ومريته بساقك وَقَالَ عَلْقَمَة:

فأدركهن ثَانِيًا من عنانهيمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب

فَأدْرك طريدته وَهُوَ ثَان من عنان فرسه لم يضْربهُ بِسَوْط وَلَا مراه بساق وَلَا زَجره قَالَ: مَا هُوَ بأشعر مني وَلَكِنَّك لَهُ وامق فطلّقها فخلف عَلَيْهَا عَلْقَمَة فسمّي بذلك الْفَحْل.

وَقد أورد ابْن حجر فِي الْإِصَابَة ابْنه فِي المخضرمين فِيمَن أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَلم يره قَالَ: عَليّ بن عَلْقَمَة بن عَبدة التَّمِيمِي ولد عَلْقَمَة: الشَّاعِر الْمَشْهُور الَّذِي يعرف بعلقمة الْفَحْل وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة من أَقْرَان امْرِئ الْقَيْس. ولعليّ هَذَا ولد اسْمه عبد الرَّحْمَن ذكره المرزبانيّ فِي مُعْجم الشُّعَرَاء. فَيلْزم من ذَلِك أَن يكون أَبوهُ من أهل هَذَا الْقسم لِأَن عبد الرَّحْمَن لم يدْرك النَّبِي ﷺ َ. انْتهى.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»