تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْحَادِي عشر بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

ويلمّها رَوْحَة والرّيح معصفةوالغيث مرتجز وَاللَّيْل مقترب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

لما تقدم قبله أَعنِي كَون التَّمْيِيز يكون عَن الْمُفْرد إِذا كَانَ الضَّمِير مُبْهما لَا يعرف الْمَقْصُود مِنْهُ فَإِن الضَّمِير فِي ويلمّها لم يتَقَدَّم لَهُ مرجع فَهُوَ مُبْهَم ففسره بقوله: رَوْحَة: فَهُوَ تَمْيِيز عَن الْمُفْرد أَي: ويلمّ هَذِه الروحة فِي حَال عصف الرّيح. فجملة وَالرِّيح معصفة حَال. ومعصفة: شَدِيدَة يُقَال: أعصفت الرّيح وعصفت لُغَتَانِ والغيث هُنَا: الْغَيْم. ومرتجز: مصوّت يُرِيد صَوت الرَّعْد والمطر. ومقترب: قد قرب.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة طَوِيلَة جدا لذِي الرمة. وَهَذَا الْبَيْت من أواخرها. شبّه بعيره بالنعام فِي شدّة الْعَدو ثمَّ وصف النعام بِمَا يَقْتَضِي شدَّة إسراعه فَقَالَ:

حَتَّى إِذا الهيق أَمْسَى شام أفرخهوهنّ لَا مؤيس نأياً وَلَا كثب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
يرقدّ فِي ظلّ عرّاص ويطردهحفيف نافجة عنوانها حصب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
تبري لَهُ صعلة خرجاء خاضعةفالخرق دون بَنَات الْبيض منتهب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»
كَأَنَّهَا دلو بِئْر جدّ ماتحهاحَتَّى إِذا مَا رَآهَا خانها الكرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

ويلمّها رَوْحَة

لَا يذخران من الإيغال بَاقِيَةحَتَّى تكَاد تفرّى عَنْهُمَا الأهب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

الهيق بِالْفَتْح: ذكر النعام. وشام: نظر إِلَى نَاحيَة فِرَاخه. وأفرخ: جمع فرخ. وهنّ أَي: الأفرخ.

والنأي: الْبعد. والكثب بِفَتْح الْكَاف والمثلثة الْقرب. يَقُول: موضعهن لَيْسَ مِنْهُ بالبعيد الَّذِي يؤيسه من أَن يطلبهن أَي: يحملهُ على الْيَأْس وَلَا بالقريب فيفتر. وَقَوله: يرقد أَي: يعدو الهيق عدوا شَدِيدا. والعرّاص بمهملات: غيم كثير الْبَرْق. والحفيف بإهمال الأول: صَوت الرّيح.

والنافجة: الرّيح الشَّدِيدَة الْبَارِدَة. وعنوانها: أوائلها. وحصب بِفَتْح فَكسر: فِيهِ تُرَاب وحصباء وَهَذَا مِمَّا يُوجب الْإِسْرَاع إِلَى المأوى.

وَقَوله: تبري لَهُ صعلة الخ تبري: تعرض لهَذَا الهيق. صعلة: نعَامَة دقيقة الْعُنُق وصغيرة الرَّأْس.

خرجاء: مؤنث الأخرج وَهُوَ مَا فِيهِ سَواد وَبَيَاض. خاضعة: فِيهَا طمأنينة. والخرق بِالْفَتْح: الأَرْض الْبَعِيدَة تنخرق فِيهَا الرِّيَاح. وَبَنَات الْبيض: الْفِرَاخ لِأَنَّهَا تخرج من الْبَيْضَة. يَقُول: الهيق والصعلة يعدوان عدوا شَدِيدا كَأَنَّهُمَا ينتهبان الأَرْض انتهاباً كَأَنَّهُمَا يأكلانها من شدَّة الْعَدو)

فهما يركضان إِلَى فراخهما خَائِفين الْبرد والمطر وَغَيرهمَا.

وَقَوله: كَأَنَّهَا دلو الخ أَي: كَأَن هَذِه الصعلة دلو انْقَطع حبلها بعد أَن وصلت إِلَى فَم الْبِئْر فمضت تهوي شبّهها بِهَذِهِ الدَّلْو الَّتِي هوت إِلَى أَسْفَل. وجدّ: اجْتهد. والماتح بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّة: المستقي من الْبِئْر بالدلو. وَالْكرب: العقد الَّذِي على عراقيّ الدَّلْو والعراقيّ: العودان اللَّذَان فِي وسط الدَّلْو. وَالْمرَاد بخانها الكرب انْقَطع.

وَقَوله: ويلمّها رَوْحَة الخ أَي: ويل أم هَذِه الروحة. وَإِنَّمَا لم يجز أَن يعود الضَّمِير على صعلة كَمَا عَاد عَلَيْهَا ضمير كَأَنَّهَا فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم لِأَنَّهُ قد فسّر

بروحة وَالتَّفْسِير يجب أَن يكون عين المفسّر والروحة غير الصعلة فَلَا يفسّرها. وَلَو قَالَ: ويلمّها رَائِحَة لَكَانَ مرجع الضَّمِير مَعْلُوما: من صعلة وَكَانَ من تَمْيِيز النِّسْبَة لَا الْمُفْرد. والروحة: مصدر رَاح يروح رواحاً وروحة: نقيض غَدا يَغْدُو غدوّاً. والرواح أَيْضا: اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل.

وَقَوله: لَا يذخران أَي: لَا يبقيانن يَعْنِي الهيق والصعلة. والإيغال: الجدّ فِي الْعَدو. والباقية: الْبَقِيَّة. وتفرّى: تشقق. والأهب بِضَمَّتَيْنِ: جمع إهَاب أَرَادَ جلودهما. وَهَذَا غَايَة فِي شدَّة الْعَدو.

وَاعْلَم أنّ قَوْلهم: ويلمّه وويلمّها قَالَ ابْن الشجريّ: يرْوى بِكَسْر اللَّام وضمّها وَالْأَصْل ويل لأمّه فَحذف التَّنْوِين فَالتقى مثلان: لَام ويل وَلَام الْخَفْض فأسكنت الأولى وأدغمت فِي الثَّانِيَة فَصَارَ ويلّ أمّ مشدداً وَاللَّام مَكْسُورَة فخفّف بعد حذف الْهمزَة بِحَذْف إِحْدَى اللامين. فَأَبَوا عليّ وَمن أَخذ أَخذه نصّوا على أَن الْمَحْذُوف اللَّام المدغمة فأقرّوا لَام الْخَفْض على كسرتها وَآخَرُونَ نصّوا على أَن المحذوفة لَام الْخَفْض وحرّكوا اللَّام الْبَاقِيَة بالضمة الَّتِي كَانَت لَهَا فِي الأَصْل. انْتهى.

قَالَ أَبُو عليّ فِي الْإِيضَاح الشعري: حذف الْهمزَة من أمّ فِي هَذَا الْموضع لَازم على غير قِيَاس كَقَوْلِه: يابا الْمُغيرَة وَالدُّنْيَا مفجّعة ثمَّ سُئِلَ لم لَا يجوز أَن يكون الأَصْل وي لامّه فَتكون اللَّام جارّة ووي التعجّب فَأجَاب بِأَن الَّذِي يدلّ على أَن الأَصْل ويل لأمه والهمزة من أمّ محذوفة قَول الشَّاعِر:

لأم الأَرْض ويل مَا أجنتغَدَاة أضرّ بالْحسنِ السَّبِيل
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة

)

وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد أدب الْكَاتِب: ويلمه بِكَسْر اللَّام وضمّها: فالضم أجَاز فِيهِ ابْن جني وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه حذف الْهمزَة وَاللَّام وَألقى ضمّة الْهمزَة على لَام الجرّ كَمَا رُوِيَ عَنْهُم الْحَمد لله بِضَم لَام الْجَرّ. وثَانِيهمَا: أَن يكون حذف الْهمزَة وَلَام الْجَرّ وَتَكون اللَّام المسموعة هِيَ لَام ويل. وَأما كسر اللَّام فَفِيهَا ثَلَاثَة أوجه: أَحدهمَا أَن يكون أَرَادَ ويل أمه بِنصب ويل وإضافته إِلَى الْأُم ثمَّ حذف الْهمزَة لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَكسر لَام ويل إتباعاً لكسرة الْمِيم.

وَالثَّانِي: أم يكون أَرَادَ ويل لأمه بِرَفْع ويل على الِابْتِدَاء ولأمه خَبره وَحذف لَام ويل وهمزة أم كَمَا قَالُوا أيش لَك يُرِيدُونَ أَي شَيْء. فَاللَّام المسموعة على هَذَا لَام الْجَرّ.

وَالثَّالِث: أَن يكون الأَصْل ويل لأمه فَيكون على هَذَا قد حذف همزَة أم لَا غير وَهَذَا عِنْدِي أحسن هَذِه الْأَوْجه لِأَنَّهُ أقل للحذف والتغيير. وَأَجَازَ ابْن جني أَن تكون اللَّام المسموعة هِيَ لَام ويل على أَن يكون حذف همزَة أم وَلَام الْجَرّ وَكسر لَام ويل إتباعاً لكسرة الْمِيم. وَهَذَا بعيد جدا. هَذَا إعلالها. وَأما مَعْنَاهَا فَهُوَ مدح خرج بِلَفْظ الذَّم: وَالْعرب تسْتَعْمل لفظ الذَّم فِي الْمَدْح يُقَال: أَخْزَاهُ الله مَا أشعره ولعنه الله مَا أجرأه وَكَذَلِكَ يستعملون لفظ الْمَدْح فِي الذَّم يُقَال للأحمق: يَا عَاقل وللجاهل: يَا عَالم: وَمعنى هَذَا يَا أَيهَا الْعَاقِل عِنْد نَفسه أَو عِنْد من يَظُنّهُ عَاقِلا. وَأما قَوْلهم: أَخْزَاهُ الله مَا أشعره وَنَحْو ذَلِك من الْمَدْح الَّذِي يخرجونه بِلَفْظ الذَّم فَلهم فِي ذَلِك غرضان: أَحدهمَا: أَن الْإِنْسَان إِذا رأى الشَّيْء فَأثْنى عَلَيْهِ ونطق باستحسانه فَرُبمَا أَصَابَهُ بِالْعينِ وأضر بِهِ فيعدلون عَن مدحه إِلَى ذمه لِئَلَّا يؤذوه.

وَالثَّانِي: أَنهم يُرِيدُونَ أَنه قد بلغ غَايَة الْفضل وَحصل فِي حد من يذم ويسب لِأَن الْفَاضِل يكثر حساده والمعادون لَهُ والناقص لَا يلْتَفت إِلَيْهِ: وَلذَلِك كَانُوا يرفعون أنفسهم عَن مهاجاة الخسيس ومجاوبة السَّفِيه.

وَفِي الْقَامُوس: رجل ويلمه بِكَسْر اللَّام وَضمّهَا داه: وَيُقَال للمستجاد: ويلمه أَي: ويل لمه وَهَذَا اسْتِعْمَال ثَان جعل الْمركب فِي حكم الْكَلِمَة الْوَاحِدَة: وَلَيْسَت الْهَاء فِي آخِره ضميراً بل)

هِيَ هَاء تَأْنِيث للْمُبَالَغَة فَلَا تَعْرِيف: وَلِهَذَا يَقع وَصفا للنكرة قَالَ أَبُو زيد فِي كتاب مسائية.

يُقَال هُوَ رجل ويلمّه.

وروى ابْن جنّي فِي سر الصِّنَاعَة عَن أبي عَليّ عَن الْأَصْمَعِي أَنه يُقَال: رجل ويلمّة. قَالَ: وَهُوَ من قَوْلهم: ويلمّ سعد سَعْدا والاشتقاق من الْأَصْوَات بَاب يطول استقصاؤه وعَلى هَذَا يجوز دُخُول لَام التَّعْرِيف عَلَيْهِ قَالَ الرياشي: الويلمة من الرِّجَال: الداهية الشَّديد الَّذِي لَا يُطَاق. وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول أبي الْحسن الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على كتاب مسائية: من كَلَام الْعَرَب السائر أَن يَقُولُوا للرجل الداهية: إِنَّه لَو يلمه صمحمحا والصمحمح: الشَّديد هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف وَالَّذِي حَكَاهُ أَبُو زيد غير مُمْتَنع جعله اسْما وَاحِدًا.

فأعربه. فاما حِكَايَة الرياشي: فِي إِدْخَال الْألف وَاللَّام على اسْم مُضَاف فَلَا أعلم لَهُ وَجها. انْتهى.

أَقُول: الَّذِي رَوَاهُ عَن الْعَرَب من قَوْلهم: إِنَّه لَو يلمه صمحمحا غير الَّذِي قَالَه أَبُو زيد كَمَا بَيناهُ: فَإِنَّهُ جعل الكلمتان فِي حكم كلمة وَاحِدَة فَلَا إِضَافَة فِيهِ وَالْهَاء للْمُبَالَغَة والكلمة حِينَئِذٍ نكرَة وترجمة ذِي الرمة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن فِي أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده وَهُوَ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»