من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْن
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّابِع عشر بعد الْمِائَتَيْنِ وَهُوَ من شَوَاهِد س:
تَقول ابْنَتي حِين جد الرحيل أبرحت رَبًّا وأبرحت جارا
على أَن رَبًّا وجاراً تمييزان. قَالَ ابْن السراج فِي الْأُصُول: وَأما الَّذِي ينْتَصب انتصاب الِاسْم بعد الْمَقَادِير فَقَوله: ويحه رجلا وَللَّه دره رجلا وحسبك بِهِ رجلا قَالَ عَبَّاس بن مرداس:
وَمرَّة يجمعهُمْ إِذا مَا تبددواويطعنهم شزراً فأبرحت فَارِسًا
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: كَأَنَّهُ قَالَ: فَكفى بك فَارِسًا وَإِنَّمَا يُرِيد كغيت فَارِسًا وَدخلت هَذِه الْبَاء توكيداً. وَمِنْه قَول الآعشى: فأبرحت رَبًّا وأبرحت جاراً وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأعشى مدح بهَا قيس بن معد يكرب الْكِنْدِيّ وَكَانَ الْأَعْشَى مدحه بقصيدة دالية فَقَالَ لَهُ قيس: إِنَّك تسرق الشّعْر فَقَالَ لَهُ الْأَعْشَى:
قيدني فِي بَيت حَتَّى أَقُول لَك شعرًا. فحبسه وَقَيده. فَقَالَ عِنْد ذَلِك هَذِه القصيدة. وَزعم ابْن قُتَيْبَة أَن الْقَائِل لَهُ إِنَّمَا هُوَ النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهَذَا غير صَحِيح بِدَلِيل قَوْله فِيهَا:...
إِلَى الْمَرْء قيس نطيل السرىونطوي من الأَرْض تيهاً قفارا
أأزمعت من آل ليلى ابتكاراوشطت على ذِي هوى أَن تزارا
إِلَى أَن قَالَ بعد ثَلَاثَة أَبْيَات:
وشوق علوق تناسيتهبزيافة تستخف الضفارا
بَقِيَّة خمس من الراسمات بيض تشبههن الصوارا
دفعن إِلَى اثْنَيْنِ عِنْد الْخُصُوصوَقد حبسا بَينهُنَّ الإصارا
فَهَذَا يعد لَهُنَّ الخلاوينقل ذَا بَينهُنَّ الحضارا
فَكَانَت بقيتهن الَّتِيتروق الْعُيُون وتقضي السفارا
فأبقى رواحي وسير الغدومِنْهَا ذؤاب جداء صغَارًا
أَقُول لَهَا حِين جد الرحيل أبرحت جدا وأبرحت جارا
إِلَى الْمَرْء قيس نطيل السرىونطوي من الأَرْض تيهاً قفارا
فَلَا تشتكن إِلَيّ السفاروَطول العنا واجعليه اصطبارا
)
رواح الْعشي وسير الغدويَد الدَّهْر حَتَّى تلاقي الخيارا
تلاقين قيسا وأشياعهيسعر للحرب نَارا فنارا
قَوْله: وشوق علوق أَي: رب شوق وَهُوَ مُضَاف إِلَى علوق. والعلوق بِفَتْح الْمُهْملَة: النَّاقة الَّتِي تعطف على غير وَلَدهَا فَلَا ترأمه وَإِنَّمَا تشمه بأنفها وتمنع لَبنهَا. والعلوق أَيْضا من النِّسَاء: الَّتِي لَا تحب غير زَوجهَا وَمن النوق: الَّتِي لَا تألف الْفَحْل وَلَا ترأم الْوَلَد. والزيافة: النَّاقة المسرعة وَقيل المتبخترة من زاف يزيف زيفاً: إِذا تبختر فِي مشيته. والضفار جمع ضفرة وضفيره بالضاد الْمُعْجَمَة وَالْفَاء وَهِي البطان المعرض والبطان بِالْكَسْرِ هُوَ للقتب الحزام الَّذِي يَجْعَل تَحت بطن الْبَعِير وَهُوَ بِمَنْزِلَة التصدير للرحل.
وَقَوله: بَقِيَّة خمس أَي: تِلْكَ الزيافة بَقِيَّة نُوق خمس. والراسمات من الرسيم وَهُوَ ضرب من سير الْإِبِل السَّرِيع وَقد رسم يرسم رسيماً. وبيض: جمع بَيْضَاء أَي: كَرِيمَة. والصوار بِضَم الصَّاد وَكسرهَا: القطيع من بقر الْوَحْش وَالْجمع صيران.
وَقَوله: دفعن إِلَى اثْنَيْنِ اخ أَي: دفع قرينه تِلْكَ النوق الْخمس إِلَى رجلَيْنِ عِنْد الْخُصُوص وَهُوَ مَوضِع قرب الْكُوفَة. والإصار بِكَسْر الْهمزَة قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: والإصار والأيصر: حَبل قصير يشد بِهِ فِي أَسْفَل الخباء إِلَى وتد وكل حبس يحبس بِهِ شَيْء أَو يشد بِهِ فَهُوَ إصار قَالَ الْأَعْشَى يصف النوق.. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: فَهَذَا يعد أَي: يُهَيِّئ. والخلا بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْحَشِيش الرطب. والحضار بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا وَبعدهَا ضاد مُعْجمَة: الكرائم من الْإِبِل كالهجان: واحده وَجمعه سَوَاء.
وَقَوله: فأبقى رواحي الخ الرواح: مصدر رَاح يروح وَهُوَ نقيض غَدا يَغْدُو غدواً. والذؤاب: جمع ذؤابة بذال مَضْمُومَة بعْدهَا همزَة فموحدة وَهِي الْجلْدَة الَّتِي تعلق على آخِرَة الرحل.
والجداء: جمع جدية بِالْجِيم وَهِي شَيْء يحشى تَحت دفتي السرج والرحل.
أَرَادَ أَنَّهَا لم يبْق من ظهرهَا شَيْء من كَثْرَة السّير. ثمَّ بعد وصف ضمرها ببيتين آخَرين قَالَ: أَقُول لَهَا حِين جد الرحيل
أَي: أَقُول لتِلْك الزيافة. وجد بِمَعْنى اشْتَدَّ. وأبرحت بِكَسْر التَّاء خطاب للزيافة.
قَالَ أَبُو عبيد فِي الْغَرِيب المُصَنّف: مَا أَبْرَح هَذَا الْأَمر: مَا أعجبه. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ شَارِح أبياته ابْن السيرافي: الْمَعْنى اخْتَرْت ربّاً وَهُوَ الْملك وجاراً عَظِيم الْقدر. وَقيل)
أبرحت أعجبت قَالَ صَاحب الصِّحَاح وَتَبعهُ صَاحب الْعباب: وأبرحه أَي: أعجبه.
وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَقَالَ: أَي: أعجبت وبالغت. وأبرحه أَيْضا بِمَعْنى أكْرمه وعظّمه.. وعَلى هَذَا ف ربّاً مفعول بِهِ وَهُوَ بِمَعْنى الْمَالِك وَالسَّيِّد وَالْمرَاد بِهِ نفس الشَّاعِر أَو ممدوحه. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمُتَبَادر من سوق الْكَلَام.
وَقَالَ صَاحب الْعباب: ويروى: تَقول لَهُ حِين حَان الرحيل أبرحت أَي: تَقول للأعشى النَّاقة: أبرحت بِي فِي طلب رَبك هَذَا الَّذِي طلبته وعذّبتني وحسرتني انْتهى.
وعَلى هَذَا فأبرحت مَعْنَاهُ أصبتني بالبرح وَهُوَ الشدَّة وَالْعَذَاب وَيكون رَبًّا أَصله فِي طلب رَبك. وَلَا يخفى هَذَا التعسف مَعَ أَن هَذِه الرِّوَايَة غير ثَابِتَة وَغير منسجمة مَعَ ضمير الْغَائِب.
وَقَالَ ابْن حبيب: يُرِيد: تَقول لَهُ نَاقَته: أعظمت وأكرمت أَي: اخْتَرْت رَبًّا كَرِيمًا وجاراً عَظِيم الْقدر يبرح بِمن طلب شأوه. وَرُوِيَ أَيْضا كَمَا فِي الشَّرْح: تَقول ابْنَتي حِين جدّ الرحيل وَإِنَّمَا رُوِيَ فِي كتاب س وَفِي نَوَادِر أبي زيد الْعَجز مَقْرُونا بِالْفَاءِ هَكَذَا:
فأبرحت ربّاً وأبرحت جارا
وتمّمه شرَّاح شواهده بِمَا ذكره الشَّارِح. وَهَذِه الرِّوَايَة لَا ارتباط لَهَا بِمَا بعْدهَا كَمَا هُوَ الظَّاهِر. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَمَا فِي النَّوَادِر: أبرحت فِي معنى صادفت كَرِيمًا. وَقَالَ غَيره: أبرحت بِمن أَرَادَ اللحاق بك تَبْرَح بِهِ فَيلقى دون ذَلِك شدَّة. والبرح: الْعَذَاب والشدة وَمن ذَلِك برّحت بفلان انْتهى.
فالرب على الأول الممدوح وعَلى الثَّانِي الصاحب. وَقَالَ النّحاس: قَالَ الْأَصْمَعِي: أبرحت ربّاً أَي: أبلغت. وَقَالَ الأسعدي: أَبْرَح فلَان رجلا: إِذا فَضله. وَهَذَا كُله على أَن ربّاً مفعول بِهِ لَا تَمْيِيز.
وَقَالَ الأعلم: قَوْله: فأبرحت رَبًّا الخ الشَّاهِد فِيهِ نصب ربّ وَدَار على التَّمْيِيز. وَالْمعْنَى أبرحت من ربّ وَمن جَار أَي: بلغت غَايَة الْفضل فِي هَذَا النَّوْع. وَصدر الْبَيْت: تَقول ابْنَتي حِين جدّ الرحيل أبرحت ربّاً)
وَالْمعْنَى على هَذَا. أَبْرَح رَبك وأبرح جَارك. ثمَّ جعل الْفِعْل لغير الرب وَالْجَار كَمَا تَقول: طبت نفسا أَي: طابت نَفسك. وَهَذَا أبين من التَّفْسِير الأول وَعَلِيهِ يدل صدر الْبَيْت. وَأَرَادَ بالرب الْملك الممدوح. وكل من ملك شَيْئا فَهُوَ ربه. انْتهى.
وَقَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: أبرحت أَي: جِئْت بالبرح وصرت ذَا برح والبرح: الشدَّة. فَمَعْنَى أبرحت صرت ذَا شدَّة وَكَمَال أَي: بالغت وكملت رَبًّا. فَهُوَ نَحْو كفى زيد رجلا أَي: أَبْرَح جَار هُوَ أَنْت.. فالرب على قَول الأعلم الممدوح وعَلى قَول الشَّارِح نفس الشَّاعِر وَمعنى الْبَيْت على هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِقطع
النّظر عَمَّا بعده وَقَبله وَإِلَّا فَلَا يُنَاسب السِّيَاق. والمقدار الَّذِي أوردهُ س عجز للصدر الَّذِي هُوَ: أَقُول لَهَا حِين جد الرحيل وَالْفَاء من تصرف النسّاخ فَتكون التَّاء مَكْسُورَة وَالْمعْنَى على مَا ذكره الأعلم وَالله أعلم وَأورد قبله قَول الْعَبَّاس بن مرداس السّلمِيّ:
وَمرَّة يحميهم إِذا مَا تبددواويطعنهم شزراً فأبرحت فَارِسًا
قَالَ الأعلم: الْمَعْنى فأبرحت من فَارس أَي: بالغت وتناهيت فِي الفروسية وأصل أبرحت من البراح وَهُوَ المتسع من الأَرْض المنكشف أَي: تبين فضلك تبين البراح من الأَرْض.
وترجمة الْأَعْشَى مَيْمُون تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين وترجمة قيس أَيْضا تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي بعد الْمِائَتَيْنِ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع