تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الْمِائَتَيْن

فيه ٤ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد الثَّامِن عشر بعد الْمِائَتَيْنِ يَا جارتا مَا أَنْت جَاره على أَن جَارة تَمْيِيز لِأَن مَا الاستفهامية تفِيد التفخيم أَي: كملت جَارة. وَهَذَا المصراع عجز وصدره: بَانَتْ لتحزننا عفاره

وَالْبَيْت مطلع قصيدة للأعشى مَيْمُون.. قَالَ الشاطبي فِي شرح الألفية: أجَاز الْفَارِسِي أَن تكون جَارة فِي هَذَا الْبَيْت تمييزاً لجَوَاز دُخُول من عَلَيْهَا لِأَن مَا اسْتِفْهَام على معنى التَّعَجُّب فجارة يَصح أَن يُقَال فِيهَا: مَا أَنْت من جَارة كَمَا قَالَ الآخر:

يَا سيداً مَا أَنْت من سيدموطّأ الأكتاف رحب الذّراع

وروى أَوله أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر:

بَانَتْ لطيّتها عرارهيَا جَارة مَا أَنْت جَاره

والطية بِالْكَسْرِ وَتَشْديد الْيَاء التَّحْتِيَّة: النِّيَّة وَالْقَصْد. وعرارة: امْرَأَة وَقَالَ قبله فِي قَول الشَّاعِر: وَأَنت مَا أَنْت فِي غبراء مظْلمَة الظّرْف حَال وَالْعَامِل مَا فِي قَوْله: مَا أَنْت من معنى الْمَدْح والتعظيم كَأَنَّهُ قَالَ: عظمت حَالا فِي غبراء. وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مَا يَصح أَن يكون عَاملا فِي الظّرْف غير مَا ذكرنَا وَإِذا صَحَّ معنى الْفِعْل وَذَلِكَ من حَيْثُ ذكرنَا كَانَ قَول الْأَعْشَى: جَارة فِي مَوضِع نصب بِمَا فِي مَا أَنْت كَمَا ذكرنَا. انْتهى.

وَلَا يَصح أَن تكون مَا نَافِيَة كَمَا زَعمه الْعَيْنِيّ لِأَن نصب جَارة على التَّمْيِيز إِنَّمَا هُوَ من الِاسْتِفْهَام التعجبي. وَهَذِه عِبَارَته: مَا نَافِيَة وَأَنت مُبْتَدأ وجارة خبر. ويروى: مَا كنت جَاره فَهَذَا يُؤَكد معنى النَّفْي. وَيجوز أَن تكون مَا استفهامية فِي مَوضِع الرّفْع على الِابْتِدَاء وَأَنت وَلَا يخفى أَن الْمَعْنى لَيْسَ على النَّفْي وَإِنَّمَا هُوَ على التَّعَجُّب كَمَا ذكره الْجَمَاعَة. وبَانَتْ: من الْبَين وَهُوَ الْفِرَاق. وَقَوله: لتحزننا يجوز فتح التَّاء وَضمّهَا

فَإِنَّهُ يُقَال حزنه يحزنهُ وَهِي لُغَة قُرَيْش وأحزنه يحزنهُ وَهِي لُغَة تَمِيم وَقد قرىء بهما. وحزن يَأْتِي لَازِما أَيْضا يُقَال: حزن الرجل فَهُوَ حزن وحزين من بَاب فَرح يفرح. وعفارة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: اسْم امْرَأَة وَهِي فَاعل لأحد الْفِعْلَيْنِ على سَبِيل التَّنَازُع.)

وَقَوله: يَا جارتا الخ هُوَ الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وجارة الرجل: امْرَأَته الَّتِي تجاوره فِي الْمنزل.. ومَا: اسْم اسْتِفْهَام مُبْتَدأ عِنْد س وَأَنت الْخَبَر وَعند الْأَخْفَش بِالْعَكْسِ. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: عفارة: امْرَأَة يحْتَمل أَن تكون هِيَ الجارة أَو غَيرهَا فَإِن كَانَت عينهَا فقد اتنقل من الْإِخْبَار إِلَى الْخطاب والجارة هُنَا زَوجته انْتهى.

وَالظَّاهِر أَن الجارة عي عفارة وَأَنَّهَا عشيقته فَتَأمل. ثمَّ رَأَيْت فِي شرح شَوَاهِد الْإِيضَاح لأبي عَليّ الْفَارِسِي لِابْنِ بري قَالَ وَأنْشد: يَا جارتا مَا أَنْت جَاره وَقَبله: بَانَتْ لتحزننا عفاره بَانَتْ لطيتها عفارة هُوَ لأعشى بني قيس والجارة هُنَا زوجه قَالَ ابْن دُرَيْد والطية: الْمنزل الَّذِي تنويه. وعفارة اسْم امْرَأَة وَيحْتَمل أَن تكون هِيَ الجارة وَغَيرهَا فَإِن كَانَت الجارة فقد انْتقل من الْإِخْبَار إِلَى الْخطاب. وَقَوله: يَا جارتا يُرِيد يَا جارتي فأبدل من الكسرة فَتْحة فَانْقَلَبت الْيَاء ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا وَيجوز أَن تكون ألف الندبة لما وَصلهَا حذف الْهَاء كَأَنَّهُ لما فقدها ندبها.

وَقَوله: مَا أَنْت جَاره مَا نَافِيَة وأَنْت مُبْتَدأ أَو اسْم مَا وجَارة إِمَّا فِي مَوضِع نصب خبر لما وَإِمَّا فِي مَوضِع رفع خبر أَنْت. ويروى: مَا كنت

فَهَذَا يُؤَكد النَّفْي كَمَا قَالَ تَعَالَى مَا هَذَا بشرا وَيجوز أَن تكون مَا استفهاماً فِي مَوضِع رفع بِأَنَّهَا خبر أَنْت وجارة فِي مَوضِع نصب على التَّغْيِير أَي: مَا أَنْت من جَاره.

وَيجوز أَن تكون حَالا وَالْعَامِل فِيهَا معنى الْكَلَام أَي: كرمت جَارة أَو نبلت جَارة. وَيجوز أَن تكون مَا مُبْتَدأ وَإِن كَانَت نكرَة لما فِيهَا من معنى التفخيم والتعجب وَلِأَنَّهَا تقع صَدرا غير أَنه أوقعهَا على من يعقل فَكَانَ الْوَجْه مَا بدأنا بِهِ.

هَذَا كَلَامه برمتِهِ وتعسفه ظَاهر.

وَقَالَ شَارِح آخر لأبيات الْإِيضَاح: جلبه أَبُو عَليّ شَاهدا على أَن جَارة الْمَوْقُوف عَلَيْهَا يحْتَمل أَن تكون تمييزاً لِإِمْكَان إِدْخَال من عَلَيْهَا. وَيحْتَمل أَن تكون حَالا. ثمَّ إِنَّه أَخذ جَمِيع الْكَلَام الَّذِي نَقَلْنَاهُ من ابْن بري.)

وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت الْحِوَالَة عَلَيْهَا فِي الْبَيْت الَّذِي قبل هَذَا. وَبعد هَذَا الْبَيْت:

أرضتك من حسن وَمندلّ تخالطه غراره
وسبتك حِين تبسمتبَين الأريكة والستاره
للشاعر الأعشى، من قصيدة «يا جارتي ما كنت جاره»

والغرارة بِفَتْح الْمُعْجَمَة: الغفلى كالغرة بِالْكَسْرِ. والأريكة: السرير المزين وَالْجمع أرائك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»