تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ١٣ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وإنّ أمرأً أسرى إِلَيْك ودونهمن الأَرْض موماةٌ وبيداء سملق
لمحقوقةٌ أَن تستجيبي لصوتهوَأَن تعلمي أَن المعان موفّق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

على أَن الْكُوفِيّين أَجَازُوا ترك التَّأْكِيد بالمنفصل فِي الصّفة الْجَارِيَة على غير من هِيَ لَهُ إِن أَمن اللّبْس فَإِن قَوْله: لمحقوقة خبر عَن اسْم إِن وَهُوَ فِي الْمَعْنى للْمَرْأَة المخاطبة وَلم يقل لمحقوقة أَنْت.

وَأَقُول: الظَّاهِر من كَلَام ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَمن كَلَام ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف وَمن كَلَام غَيرهمَا أَن مَذْهَب الْكُوفِيّين جَوَاز ترك التَّأْكِيد مُطلقًا سَوَاء أَمن اللّبْس أم لَا.

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: احْتج الْكُوفِيُّونَ لمذهبهم بالشعر الْمُتَقَدّم وَبِقَوْلِهِ:

ترى أرباقهم متقلّديهاكَمَا صدئ الْحَدِيد على الكماة

وَلَو كَانَ إبراز الضَّمِير وَاجِبا لقَالَ متقلديها هم فَلَمَّا لم يبرز الضَّمِير دلّ على جَوَازه. وَأجَاب البصريون عَن هَذَا بِأَنَّهُ على حذف مُضَاف أَي: ترى أَصْحَاب أرباقهم متقلديها. وَعَن الأول بجوابين: أَحدهمَا: مَا نَقله ابْن الشجري عَن أبي عَليّ وَهُوَ أَنه لَيْسَ فِي قَوْله محقوقة ضمير لِأَنَّهُ مُسْند إِلَى الْمصدر الَّذِي هُوَ أَن تستجيبي فالتقدير لمحقوقة استجابتك فَجعل التَّأْنِيث فِي قَوْله لمحقوقة للاستجابة للْمَرْأَة حَتَّى إِنَّه لَو قَالَ: لمحقوق بالتذكير لجَاز لِأَن تَأْنِيث الاستجابة غير حَقِيقِيّ.

وَحَاصِله أَن الْمصدر المؤول نَائِب الْفَاعِل لقَوْله محقوقة. وَإِلَى هَذَا ذهب ابْن هِشَام فِي شرح شواهده.

وَالْجَوَاب الثَّانِي مَا ذكره ابْن الْأَنْبَارِي بِأَن قَوْله أَن تستجيبي مُبْتَدأ مُؤخر ومحقوقة خبر مقدم وَالْجُمْلَة خبر اسْم إِن والرابط الضَّمِير فِي لصوته.

وَيحْتَمل هذَيْن الجوابين مَا نَقله السكرِي فِي كتاب التَّصْحِيف قَالَ: أَخْبرنِي أبي قَالَ: أخبرنَا عسل بن ذكْوَان قَالَ: قَالَ أَبُو عُثْمَان الْمَازِني: سَأَلَني الْأَصْمَعِي لم أنث محقوقة قلت: لِأَنَّهُ مَوضِع مصدر مؤنث لِأَن مَعْنَاهُ استجابتك لصوته وَأَن تستجيبي هِيَ استجابتك. فَلم يرد عَليّ شَيْئا. اه.

وَأجَاب صَاحب اللّبَاب بِأَن هَذَا لضَرُورَة الشّعْر وَلم يرتض الجوابين الْمَذْكُورين. قَالَ فِيمَا أملاه)

على اللّبَاب: قَوْله لمحقوقة إِنَّمَا جرى على غير من هُوَ لَهُ

لِأَن التَّقْدِير وَإِن امْرأ محقوقة بالاستجابة.

لَا يُقَال جَازَ أَن يكون أَن تستجيبي فاعلى محقوقة أَو مُبْتَدأ خَبره محقوقة مقدما لِأَنَّهُ يُقَال: زيد حقيق بالاستجابة فيسند إِلَى الذَّات وَلَا يُقَال الاستجابة حَقِيقَة بزيد. وَلذَلِك يتَأَوَّل قَوْله تَعَالَى: حقيقٌ علَى أَن لَا أَقُول كَمَا هُوَ مَذْكُور فِي الْكَشَّاف. اه.

وَأَجَازَ شَارِحه الفالي مَا مَنعه وَأجَاب عَمَّا أوردهُ فَقَالَ: وَيُمكن أَن يُقَال إِن قَوْله أَن تستجيبي مُبْتَدأ مُؤخر ومحقوقة خبر مقدم وَالْجُمْلَة خبر إِن فقد جرت على من هِيَ لَهُ. ومحقوقة بِمَعْنى جديرة. يُقَال: أَنْت حقيق أَن تفعل كَذَا وَزيد حقيق بِهِ ومحقوق بِهِ أَي: خليق لَهُ.

وَكَانَ حَقه أَن يسند إِلَى الذَّات فَيُقَال: زيد حقيق بالاستجابة لَا أَن الاستجابة حَقِيقَة بزيد.

وَنَظِير ذَلِك مَا اسْتشْكل من قَوْله تَعَالَى: حَقيقٌ علَى أنْ لَا أقولَ على اللَّهِ إلَاّ الحقَّ فِيمَن قَرَأَ بِغَيْر وَتَأَول بتأويلات أَحدهَا: أَنه على الْقلب وَالثَّانِي: أَن مَا لزمك فقد لَزِمته. وَالثَّالِث: أَن المُرَاد حقيق على ترك القَوْل إِذْ أكون أَنا قَائِله وَلَا يرضى إِلَّا بمثلي ناطقاً بِهِ. اه.

وَالْبَيْت الأول من هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قد أنْشدهُ الشَّارِح فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَتَيْنِ من بَاب الْحَال وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مَعَ أَبْيَات من أول القصيدة هُنَاكَ.

وَالْقَصِيدَة للأعشى مَيْمُون.

وَقَبله:

وخرقٍ مجوفٍ قد قطعت بجسرةٍإِذا خبّ آلٌ وَسطه يترقرق
هِيَ الصّاحب الْأَدْنَى وبيني وَبَينهَامجوفٌ علافيٌّ وقطعٌ ونمرق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»
وتصبح من غبّ السّرى وكأنّماألمّ بهَا من طائف الجنّ أولق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

وإنّ امْرأ أسرى إِلَيْك ودونه.................... الْبَيْتَيْنِ

وَكم دونه من حزنٍ قفٍّ ورحلةٍوسهبٍ بِهِ مستوضح الْآل يَبْرق
وأصفر كالحنّاء ذاوٍ جمامهمَتى مَا يذقه فارط الْقَوْم يبصق
بِهِ تنفض الأحلاس فِي كلّ منزلٍوتعقد أَطْرَاف الحبال وَتطلق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»
وإنّ عتاق العيس سَوف يزوركمثناءٌ على أعجازهنّ معلّق
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

قَوْله: وخرق بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْفقر وَالْأَرْض تنخرق فِيهَا الرِّيَاح وَهُوَ مجرور بِرَبّ الْمقدرَة بعد الْوَاو. والجسرة بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة: النَّاقة القوية على السّير. وخب بِمَعْنى)

خدع. والآل: السراب فِي أول النَّهَار ووسطه ويترقرق أَي: ينصب خَبره وَالْجُمْلَة صفة آل والعائد الضَّمِير. يُقَال: رقرق المَاء وَغَيره إِذا صبه رَقِيقا. والسراب هَكَذَا يرى للنَّاظِر إِلَيْهِ.

وَقَوله: هِيَ الصاحب الخ الْأَدْنَى: الْأَقْرَب. والمجوف بِالْجِيم: الرحل. والعلافي مَنْسُوب إِلَى علاف بِكَسْر الْمُهْملَة وَهُوَ رجل من قضاعة

كَانَ يعْمل الرّحال. وَالْقطع بِكَسْر الْقَاف: طنفسة أَي: بِسَاط يَجعله الرَّاكِب تَحْتَهُ ويغطي كَتِفي الْبَعِير. والنمرق: الوسادة وَهِي هُنَا وسَادَة فَوق الرحل.

وَقَوله: وتصبح من غب الخ الغب بِالْكَسْرِ: عَاقِبَة الشَّيْء. وألم بِمَعْنى نزل وفاعله أولق وَهُوَ الْجُنُون. يُرِيد: أَنَّهَا شَدِيدَة جدا لَا يحصل لَهَا إعياء كَالْمَجْنُونِ.

وَقَوله: وَإِن امْرأ أسرى الخ هَذَا انْتِقَال من وصف نَاقَته إِلَى خطاب امْرَأَة. وَأَرَادَ بِالْمَرْءِ نَفسه.

وَأسرى: لُغَة فِي سرى. ودونه بِمَعْنى أَمَامه وقدامه.

والموماة بِفَتْح الْمِيم: الأَرْض الَّتِي لَا مَاء فِيهَا. والبيداء: القفر. والسملق: الأَرْض المستوية.

وَهَذَا الْبَيْت رُوِيَ فِي ديوانه وَغَيره من كتب الْأَدَب كَذَا: فَالْمُرَاد من الْمَرْء ممدوحه وَالْخطاب لناقته الْمَذْكُورَة. وَكَانَ ممدوحه أهداها لَهُ فَالْكَلَام على هَذِه الرِّوَايَة من أَوله إِلَى هُنَا خطاب لناقته. وَمِنْه يظْهر أَن الْمُنَاسب فِي الرِّوَايَة الأولى أَيْضا كَون المُرَاد بِالْمَرْءِ ممدوحه وَالْخطاب لناقته وَأَن أسرى بِمَعْنى حمل على السرى وَإِلَى بِمَعْنى على ليَكُون الْكَلَام على وتيرة وَاحِد.

وفياف: جمع فيفاء وَهِي الفلاة. وتنوفات: جمع تنوفة وَهِي القفر واليهماء بِفَتْح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة: الأَرْض الَّتِي لَا يهتدى فِيهَا. وَرُوِيَ: خيفق بدل سملق بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَفتح الْفَاء وَهِي الفلاة الواسعة.

وَقَوله: أَن المعان موفق كِلَاهُمَا اسْم مفعول من الْإِعَانَة والتوفيق. قَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: فِيهِ قلب يُرِيد أَن الْمُوفق معَان.

وَقَالَ المرزباني فِي الموشح: يَنْبَغِي للشاعر أَن يتفقد مصراع كل بَيت حَتَّى يشاكل مَا قبله فقد جَاءَ من أشعار القدماء مَا تخْتَلف مصاريعه كَقَوْل الْأَعْشَى: وَأَن تعلمي أَن المعان موفّق غير مشاكل لما قبله. وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحب تَهْذِيب الطَّبْع.)

وَقَوله: وَكم دونه الخ الضَّمِير للمرء. والحزن بِالْفَتْح: الأَرْض الوعرة. والقف بِضَم الْقَاف: مَا وَقَوله: وأصفر كالحناء يَعْنِي مَاء أصفر كالحناء. وذاو: متغير. والجمام بِكَسْر الْجِيم: جمع جم بِفَتْحِهَا وَهُوَ المَاء الْكثير وفارط الْقَوْم بِالْفَاءِ هُوَ الَّذِي يتقدمهم إِلَى الْورْد لإِصْلَاح الْحَوْض والدلاء.

يُقَال: فرط الْقَوْم يفرطهم فرطا إِذا تقدمهم لما ذكرنَا. وَإِنَّمَا يبصق عِنْد ذوقه لمرارة المَاء وتغيره.

وَقَوله: بِهِ تنفض الخ الحلس بِكَسْر الْمُهْملَة: كسَاء على ظهر الْبَعِير تَحت البرذعة ويبسط فِي الْبَيْت تَحت حر الثِّيَاب. وَإِنَّمَا تنفض للرحيل.

وَقَوله: وَإِن عتاق العيس الخ هَذَا الْمَعْنى أول من اخترعه الْأَعْشَى وَأَخذه من جَاءَ بعده.

قَالَ الْقطَامِي:

لأعلّقنّ على المطيّ قصائداًأذر الرّواة بهَا طويلي الْمنطق
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

وَقَالَ نصيب:

فعاجوا فَأَثْنوا بِالَّذِي أَنْت أَهلهوَلَو سكتوا أثنت عَلَيْك الحقائب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أقول لركب قافلين رأيتهم»

وَمن هُنَا أَخذ أَبُو الْعَتَاهِيَة قَوْله:

فَإِذا وردن بِنَا وردن خفائفاًوَإِذا صدرن بِنَا صدرن ثقالا

وَقَوله: وَلَا بُد من جَار الخ الْجَار لَهُ معَان وَالْمرَاد هُنَا المجير وَيُقَال أَيْضا للمستجير وللحليف وللناصر وللمجاور الَّذِي أجرته من أَن يظلم. والسكي بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْكَاف وَالْيَاء وَهُوَ المسمار وَيُقَال لَهُ السك أَيْضا بِدُونِ الْيَاء. والفيتق بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَفتح الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة: النجار والحداد.

وترجمة الْأَعْشَى تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالْعِشْرين من أَوَائِل الْكتاب.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»