تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ٥٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من أَبْيَات الْمفصل:

فَقلت أَهِي سرت أم عادني حلم

هَذَا عجز وصدره: فَقُمْت للطّيف مرتاعاً فأرّقني

على أَن هَاء هِيَ قد تسكن بعد همزَة الِاسْتِفْهَام.

وَفِي التسهيل مَا يَقْتَضِي أَنه قَلِيل وَفِي شرح مُصَنفه أَنه لم يجِئ إِلَّا فِي الشّعْر.

وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أسكن أول أَهِي لاتصال حرف الِاسْتِفْهَام بِهِ وأجراها فِي ذَلِك مجْرى الْمُتَّصِل فَصَارَ أَهِي كعلم وأجرى همزَة الِاسْتِفْهَام مجْرى وَاو الْعَطف وفائه وَلَام الِابْتِدَاء. نَحْو قَوْله تَعَالَى: وهْوَ الله وَقَوله: فَهْوَ جَزَاؤه وقولك: وَهِي قَامَت وفهي جالسة وَإِن الله لَهو السَّمِيع الْعَلِيم.

غير أَن هَذَا الإسكان مَعَ همزَة الِاسْتِفْهَام أَضْعَف مِنْهُ مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ وَمن حَيْثُ كَانَ الْفَصْل بَينهمَا وَبَين المستفهم عَنهُ جَائِزا نَحْو قَوْلك: أَزِيد قَامَ وأزيداً ضربت وَلَيْسَ كَذَلِك وَاو الْعَطف وفاؤه وَلَا لَام الِابْتِدَاء لَا يجوز الْفَصْل بَين شَيْء مِنْهُنَّ وَبَين مَا وصلن بِهِ.)

فَأَما فصل الظّرْف فِي نَحْو: إِن زيدا لفي الدَّار قَائِم فمغتفر لكثرته فِي الْكَلَام أَلا ترَاهَا فِي هَذَا الْبَيْت مَفْصُولًا بَينهَا وَبَين مَا هِيَ سُؤال عَنهُ من اللَّفْظ. وَهَذَا الِاتِّصَال أَو ضِدّه من الِانْفِصَال إِنَّمَا هُوَ شَيْء رَاجع إِلَى مَوْجُود اللَّفْظ لَا إِلَى محصول الْمَعْنى انْتهى.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة مسطورة فِي الحماسة عدتهَا ثَلَاثَة وَأَرْبَعُونَ بَيْتا للمرار الْعَدوي وَقَبله:

زارت رويقه شعثاً بعد مَا هجعوالَدَى نواحل فِي أرساغها الخدم

فَقُمْت للزّور مرتاعاً وأرّقني................... الْبَيْت...

وَكَانَ عهدي بهَا وَالْمَشْي يبهظهامن الْقَرِيب وَمِنْهَا النّوم والسّأم
وبالتّكاليف تَأتي بَيت جارتهاتمشي الهوينى وَمَا يَبْدُو لَهَا قدم
رويق إنّي وَمن حجّ الحجيج لَهُوَمَا أهلّ بجنبي نَخْلَة الْحرم
لم ينسني ذكركُمْ مذ لم ألاقكمعيشٌ سلوت بِهِ عَنْكُم وَلَا قدم
وَلم يشاركك عِنْدِي بعد غانيةٌلَا وَالَّذِي أَصبَحت عِنْدِي لَهُ نعم

قَوْله: زارت رويقة يَقُول: زار خيال رويقة قوما شعثاً أَي: غبراً بَعْدَمَا نَامُوا عِنْد إبل ضوامر شدت فِي إرساغها سيور الْقَيْد لشدَّة سَيرهَا وتأثير الكلال فِيهَا.

وَقَوله: فَقُمْت للطيف الخ الطيف: الخيال الطَّائِف فِي النّوم. وَرُوِيَ: فَقُمْت للزور وَهُوَ مصدر بِمَعْنى الزائر يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجمع والمذكر والمؤنث. والمرتاع: الْخَائِف الْفَزع.

وَقد أنْشدهُ صَاحب الْمفصل لما ذكره الشَّارِح الْمُحَقق.

وأنشده ابْن النَّاظِم وَابْن هِشَام فِي شرح الألفية على أَن أم الْمُتَّصِلَة وَقعت بَين جملتين فعليتين فِي معنى المفردين وَالتَّقْدِير فَقلت: أسارت هِيَ أم عادني حلمها أَي: أَي هذَيْن.

وأنشده ابْن هِشَام فِي موضِعين من الْمُغنِي.

الأول فِي أم قَالَ: إِن أم المعادلة لهمزة الِاسْتِفْهَام تقع بَين مفردين وَهُوَ الْغَالِب وَبَين جملتين ليستا فِي تَأْوِيل المفردين وتكونان أَيْضا اسميتين وفعليتين

كَهَذا الْبَيْت. قَالَ: وَذَلِكَ على الْأَرْجَح فِي هِيَ من أَنَّهَا فَاعل بِمَحْذُوف تفسره سرت.

وَالثَّانِي فِي أول الْبَاب الثَّانِي قَالَ: وَتَقْدِير الفعلية فِي أَهِي أَكثر رجحاناً من تقديرها فِي: أبشر يهدوننا لمعادلتها الفعلية.

قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أمالي الْمفصل: يُرِيد: أَنِّي قُمْت من أجل الطيف منتبهاً مذعوراً للقائه)

وأرقني لما لم يحصل اجْتِمَاع مُحَقّق ثمَّ ارتبت لعدم الِاجْتِمَاع هَل كَانَ على التَّحْقِيق أم كَانَ ذَلِك فِي الْمَنَام.

وَيجوز أَن يُرِيد: فَقُمْت للطيف وَأَنا فِي النّوم إجلالاً فِي حَال كوني مذعوراً لاستعظامها وأرقني ذَلِك لما انْتَبَهت فَلم أجد شَيْئا محققاً ثمَّ من فرط صبابته شكّ أَهِي فِي التَّحْقِيق سرت أم كَانَ ذَلِك حلماً على عَادَتهم فِي مبالغتهم كَقَوْلِه: آأنت أم أمّ سَالم انْتهى.

قَالَ الدماميني بعد أَن نقل هَذَا فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: حَاصله احْتِمَال كَون الْقيام فِي الْيَقَظَة أَو فِي الْمَنَام وَأما الشَّك فِي الِاجْتِمَاع هَل كَانَ فِي النّوم أَو فِي

الْيَقَظَة فثابت على كل من الِاحْتِمَالَيْنِ.

وَقَوله: وَكَانَ عهدي بهَا الخ يَقُول: كَيفَ يجوز مجيئها وَقد عهدتها.

يبهظها أَي: يعييها قطع الْمسَافَة الْقَرِيبَة وَالْغَالِب عَلَيْهَا طلب الرَّاحَة بِالنَّوْمِ. وَنصب الهوينى على الْمصدر أَي: تمشي مشياً هيناً. والهوينى: تَصْغِير الهونى مؤنث الأهون. وَقَوله: وَمَا يَبْدُو لَهَا قدم أَي: تجر أذيالها.

وَقَوله: بيض ترائبها جمع تريبة وَهُوَ أعالي الصَّدْر. ومرفق أدرم إِذا لم يكن لَهُ حجم لاكتنازه بِاللَّحْمِ والخلق بِالْفَتْح: الْخلقَة. والعمم بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَالْمِيم: الطول.

وَقَوله: رويق إِنِّي الخ هُوَ منادى مرخم رويقة. ونخلة: مَوضِع قرب مَكَّة قَالَ صَاحب مُعْجم مَا استعجم: نَخْلَة على لفظ وَاحِدَة النّخل: مَوضِع على لَيْلَة من مَكَّة وَهِي الَّتِي تنْسب إِلَيْهَا بطن نَخْلَة وَهِي الَّتِي ورد فِيهَا الحَدِيث لَيْلَة الْجِنّ. انْتهى.

وَزعم الْعَيْنِيّ أَنه مَوضِع قرب الْمَدِينَة. وَحرم بِضَمَّتَيْنِ: جمع حرَام كسحب جمع سَحَاب بِمَعْنى الْمحرم.

وَرُوِيَ أَيْضا: وَمَا حج الحجيج. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: مَا هُنَا يحْتَمل أَن تكون عبارَة عَن الله تَعَالَى وَأَرَادَ فِي مَا الثَّانِيَة لَهُ غير أَنه حذفهَا.

وَيجوز أَن تكون مَصْدَرِيَّة فَتكون الْهَاء فِي لَهُ لله تَعَالَى وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَنَّهُ قد جرى ذكر الْحَج فدلت الطَّاعَة على المطاع سُبْحَانَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنِّي وَحج الحجيج لله. ويؤكد ذَلِك أَنه لم يعد مَعَ الثَّانِيَة لَهُ لِأَنَّهُ غير مُحْتَاج إِلَيْهَا من حَيْثُ كَانَ مصدرا.)

وَيجوز أَن تكون عبارَة عَن الْبَيْت فأقسم بِهِ فَحِينَئِذٍ يحْتَمل الْهَاء فِي لَهُ أَن تكون للبيت على أَن اللَّام بِمَعْنى إِلَى وَأَن تكون لله أَي: وَالْبَيْت الَّذِي حجه الحجيج لطاعة الله.

وَقَوله: لم ينسني الخ هُوَ مضارع أنسى وذكركم: مفعول مقدم وعيش: فَاعل مُؤخر وَقدم بِكَسْر الْقَاف مَعْطُوف على عَيْش. قَالَ ابْن جني: هَذَا الْبَيْت جَوَاب الْقسم وَأجَاب بلم وحرفا الْجَواب فِي النَّفْي إِنَّمَا هما: مَا وَلَا لَكِن اضْطر فَشبه لم بِمَا كَمَا اضْطر إِلَى ذَلِك الْأَعْشَى فِي قَوْله: أجدّك لم تغتمض ليلةٌ فاعرف ذَلِك فَإِنَّهُ لطيف.

وَمن أَوَاخِر القصيدة:

بل لَيْت شعري مَتى أغدو تعارضنيجرداء سابحةٌ أَو سابح قدم
نَحْو الأميلح من سمنان مبتكراًبفتيةٍ فيهم المرّار وَالْحكم

بل للإضراب عَمَّا قبله. وتعارضني أَي: أقودها فتسبقني من سلاسة قيادها. والجرداء: الْفرس القصيرة الشّعْر وَهُوَ مَحْمُود فِي الْخَيل. وسابحة: كَأَنَّهَا تسبح فِي سَيرهَا وجريها. وَقدم بِضَم الْقَاف وَالدَّال بِمَعْنى مُتَقَدم يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث.

وَنَحْو ظرف مُتَعَلق ب أغدو والأميلح: اسْم مَاء. وسمنان بِفَتْح السِّين: ديار الشَّاعِر. والفتية: جمع فَتى. والمرار وَالْحكم: رجلَانِ.

وَهَذَا الْبَيْت أول شَاهد وَقع فِي شرح الشافية للشَّارِح الْمُحَقق قَالَ فِيهِ: وَكَذَا سمنان إِمَّا أَن يكون مُكَرر اللَّام للإلحاق بزلزال أَو يكون زيد فِيهِ الْألف وَالنُّون لَا للتكرير بل كَمَا زيدا فِي سلمَان.

وَلَا دَلِيل فِي هَذَا الْبَيْت يمْنَع صرف سمنان على كَونه فعلان لجَوَاز كَونه فعلالا. وَامْتِنَاع صرفه لتأويله بِالْأَرْضِ والبقعة لِأَنَّهُ اسْم مَوضِع. انْتهى.

قَالَ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: الأميلح بِضَم أَوله وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة كَأَنَّهُ مصغر أَمْلَح: مَوضِع. وَلم يقل: إِنَّه مَاء. وَقَالَ فِي سمنان: بِفَتْح أَوله وَإِسْكَان ثَانِيه على وزن فعلان: مَدِينَة بَين الرّيّ ونيسابور. وسمنان بِضَم السِّين: جبل فِي ديار بني أَسد وَقَالَ أَبُو حَاتِم: فِي ديار بني تَمِيم.

اه.)

وَهَذَا ضبط مُخَالف لسَائِر الروَاة.

وَأول هَذِه القصيدة فِي ذمّ صنعاء الْيمن ومدح بَلَده وَقَومه. وَهَذَا أَولهَا:

لَا حبّذا أَنْت يَا صنعاء من بلدٍوَلَا شعوب هوى منّي وَلَا نقم
إِذا سقى الله أَرضًا صوب غاديةٍفَلَا سقاهنّ إلاّ النّار تضطرم
وحبّذا حِين تمسي الرّيح بَارِدَةوَادي أشيّ وفتيانٌ بِهِ هضم

إِلَى أَن قَالَ:

هم البحور عَطاء حِين تَسْأَلهُمْوَفِي اللّقاء إِذا تلقى بهم بهم
وهم إِذا الْخَيل جالوا فِي كواثبهافوارس الْخَيل لَا ميلٌ وَلَا قزم
لم ألق بعدهمْ حيّاً فَأخْبرهُمإلاّ يزيدهم حبّاً إليّ هم

شعوب بِفَتْح الشين وَكَذَلِكَ نقم بِضَم النُّون وَالْقَاف: مَوضِع بِالْيمن وَهُوَ جبل صنعاء الشَّرْقِي.

وعنس بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون النُّون وَقدم بِضَم الْقَاف وَالدَّال: حَيَّان من الْيمن. وأشي بِضَم الْألف وَفتح الشين الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْيَاء قَالَ أَبُو عبيد: هُوَ وَاد وجبل فِي بِلَاد العدوية من بني تَمِيم.

وَقَالَ عمر بن شبة: أشي بلد قريب من الْيَمَامَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وهضم بِضَمَّتَيْنِ: جمع هضوم وَهُوَ الَّذِي ينْفق فِي الشتَاء أَي: حبذا هم فِي برد الشتَاء إِذا اشْتَدَّ الزَّمَان لأَنهم يطْعمُون فِيهِ.

والبهم بِضَم فَفتح: جمع بهمة بِضَم فَسُكُون وَهُوَ الشجاع الَّذِي لَا يدرى من أَيْن يُؤْتى من شدَّة وَقَوله: وهم إِذا الْخَيل أَرَادَ بِالْخَيْلِ فرسانها كَقَوْلِهِم: يَا خيل الله ارْكَبِي. وجالوا أَي: وَثبُوا يُقَال: جال فِي ظهر دَابَّته إِذا ركبهَا. لَا ميل: لَا مائلون عَن وُجُوه الْأَعْدَاء جمع أميل وَقيل هُوَ الَّذِي لَا يثبت على ظهر الدَّابَّة وَهُوَ عطف على فوارس وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: لَا هم ميل.

وقزم بِفَتْح الْقَاف وَالزَّاي: رذال النَّاس وسفلتهم يُطلق على الْوَاحِد وَالْجمع وَالذكر وَالْأُنْثَى لِأَنَّهُ فِي الأَصْل مصدر بِمَعْنى الدناءة والقماءة.

والكواثب: جمع كاثبة بموحدة بعد مُثَلّثَة وَهِي فِي عرف الْفرس الْمُتَقَدّم من قربوس السرج حَيْثُ يَقع عَلَيْهِ يَد الْفَارِس. كَذَا فِي شرح الحماسة.)

وَأورد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت فِي سُورَة الْأَعْرَاف على أَن الْخَبَر فِي قَوْله تَعَالَى: يَمُدُّونهمْ فِي الغيّ جَار على غير مَا هُوَ لَهُ كَمَا فِي الْبَيْت فَإِن الْخَيل مُبْتَدأ وجالوا خَبره مُسْند إِلَى ضمير الْقَوْم. وَفِيه كَلَام

وَقَوله: لم ألق بعدهمْ الخ الْحَيّ: الْقَبِيلَة. وخبرت الشَّيْء أخبرهُ من

بَاب قتل خَبرا بِالضَّمِّ بِمَعْنى عَلمته. وانتصب أخْبرهُم فِي جَوَاب النَّفْي. وهم الْخَيْر فَاعل يزِيد فصل ضَرُورَة.

وَالْمعْنَى: لم ألق بعد فِرَاق قومِي حَيا من الْأَحْيَاء فَأخْبرهُم إِلَّا ازدادوا فِي عَيْني إِذا قستهم بِمن وروى ابْن قُتَيْبَة الصَّدْر فِي كتاب الشُّعَرَاء والأصبهاني فِي الأغاني: وَمَا أصَاحب من قومٍ فأذكرهم وَزعم أَبُو حَيَّان أَن الرِّوَايَة كَذَا من تَحْرِيف ابْن مَالك. هَذَا قُصُور مِنْهُ. وَيجوز رفع فأذكرهم عطفا على أصَاحب. وَالذكر هُنَا قلبِي بِمَعْنى التَّذْكِير فَإِن الْمَعْنى إِنِّي إِذا صاحبت قوما فتذكرت قومِي ازددت محبَّة فيهم لفضل قومِي عَلَيْهِم.

هَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن النَّاظِم وَابْن هِشَام فِي شرح الألفية لما ذكرنَا من فصل الضَّمِير الْمَرْفُوع ضَرُورَة.

قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ادّعى ابْن مَالك أَن الأَصْل يزِيدُونَ أنفسهم ثمَّ صَار يزيدونهم ثمَّ فصل ضمير الْفَاعِل للضَّرُورَة وأخره عَن ضمير الْمَفْعُول. وحامله على ذَلِك ظَنّه أَن الضميرين لمسمى وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك. قَالَ فِي شرح شواهده وَزعم بعض من فسر الضَّرُورَة بِمَا لَيْسَ للشاعر عَنهُ مندوحة أَن هَذَا لَيْسَ بضرورة لتمكن قَائِله من أَن يَقُول إِلَّا يزيدونهم حبا إِلَيّ هم وَيكون الضَّمِير الْمُنْفَصِل توكيداً للْفَاعِل.

ورده ابْن مَالك بِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَون الْفَاعِل وَالْمَفْعُول ضميرين متصلين لمسمى وَاحِد وَإِنَّمَا يجوز ذَلِك فِي بَاب ظن. وَهَذَا سَهْو لِأَن مُسَمّى الضميرين مُخْتَلِفَانِ إِذْ ضمير الْفَاعِل لِقَوْمِهِ وَضمير وَيحْتَمل عِنْدِي أَن يكون فَاعل يزِيد ضمير الذّكر وَيكون هم الْمُنْفَصِل توكيداً لَهُم الْمُتَّصِل. اه.

كَلَام ابْن هِشَام.

وَقد أَخذ مُسلم بن الْوَلِيد معنى بَيت المرار فَقَالَ:

ويرجعني إِلَيْك إِذا نأت بِيدياري عَنْك تجربة الرّجال

والمرا: شَاعِر إسلامي فِي الدولة الأموية من معاصري الفرزدق وَجَرِير. وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم)

وَتَشْديد الرَّاء. قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كِتَابَة الشُّعَرَاء: المرار الْعَدوي هُوَ ابْن منقذ من صدي ابْن مَالك بن حَنْظَلَة. وَأم صدي بِالتَّصْغِيرِ من جلّ بن عدي فَيُقَال لَهُ ولولده بَنو العدوية.

وَقَالَ لَهُم عَوْف بن الْقَعْقَاع: يَا بني العدوية أَنْتُم أوسع بني مَالك أجوافاً وَأَقلهمْ أشرافاً.

والمرار هُوَ الْقَائِل:

وَمَا اصاحب من قومٍ فأذكرهمإلاّ يزيدهم حبّاً إليّ هم

وَأنْشد مَعَه أبياتاً أخر من هَذِه القصيدة. قَالَ: وَفِيه وَفِي قومه يَقُول جرير:

إِن كُنْتُم جربى فعندي شفاؤكموللجنّ إِن كَانَ اعتراك جُنُون
وَمَا أَنْت يَا مرّار يَا زبد استهابأوّل من يشقى بِنَا ويحين

وَقد رفع الْآمِدِيّ نسبه فِي المؤتلف والمختلف فَقَالَ: هُوَ المرار بن منقذ بن عَمْرو بن عبد الله بن وَاسم المرار هَذَا زِيَاد بن منقذ قَالَه الحصري فِي زهر الْآدَاب وَإِلَى اسْمه

نسب الشّعْر. وَفِي الحماسة قَالَ شرَّاح الحماسة: هُوَ لزياد بن منقذ وَهُوَ أحد بني العدوية من تَمِيم وَلم يقل غير هَذِه القصيدة وَلم يقل أحد مثلهَا. وَكَانَ قد أَتَى الْيمن فَنزع إِلَى وَطنه بِبَطن الرمة. قَالَ أَبُو الْعَلَاء: الرمة: وَاد بِنَجْد يُقَال بتَشْديد الْمِيم وتخفيفها اه.

وصحفه بَعضهم وَتَبعهُ الْعَيْنِيّ فَقَالَ: بِبَطن الرمث بِالْمُثَلثَةِ.

وَقد نسب الحصري أَيْضا هَذَا الشّعْر للمرار قَالَ: أنْشد أَبُو عُبَيْدَة لزياد بن منقذ الْحَنْظَلِي وَهُوَ المرار الْعَدوي نسب إِلَى أمه العدوية وَهِي فكيهة بنت تَمِيم ابْن الدئل بن جلّ بن عدي بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة فَولدت لمَالِك بن حَنْظَلَة عديا ويربوعاً. فَهَؤُلَاءِ من وَلَده يُقَال لَهُم بَنو العدوية.

وَكَانَ زِيَاد نزل بِصَنْعَاء فاجتواها ومنزله فِي نجد فَقَالَ فِي ذَلِك قصيدةً يَقُول فِيهَا وَذكر قومه:

لم ألق بعدهمْ حيّاً فَأخْبرهُمإِلَّا يزيدهم حبّاً إليّ هم

وَأرَاهُ أول من استثار هَذَا الْمَعْنى. وَكَانَ ابْن عَرَادَة السَّعْدِيّ مَعَ سلم بن زِيَاد بخراسان وَكَانَ مكرماً لَهُ وَابْن عَرَادَة يتجنى عَلَيْهِ إِلَى أَن تَركه وَصَحب غَيره فَلم يحمده.

فَرجع إِلَى سلم وفال:

رجعت إِلَيْهِ بعد تجريب غَيرهفَكَانَ كبرءٍ بعد طولٍ من السّقم

وَمِنْه قَول أبي الْعَتَاهِيَة فِي جَعْفَر بن الْمَنْصُور الْمَعْرُوف بِابْن الكردية وَهُوَ جَعْفَر الْأَصْغَر:)

جزى الله عنّي جعفراً بوفائهوأضعف إضعافاً لَهُ بجزائه
بلوت رجَالًا بعده فِي إخائهمفَمَا ازددت إلاّ رَغْبَة فِي إخائه
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «جزى الله عني صالحا بوفائهن»

وَمِنْه أَيْضا لكنه فِي الهجو لبَعْضهِم:

ذممتك أوّلاً حتّى إِذا مَابلوت سواك عَاد الذّمّ حمدا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «ذممتك أولا حتى إذا ما»
وَلم أحمدك من خيرٍ وَلَكِنرَأَيْت سواك شرّاً مِنْك جدّا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «ذممتك أولا حتى إذا ما»
كمضطرٍّ تحامى أكل ميتٍفلمّا اضطرّ عَاد إِلَيْهِ شدّا

قَالَ الصولي: وَآخر من أَتَى بِهَذَا الْمَعْنى أَحْمد بن أبي طَاهِر:

بلوت النّاس فِي شرقٍ وغربٍوميّزت الْكِرَام من اللّئام
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
فردّني ابتلاي إِلَى عليّ بن يحيى بعد تجريب الْأَنَام

وَعِنْدِي فِي هَذَا الْمَعْنى مقاطيع جَيِّدَة لَوْلَا خشيَة السأم لسردتها.

وَزعم أَبُو تَمام فِي الحماسة أَن القصيدة الَّتِي مِنْهَا الْبَيْت الشَّاهِد لزياد بن حمل بن سعيد بن وَأَخْطَأ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم فِي زَعمه أَن زِيَاد بن حمل هُوَ المرار الْعَدوي.

وَزعم الْأَصْفَهَانِي فِي الأغاني والخالديان فِي شرح ديوَان مُسلم بن الْوَلِيد أَن هَذِه القصيدة للمرار بن سعيد الفقعسي. وَالله أعلم.

وَالصَّوَاب أَنَّهَا لزياد بن منقذ الْعَدوي. قَالَه ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ قَالَ: والمرار وَالْحكم أَخَوان.

تَتِمَّة ذكر الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف من يُقَال لَهُ المرار سِتَّة. أَوَّلهمْ المرار الفقعسي. وَسَتَأْتِي تَرْجَمته إِن شَاءَ الله فِي الْكَاف من حُرُوف الْجَرّ.

ثانيهم: المرار بن منقذ وَتَقَدَّمت تَرْجَمته هُنَا.

ثالثهم: المرار بن سَلامَة الْعجلِيّ وَهُوَ إسلامي.

رابعهم: المرار بن بشير السدُوسِي.

خامسهم: المرار الْكَلْبِيّ.

سادسهم: المرار بن معَاذ الجرشِي.) وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:

فبيناه يشري رَحْله قَالَ قائلٌ:لمن جملٌ رخو الملاط نجيب

على أَن وَاو وَهُوَ قد يحذف ضَرُورَة كَمَا هُنَا فَإِن الأَصْل فَبينا هُوَ يشري.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي بَاب مَا يحْتَمل الشّعْر: اعْلَم أَنه يجوز فِي الشّعْر مَا لَا يجوز فِي الْكَلَام. إِلَى أَن قَالَ: وَلَيْسَ شَيْء يضطرون إِلَيْهِ إِلَّا هم يحاولون بِهِ وَجها. وَمَا يجوز فِي الشّعْر أَكثر من أَن أذكرهُ لَك هَا هُنَا لِأَن هَذَا مَوضِع جمل.

قَالَ أَبُو الْحسن: سَمِعت من الْعَرَب قَول العجير السَّلُولي: فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل............. الْبَيْت قَالَ الأعلم: اراد بَينا هُوَ فسكن الْوَاو ثمَّ حذفهَا ضَرُورَة فَادْخُلْ ضَرُورَة على ضَرُورَة تَشْبِيها للواو الْأَصْلِيَّة بواو الصِّلَة فِي نَحْو مِنْهُ وَعنهُ.

وَزعم ابْن الْأَنْبَارِي فِي ترك صرف مَا ينْصَرف من مسَائِل الْخلاف: أَن الْوَاو حذفت متحركة.

قَالَ: إِذا جَازَ حذف الْوَاو المتحركة للضَّرُورَة من فبيناه يشري فَلِأَن يجوز حذف التَّنْوِين للضَّرُورَة من بَاب الأولى لِأَن الْوَاو من هُوَ متحركة والتنوين سَاكن وَلَا خلاف أَن حذف وَبَين ظرف لما وصل بِالْألف إشباعاً للفتحة جَازَ إِضَافَته إِلَى الْجمل وَحدث فِيهِ معنى زَائِد وَذَلِكَ ظرف الزَّمَان كَمَا حدث فِي مَعَ لما أشبعت فتحتها وَحدث بعْدهَا ألف من قَوْلهم مَعًا.

وَهُوَ مُبْتَدأ وَجُمْلَة: يشري خَبره وَالْمَجْمُوع فِي مَحل جر بِإِضَافَة بَينا إِلَيْهَا.

وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا على تَقْدِير حذف الْمُضَاف وَإِقَامَة الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَالتَّقْدِير فَبينا أَوْقَات هُوَ شار رَحْله فَإِنَّهُ يَقُول. وَبينا عِنْد سِيبَوَيْهٍ لَا تقع إِلَّا للمفاجأة وَلَا تقع إِلَّا فِي صدر الْجُمْلَة جعلوها بِمَنْزِلَة الظروف المبهمة الَّتِي تقع فِي صُدُور الْجمل فَإِذا أضفتها إِلَى الْجُمْلَة الَّتِي بعْدهَا جِئْت بِالْفِعْلِ الَّذِي عمل فِيهَا نَحْو قَوْلك: بَينا زيد قَائِم جَاءَ عَمْرو. وَأما الْأَصْمَعِي فَإِنَّهُ يَقُول: إِضَافَة بَينا إِلَى الْمصدر الْمُفْرد جَائِزَة ويروى لأبي ذُؤَيْب:

بَينا تعنّقه الكماة وروغه بجر تعنقه.)

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: سَأَلت الرياشي عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ: إِذا ولي لَفْظَة بَينا الِاسْم الْعلم رفعت فَقلت: بَينا زيد قَائِم جَاءَ عَمْرو. وَإِن وَليهَا الْمصدر فالأجود الْجَرّ. وَقوم من النَّحْوِيين لَا يجيزون إِضَافَته إِلَى الْمصدر الْمُفْرد وَلَا إِلَى غير مصدر ويمضون على الأَصْل.

ويشري: هُنَا بِمَعْنى يَبِيع وَهُوَ من الأضداد. والرحل: كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن. والملاط بِكَسْر الْمِيم: الْجنب. رخو الملاط: سهله وأملسه. كَذَا قَالَ القالي. وَقَالَ ابْن خلف: الملاط: مقدم السنام وَقيل جَانِبه. وهما ملاطان: العضدان وَقيل الإبطان. وَقَوله: رخو إِشَارَة إِلَى عظمه واتساعه.

قَالَ الأعلم: وصف بَعِيرًا ضل عَن صَاحبه فيئس مِنْهُ وَجعل يَبِيع رَحْله فَبينا هُوَ كَذَلِك سمع منادياً يبشر بِهِ. وَإِنَّمَا وصف مَا ورد عَلَيْهِ من السرُور بعد الأسف والحزن. والملاط: مَا ولي الْعَضُد من الْجنب وَيُقَال للعضدين: ابْنا ملاط.

وَوصف برخاوته لِأَن ذَلِك أَشد لتجافي عضديه عَن كركرته وَأبْعد لَهُ من أَن يُصِيبهُ ناكت أَو ماسح أَو حَاز أَو ضَب. وَهَذِه كلهَا أَعْرَاض وآفات تلْحقهُ إِذا حك بعضده كركرته. اه.

والنجيب: الْجيد الْأَصِيل وَالصَّوَاب بدله ذَلُول فَإِن القصيدة لامية.

قَالَ ابْن خلف: وَهَذَا الْبَيْت قد وَقع صَدره فِي أَكثر نسخ كتاب سِيبَوَيْهٍ وأنشده أَبُو الْحسن الْأَخْفَش: رخو الملاط نجيب بِالْبَاء وأنشده أَيْضا فِي كتاب القوافي كَذَا وَقَالَ: سَمِعت الْبَاء مَعَ اللَّام وَالْمِيم وَالرَّاء كل هَذَا فِي قصيدة وَاحِدَة وَهِي:

أَلا قد أرى إِن لم تكن أمّ مَالكبِملك يَدي أنّ الْبَقَاء قَلِيل
خليليّ سيرا واتركا الرّحل إنّنيبمهلكةٍ والعاقبات تَدور
فبيناه يشري رَحْله قَالَ قائلٌلمن جملٌ رخو الملاط نجيب

قَالَ: وَالَّذِي أنْشدهُ أَعْرَابِي فصيح لَا يحتشم من إنشادها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح بن جني: هَكَذَا أنْشدهُ أَبُو الْحسن وَهُوَ بعيد لِأَن حكم الْحُرُوف الْمُخْتَلفَة فِي الروي أَن يتقارب مخرجها كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ فِي كتاب القوافي. وَالَّذِي وجد فِي شعر العجير السَّلُولي:

فباتت هموم الصّدر شتّى يعدنهكَمَا عيد شلوٌ بالعراء قَتِيل
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة
فبيناه يشري رَحْله قَالَ قائلٌلمن جملٌ رخو الملاط ذَلُول
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

)

محلّى بأطواقٍ عتاقٍ كأنّهابقايا لجينٍ جرسهنّ صليل
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

اه.

وَقَالَ صَاحب الْعباب: الْبَيْت للعجير السَّلُولي ويروى للمخلب الْهِلَالِي وَهُوَ مَوْجُود فِي أشعارهما. والقطعة لامية وَوَقع فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ نجيب بدل ذَلُول وَتَبعهُ النُّحَاة على التحريف. وَهِي قِطْعَة غراء. اه.

قَالَ الْأسود أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي ضَالَّة الأديب: قَالَ أَبُو الندى: القصيدة للمخلب الْهِلَالِي وَلَيْسَ فِي الأَرْض بدوي إِلَّا وَهُوَ يحفظها وأولها:

وجدت بهَا وجد الَّذِي ضلّ نضوهبمكّة يَوْمًا والرّفاق نزُول
بغى مَا بغى حتّى أَتَى اللّيل دونهوريحٌ تعلّى بالتّراب جفول
أَتَى صَاحِبيهِ بَعْدَمَا ضلّ سَعْيهبِحَيْثُ تلاقت عامرٌ وسلول
فَقَالَ: احملا رحلي ورحليكما مَعًافَقَالَا لَهُ: كلّ السّفاه تَقول
فَقَالَ: احملاني واتركا الرّحل إنّهبمهلكةٍ والعاقبات تدول
فَقَالَا: معَاذ الله واستربعتهماورحليهما عيرانةٌ وذمول
شكا من خليليه الْجفَاء ونقدهإِذا قَامَ يستام الرّكاب قَلِيل
فباتت هموم النّفس شتّى يعدنهكَمَا عيد شلوٌ بالعراء قَتِيل
فبيناه يشري رَحْله قَالَ قَائِل:لمن جملٌ رخو الملاط ذَلُول
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة
محلّى بأطواقٍ عتاقٍ تزينهأهلّة جنّ بينهنّ فُصُول
فهلّل حينا ثمّ رَاح بنضوهوَقد حَان من شمس النّهار أفول
فَمَا تمّ قرن الشّمس حتّى أناخهبقرنٍ وللمستعجلات زليل
فلمّا طوى الشّخصين وازورّ مِنْهُمَاووطّنه بالنّقر وَهُوَ ذَلُول
فقاما يجرّان الثّياب كِلَاهُمَالما قد أسرّا بالخليل قبيل

وَقد سلك العجير السَّلُولي طَريقَة المخلب الْهِلَالِي وأدرج مَعَاني قطعته فِي شعره فَقَالَ:

أَلا قد أرى إِن لم تكن أمّ خَالِدبِملك يَدي أنّ الْبَقَاء قَلِيل
وَأَن لَيْسَ لي فِي سَائِر النّاس رغبةٌوَلَا مِنْهُم لي مَا عداك خَلِيل
وَمَا وجد النّهديّ وجدا وجدتهعَلَيْهَا وَلَا العذريّ ذَاك جميل

)

وَلَا عروةٌ إِذْ مَاتَ وجدا وحسرةًبعفراء لمّا أَن أجدّ رحيل
وَلَا وجد ملقٍ رَحْله ضلّ نضوهبمكّة أَمْسَى والرّفاق نزُول
سعى مَا سعى حتّى أَتَى اللَّيْل دونهوريحٌ تلهّى بالتّراب جفول

وسَاق هَذَا المساق حَتَّى قَالَ بعد سَبْعَة أَبْيَات:

فبيناه يشري رَحْله قَالَ قائلٌلمن جملٌ رسل الملاط طَوِيل
للشاعر العجير السلولي، اقرأ القصيدة

كَذَا فِي شعر العجير رسل الملاط طَوِيل فَعلم أَن السَّبق للمخلب الْهِلَالِي.

شبه الشَّاعِر حَاله فِي هوى امْرَأَة يُحِبهَا وَشدَّة وجده بهَا بوجد هَذَا الرجل الَّذِي ضل بعيره وفارقه أَصْحَابه فباتت هموم هَذَا الرجل شَتَّى تذْهب عَنهُ حينا فيسكنن وتجيئه جيناً فَيَعُود إِلَيْهِ الْأَلَم ويأتيه كَمَا يَأْتِي العوائد إِلَى الْمَرِيض وَإِلَى الْقَتِيل ينظرنه فَبينا هُوَ يَبِيع رَحل جمله الَّذِي ضل مِنْهُ سمع من يعرف الْجمل ليَرُدهُ على صَاحبه.

والشلو بِالْكَسْرِ: الْعُضْو. والعراء بِالْفَتْح: الفضاء. والأطواق: جمع طوق. وَالْعتاق: الحسان.

والجرس: الصَّوْت. والصليل: صَوت فِيهِ شدَّة مثل صَوت الْحَدِيد وَالْفِضَّة وَمَا أشبههما.

والنضو بِالْكَسْرِ: الْبَعِير المهزول. وَالرِّيح الجفول: الَّتِي تلقى التُّرَاب شَيْئا على شَيْء. والسفاه بِالْفَتْح: مصدر سفه فلَان سفاهة وسفاها. وتدول بِمَعْنى تَدور.

يُقَال: دالت الْأَيَّام تدول مثل دارت تَدور وزنا وَمعنى. واستام: افتعل من السّوم يُقَال: سَام المُشْتَرِي السّلْعَة واستامها إِذا طلب بيعهَا. والركاب: الْإِبِل وَهُوَ مفعول وَقَلِيل: خبر الْمُبْتَدَأ الَّذِي هُوَ نَقده أَي: دَرَاهِمه. وَقرن الثَّانِي: مَوضِع. وزليل: مصدر زل بالزاي إِذا مر مرا سَرِيعا.

والعجير السَّلُولي بِضَم الْعين وَفتح الْجِيم قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: هُوَ مَنْسُوب إِلَى بني عجير وَهُوَ حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب.

أَقُول: العجير لقب وَلَيْسَ فِيهِ نِسْبَة. على أَن الصَّاغَانِي قَالَ فِي الْعباب: بَنو عجْرَة قَبيلَة من الْعَرَب. وَلَيْسَ فِيهِ بَنو عجير. والعجير يحْتَمل أَن يكون مصغر عجر مصدر عجر عُنُقه إِذا لواها ومصغر عجر بِفتْحَتَيْنِ مصدر عجر بِالْكَسْرِ أَي: غلظ وَسمن. وَيحْتَمل أَن يكون مصدر ترخيم أعجر يُقَال: كيس أعجر أَي: ممتلئ وفحل أعجر أَي: ضخم.

قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: اسْم العجير عُمَيْر بِالتَّصْغِيرِ بن عبد الله بن عُبَيْدَة. بِفَتْح)

الْعين وَكسر الْمُوَحدَة وَقيل ابْن عُبَيْدَة بضَمهَا. وَهُوَ من بني سلول بن مرّة بن صعصعة أخي عَامر بن صعصعة.

وَأم بني مرّة سلول بنت ذهل بن شَيبَان بن ثَعْلَبَة غلبت عَلَيْهِم وَبهَا يعْرفُونَ. ويكنى العجير أَبَا الفرزدق وَأَبا الْفِيل. وَهُوَ شَاعِر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. اه.

وَقَالَ الْآمِدِيّ فِي المؤتلف والمختلف: أَبُو الفرزدق فَهُوَ ال عجير السَّلُولي مولى لبني هِلَال وَيُقَال: هُوَ العجير بن عبد الله بن عُبَيْدَة بن كَعْب بن عَائِشَة بن ضبيط بن رفيع بن جَابر بن عَمْرو بن مرّة بن صعصعة وهم سلول اه.

وسلول اسْم مرتجل غير مَنْقُول.

وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالثَّلَاثِينَ بعد الثلاثمائة.

وَأما المخلب فَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة اسْم مَنْقُول. قَالَ صَاحب الْعباب: يُقَال ثوب مخلب إِذا كَانَت نقوشه كمخالب الطير وَقيل هُوَ الْكثير الوشي من الثِّيَاب. وكرسي مخلب: مَعْمُول بالليف. وخلب التَّنور: طينه.

وَهَذَا الشَّاعِر لم أَقف على نسبه وَلَا على شَيْء من أَثَره. وَالله أعلم.

دارٌ لسعدى إذه من هواكا على أَن الأَصْل إِذْ هِيَ فحذفت الْيَاء ضَرُورَة.

قَالَ القالي فِي شرح اللّبَاب أَوله: هَل تعرف الدَّار على تبراكا وَهُوَ بِكَسْر التَّاء مَوضِع.

وَفِي هَذَا رد على الْكُوفِيّين فِي زعمهم أَن الضَّمِير فِي هُوَ وَهِي إِنَّمَا هُوَ الْهَاء وَالْوَاو وَالْيَاء زائدتان.

قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن الِاسْم من هُوَ وَهِي الْهَاء وَحدهَا.

وَذهب البصريون إِلَى أَن الْهَاء وَالْوَاو من هُوَ وَالْهَاء وَالْيَاء من هِيَ هما الِاسْم بمجموعهما.

أما الْكُوفِيُّونَ فاحتجوا بِأَن قَالُوا: الدَّلِيل على أَن الِاسْم هُوَ الْهَاء أَن الْوَاو وَالْيَاء يحذفان فِي التَّثْنِيَة نَحْو: هما وَلَو كَانَت أصلا لما حذفت.

وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ أَنَّهُمَا يحذفان فِي الْإِفْرَاد وَتبقى الْهَاء قَوْله:) فبيناه يشري رَحْله.............. الْبَيْت وَقَالَ الآخر:

وَقَالَ الآخر:

إذاه سيم الْخلف آلى بقسمبالله لَا يَأْخُذ إلاّ مَا احتكم

وَقَالَ الآخر: دارٌ لسعدى إذه من هواكا فَدلَّ على أَن الِاسْم هُوَ الْهَاء وَحدهَا. وَإِنَّمَا زادوا الْوَاو وَالْيَاء تكثيراً للاسم كَرَاهِيَة أَن يبْقى على حرف وَاحِد.

وَأما البصريون فاحتجوا بِأَن قَالُوا: الدَّلِيل على أَن الْوَاو وَالْيَاء أصل أَنه ضمير مُنْفَصِل وَالضَّمِير الْمُنْفَصِل لَا يجوز أَن يبْنى على حرف لِأَنَّهُ لَا بُد من الِابْتِدَاء بِحرف وَالْوَقْف على حرف فَلَو كَانَ الِاسْم هُوَ الْهَاء لَكَانَ يُؤَدِّي أَن يكون الْحَرْف الْوَاحِد سَاكِنا متحركاً وَهُوَ محَال.

وَأما قَوْلهم إِن الْوَاو وَالْيَاء يحذفان فِي التَّثْنِيَة. قُلْنَا: إِن هما لَيْسَ تَثْنِيَة وَإِنَّمَا هِيَ صِيغَة مرتجلة للتثنية كأنتما. وَأما مَا أنشدوه من الأبيات فَإِنَّمَا حذفت الْوَاو وَالْيَاء لضَرُورَة الشّعْر كَقَوْل الشَّاعِر:

فلست بآتيه وَلَا أستطيعهولاك اسْقِنِي إِن كَانَ ماؤك ذَا فضل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

أَرَادَ: وَلَكِن اسْقِنِي فحذفت النُّون للضَّرُورَة. وَأما قَوْلهم: زادوا الْوَاو وَالْيَاء تكثيراً للاسم كَمَا زادوا الْوَاو فِي ضربتهو قُلْنَا: هَذَا فَاسد لِأَن هُوَ ضمير مُنْفَصِل وَالْهَاء ضمير مُتَّصِل وَقد بَينا أَن الْمُنْفَصِل لَا يجوز أَن يكون على حرف بِخِلَاف الْمُتَّصِل لِأَنَّهُ لَا يقوم بنفسهِ فَلَا يجب فِيهِ مَا وَجب فِي الْمُنْفَصِل وَالْوَاو فِي ضربتهو

لَازِمَة السّكُون بِخِلَاف وَاو هُوَ فَإِنَّهَا جَائِزَة السّكُون وَلَو كَانَا بِمَنْزِلَة لوَجَبَ أَن يسوى بَينهمَا فِي الحكم. وَالله أعلم.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»