تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ٢١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

بحوران يعصرن السّليط أَقَاربه

على أَنه جَاءَ على لُغَة أكلوني البراغيث.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن من الْعَرَب من يَقُول: ضربوني قَوْمك وضرباني أَخَوَاك فشبهوا هَذَا بِالتَّاءِ الَّتِي يظهرونها فِي قَالَت فُلَانَة وَكَأَنَّهُم أَرَادوا أَن يجْعَلُوا للْجمع عَلامَة كَمَا جعلُوا للمؤنث وَهِي قَليلَة.

وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وأمّهبحوران يعصرن السّليط أَقَاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»

انْتهى. ف أَقَاربه فَاعل يعصر وَالنُّون عَلامَة لكَون الْفَاعِل جمعا كتاء التَّأْنِيث.

قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح شواهده: إِنَّمَا قَالَ يعصرن لِأَنَّهُ شبههم بِالنسَاء لأَنهم لَا شجاعة لَهُم والخدمة والتبذل فِي الْعَرَب إِنَّمَا هُوَ للنِّسَاء وَإِمَّا الرِّجَال فشغلهم بالحروب. وَقيل شبهه بِبَعِير ديافي ثمَّ أقبل يصف أقَارِب الْبَعِير وأقاربه جمال. فَلذَلِك جَاءَ بالنُّون. انْتهى.

أَقُول: الْوَجْه الثَّانِي بعيد لَا قرينَة لَهُ ويزيده بعدا يعصرن السليط.

قَالَ ابْن خلف: وَفِي رفع أَقَاربه أوجه أخر: أَحدهَا: يجوز أَن يكون مُبْتَدأ ويعصرن خبر مقدم عَلَيْهِ وَهَذَا سَائِغ عِنْد أهل الْبَصْرَة كَمَا قَالُوا: مَرَرْت بِهِ الْمِسْكِين يُرِيدُونَ: الْمِسْكِين مَرَرْت بِهِ.

قَالَ أَبُو عَليّ: وَفِيه مَعَ هَذَا قبح لِأَن الْخَبَر جملَة وَلَيْسَ بمفرد فَلَا يَنْبَغِي أَن يجوز فِيهِ مَا جَازَ فِي الأَصْل الَّذِي هُوَ الْمُفْرد. وَأهل الْكُوفَة لَا يجيزون مثل هَذَا. وَيحْتَمل أَن يكون رفعا بحوران وَيكون بحوران صفة لديافي ويعصرن حَالا من الْأَقَارِب.

وَيجوز أَن يكون بَدَلا من النُّون كَمَا قيل فِي: وأسَرُّوا النَّجْوَى الَّذين ظَلَمُوا. وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مُضْمر وَالْجُمْلَة جَوَاب لسؤال مُقَدّر كَأَنَّهُ لما قيل بحوران يعصرن السليط فَقيل: من أَقُول: هَذِه الْوُجُوه الْأَرْبَعَة مَبْنِيَّة على أَن النُّون ضمير وَهَذِه النُّون فِي الْبَيْت سَوَاء كَانَت حرفا أم اسْما تدل على صِحَة مَا نَقله الشَّارِح الْمُحَقق فِي بَاب التوكيد عَن الأندلسي من جَوَاز رُجُوع ضمير جمَاعَة الْمُؤَنَّث إِلَى الْجمع المكسر الْعَاقِل فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يسْتَدلّ بِهَذَا الْبَيْت دون الْبَيْت)

الْمُتَقَدّم لخفائه كَمَا تقدم.

وَقَوله: ديافي خبر لمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: لَكِن أَنْت ديافي يدل عَلَيْهِ قَوْله فِيمَا قبله: لَو كنت ضبياً أَو هُوَ ديافي: لقَوْله فَلَو كَانَ ضبياً كَمَا يَأْتِي. وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى دياف بِكَسْر الدَّال بعْدهَا مثناة تحتية وَآخره فَاء.

قَالَ صَاحب الْعباب: دياف من قرى الشَّام وَأَهْلهَا نبط الشَّام وتنسب الْإِبِل إِلَيْهَا وَالسُّيُوف.

وَإِذا عرضوا بِرَجُل أَنه نبطي نسبوه إِلَيْهَا.

قَالَ: وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وَأمه الْبَيْت وَهَذَا يدل على أَن ديافاً بِالشَّام لَا بالجزيرة كَمَا قيل لِأَن حوران من رساتيق دمشق.

وَكَذَا قَالَ الْحسن السكرِي فِي شرح ديوانه: وَقَالَ جرير:

إنّ سليطاً كاسمه سليطلَوْلَا بَنو عمروٍ وعمرٌ عيط

أَرَادَ: عَمْرو بن يَرْبُوع وهم حلفاء بني سليط.

وَقَالَ الأخطل:

كأنّ بَنَات المَاء فِي حجراتهأَبَارِيق أَهْدَتْهَا ديافٌ لصرخدا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «صحا القلب إلا من ظعائن فاتني»

انْتهى.

وَلم يُورد أَبُو عبيد الْبكْرِيّ دياف فِي مُعْجم مَا استعجم.

وَأَبوهُ مَرْفُوع بديافي لِأَنَّهُ خبر سببي. وأتى بضمير الْغَيْبَة لِأَن التَّقْدِير أَنْت رجل ديافي أَبوهُ. وَأمه مَعْطُوف عَلَيْهِ.

وَقَوله: بحوران مُتَعَلق ب يعصرن وَجُمْلَة: يعصرن صفة لديافي وَضمير أَقَاربه رَاجع عَلَيْهِ. هَذَا هُوَ الظَّاهِر.

وَذكر ابْن خلف أوجهاً متعسفة فِي إِعْرَاب كل لَفْظَة من هَذَا الْبَيْت لَا فَائِدَة فِي نقلهَا.

ويعصرن بِكَسْر الصَّاد. قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: عصرت الْعِنَب وَنَحْوه عصراً من بَاب ضرب: استخرجت مَاءَهُ وَأَرَادَ هُنَا يستخرجن السليط بِفَتْح السِّين وَكسر اللَّام. قَالَ الصَّاغَانِي فِي الْعباب: السليط الزَّيْت عِنْد عَامَّة الْعَرَب وَعند أهل الْيمن دهن السمسم.

وَقَالَ ابْن دُرَيْد وَابْن فَارس: السليط بلغَة أهل الْيمن وبلغة من سواهُم: دهن السمسم: أَقُول:)

الْأَمر على خِلَافه فَإِنِّي سَمِعت أهل مَكَّة حرسها الله تَعَالَى وَأهل تهَامَة واليمن يسمون دهن السمسم: السليط. انْتهى.

وَقَالَ ابْن خلف: السليط الشيرج وَهُوَ هُنَا الزَّيْت لِأَن حوران من مدن الشَّام وَأَهْلهَا نبط فَهِيَ بعصر الزَّيْت أشهر مِنْهَا بعصر الشيرج. وَقد يجوز أَن يكون الشيرج لِأَنَّهُ يعصر بِالشَّام كَمَا يعصر الزَّيْت. وَالدَّلِيل على أَن السليط يَقع على الزَّيْت قَول النَّابِغَة الْجَعْدِي:

أَضَاءَت لنا النّار وَجها أغرّ ملتبساً بالفؤاد التباسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»
يضيء كضوء سراج السّليط لم يَجْعَل الله فِيهِ نُحَاسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

والنحاس: الدُّخان وَذَلِكَ مَعْدُوم فِي الزَّيْت وَأما الشيرج فكثير الدُّخان. هجاه بذلك إِذْ جعله من أهل الْقرى المستخدمين لإِقَامَة عيشهم ونفاه عَمَّا عَلَيْهِ الْعَرَب من الانتجاع وَالْحَرب.

وَالْبَيْت من أَبْيَات للفرزدق وَهِي:

ستعلم يَا عَمْرو بن عفرى من الَّذِييلام إِذا مَا الْأَمر عيّت عواقبه
فَلَو كنت ضبّيّاً صفحت وَلَو سرتعلى قدمي حيّاته وعقاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وأمّهبحوران يعصرن السّليط أَقَاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
ولمّا رأى الدّهنا رمته حبالهاوَقَالَت ديافيٌّ مَعَ الشَّام جَانِبه
تضنّ بِمَال الباهليّ كأنّماتضنّ على المَال الَّذِي أَنْت كاسبه
وإنّ امْرأ يغتابني لم أَطَأ لَهُحريماً وَلَا تنهاه عنّي تجاربه
كمحتطبٍ يَوْمًا أساود هضبةٍأَتَاهُ بهَا فِي ظلمَة اللّيل حاطبه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»
أحين التقى ناباي وابيضّ مسحليوأطرق إطراق الكرا من أحاربه
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ستعلم يا عمرو بن عفرا من الذي»

روى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن مُحَمَّد بن سَلام قَالَ: أَتَى الفرزدق عبد الله بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فَسَأَلَهُ فثقل عَلَيْهِ الْكثير وخشيه فِي الْقَلِيل وَعِنْده عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ راوية الفرزدق وَقد كَانَ هجاه جرير لروايته

للفرزدق فِي قَوْله:

ونبّئت جوّاباً وسكناً يسبّنيوَعَمْرو بن عفرى لاسلامٌ على عَمْرو
للشاعر جرير، من قصيدة «أدار الجميع الصالحين بذي السدر»

فَقَالَ ابْن عفراء الضَّبِّيّ: لَا يهولنك أمره. فَقَالَ: وَكَيف ذَاك قَالَ: أَنا أرضيه عَنْك بِدُونِ مَا كَانَ هم لَهُ بِهِ. فَأعْطَاهُ ثلثمِائة دِرْهَم فَبلغ الفرزدق صَنِيع عَمْرو فَقَالَ هَذِه الأبيات.

قَالَ: فَأَتَاهُ ابْن عفراء فِي نَادِي قومه فَقَالَ لَهُ: اجهد جهدك هَل هُوَ إِلَّا هَذَا وَالله لَا أدع لَك)

مساءةً إِلَّا أتيتها وَلَا تَأْمُرنِي بِشَيْء إِلَّا اجتنبته وَلَا تنهاني عَن شَيْء إِلَّا ركبته. قَالَ: فَاشْهَدُوا أَنِّي أنهاه أَن ينيك أمه. فَضَحِك الْقَوْم وخجل ابْن عفراء. وروى أَيْضا بعد هَذَا فِي مَوضِع آخر عَن يُونُس النَّحْوِيّ قَالَ:

مدح الفرزدق عَمْرو بن مُسلم الْبَاهِلِيّ فَأمر لَهُ بثلثمائة دِرْهَم وَكَانَ عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ صديقا لعَمْرو فلامه وَقَالَ: أتعطي الفرزدق ثلثمِائة دِرْهَم وَإِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن تعطيه عشْرين درهما فَبلغ ذَلِك الفرزدق فَقَالَ:

نهيت ابْن عفرى أَن يعفّر أمّهكعفر السّلى إِذْ جرّدته ثعالبه
وإنّ امْرأ يغتابني لم أَطَأ لَهُحريما فَلَا تنهاه عنّي أَقَاربه
كمحتطبٍ لَيْلًا أساود هضبةٍأَتَاهُ بهَا فِي ظلمَة اللّيل حاطبه
ألمّا اسْتَوَى ناباي وابيضّ مسحليوأطرق إطراق الكرا من أحاربه
فَلَو كَانَ ضبّيّاً صفحت وَلَو سرتعلى قدمي حيّاته وعقاربه
وَلَكِن ديافيٌّ أَبوهُ وَأمهبحوران يعصرن.. الْبَيْت انْتهى

وَقَالَ ابْن خلف وَصَاحب الْعباب: سَبَب هَذَا الشّعْر أَن عَمْرو بن عفراء الضَّبِّيّ قَالَ لعبد الله بن مُسلم الْبَاهِلِيّ: وَقد أعْطى الفرزدق خلعة وَحمله على دَابَّة وَأمر لَهُ بِأَلف دِرْهَم فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن عفراء: مَا يصنع الفرزدق بِهَذَا الَّذِي أَعْطيته إِنَّمَا يَكْفِي الفرزدق ثَلَاثُونَ درهما يَزْنِي بِعشْرَة وَيَأْكُل بِعشْرَة وَيشْرب بِعشْرَة. فهجاه الفرزدق بِهَذَا. انْتهى.

وَقَوله: ستعلم يَا عَمْرو الخ هَذَا تهديد وعفراء بِالْمدِّ قصر ضَرُورَة فَكتب بِالْيَاءِ وَهِي أمه.

وعي: بِمَعْنى لم يهتد لوجهه.

وَقَوله: فَلَو كنت ضبياً الخ نَفَاهُ عَن قبيلته لكَونه سكن الْقرى وَلم يكن على طَريقَة الْعَرَب.

وَقَوله: وَلما رأى الدهنا الخ الدهنا يمد وَيقصر وَهُوَ مَوضِع بِبِلَاد تَمِيم. وحبالها: أَسبَابهَا.

وديافي بِتَقْدِير هُوَ ديافي وَجُمْلَة: مَعَ الشَّام جَانِبه صفة لَهُ وَجَوَاب لما مَحْذُوف وَالتَّقْدِير سكن الشَّام وَنَحْوه. وَقَالَ الْحسن السكرِي: الْوَاو هُنَا مقحمة فِي وَقَالَت: لَا مَوضِع لَهَا أَرَادَ قَالَت.

انْتهى.

وَقَوله: فَإِن تغْضب الدهنا هَذَا وَجه رمي الدهنا لَهُ فَإِنَّهُ سوقي يتاجر بالزيت. والدهنا لَا)

تقبل من هُوَ كَذَا. وَقَوله: تضن أَي: تبخل.

وَقَوله: كمحتطب يَوْمًا الخ هُوَ خبر إِن فِي قَوْله وَإِن امْرأ وَهُوَ الَّذِي يجمع الْحَطب. والأساود: جمع أسود وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات وَفِيه سَواد. والهضبة: الْجَبَل المنبسط على وَجه الأَرْض أَشَارَ إِلَى الْمثل الْمَشْهُور لمن يتَكَلَّم

بالغث والسمين: حَاطِب ليل لِأَنَّهُ لَا يبصر مَا يجمع فِي حبله رُبمَا يجمع فِي حطبه حَيَّة يكون هَلَاكه بهَا.

وَقَوله: أحين التقى ناباي الخ التقاء النابين واستواؤهما كِنَايَة عَن بُلُوغ الأشد. والمسحل: بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: عَارض الرجل أَي: صفحة خَدّه. وأطرق أَي: أرْخى عَيْنَيْهِ ينظر إِلَى الأَرْض.

والكرا لُغَة فِي الكروان. يَقُول: أيؤذيني فِي وَقت شدتي وَحين تهابني أقراني وأطرقوا مني كإطراق الكروان. والاستفهام إنكاري.

وَقَوله: نهيت ابْن عفري أَن يعفر أمه الخ التعفير: التمريغ فِي التُّرَاب.

والسلى بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَالْقصر هُوَ الْجلْدَة الرقيقة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد من الْمَوَاشِي.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»