من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
في الدُّروع
لمزَرِّدٍ:
ومَسْفُوحةٍ فَضْفَاضةٍ تُبَّعِيَّةٍوَآهَا القَتِيرُ تَجْتَوِيها المَعَابِلُ
دِلاَص كظهْرِ النُّونِ لا يَستطيعُهاسِنَانٌ ولا تِلْكَ الحِظَاءُ الدَّوَاخِلُ
مُوَشَّحَة بَيْضاء دَانٍ حَبِيكُهَالهَا حَلَقٌ بين الأَنَامِلِ فاضِلُ
مُشهَّرَة تُحْنَى الأَصَابعُ نَحْوَهاإِذَا جُمِعَتْ يَوْمَ الحِفاظِ القَبَائِلُ
وَصَفَها أَنّها سابغةٌ، كما قال عَمْرُو بن مَعْدِ يكَرِبَ:
وأَعْدَدْتُ للحَرْب فضْفاضَةًدِلاَصاً تَثَنَّى على الرَّاهِشِ
وقال الأَصمعيّ: لئن أَجادَ في صِفَةِ الدِّرْع لقَد عابَ مَن يَلْبَسها، وذلك أَنّ الفُرْسانَ المَذْكورين لا يَحْفِلُونَ بسُبُوغِ الدِّرْع، وأَنْشَد:
والدِّرْعُ لا أَبْغِي بها نَثْرةًكُلُّ امْرئٍ مُسْتَوْدَعٌ ما لَهُ
أَي مَن قُدِّرَ عَلَيْه شْيءٌ أَصابَه.
ورَوَى غيرُ الأَصمعي هذا البيت لابن الَّزيَّابة التَّيميّ:
والدِّرْعُ لا أَبْغِي بها ثَرْوَةًكلُّ امْرِئٍ مُسْتَوْدَعٌ ماله
أَي الدِّرْع لا أَبِيعها بمالٍ، يقول المالُ مُسْتوْدَعٌ عند النّاس، ودِرْعي عندي لا أَبيعها ولا أُضيعها، ولكنّي أُؤَدِّي فيها الأمانَة. وهذا مثَلٌ.
وأَنشد الأَصمعيِّ للأَعشى:
وإِذا تكون كِتيبةٌ ملْمومةٌخَرْساءُ يَخْشَى الذَّائدُون نِهَالَهَا
كُنْتَ المقدَّم غيْرَ لابِس جُنَّةٍبالسَّيْف تَضرِبُ مُعْلِماً أَبْطالَهَا
وعَلِمتَ أَنّ النَّفْس تَلْقَى حَتْفَهاما كان خالِقُها المَلِيكُ قَضَى لهَا
وقال: لمّا أَنشد كثير بن عبد الرحمن عبدَ الملك بن مروان:
على ابنِ أَبِي العاصِي دِلاصٌ حَصِينةٌأجاد المُسَدِّي سَرْدها وأَذَالَها
يَؤودُ ضَعيفَ القوْم حَمْلُ قَتِيرِهاويسْتَضْلِعُ الطِّرْفُ الأَشمُّ احْتِمالها
قَال له عبد الملك: هلاّ قُلت كما قال الأعشى وإِذا تكون كتيبة ... الأبيات. فقال: يا أَمير المؤمنين، وصَفْتُك بالحَزْم، ووَصفَ الأَعشى صاحبه بالخُرْق، فقال عبدُ الملك: بل وَصَفَ صاحِبَه بالشجاعة والإِقدام، ووَصفْتَني بالجُبْن والإحجام.
وما أَحسنَ ما قال أَوس بن حَجر:
وأَمْلَس صُولِيّاً كنِهْيِ قرَارَةٍأَحَسَّ بقاعٍ نفحَ رِيحٍ فأَجْفَلاَ
كأَنّ قُرُونَ الشَّمْسِ بعْد ارتِفَاعِهاوقد صَادَفَتْ طلْقاً من النَّجْم أَعزَلاَ
تَردَّدَ فيه ضَوْءُها وشُعَاعُهَافأَحْصِنْ وأَزْيِنْ لامْرِئٍ أَن تَسَرْبَلاَ
وقال أَبو عبيدة: أَحسُ ما قِيل في صِفةِ الدُّروع:
وبِيضٍ من النَّسْج القدِيم كأَنَّهَانِهاءُ نقِيعٍ مَاؤُه مُتَرَافِعُ
تُصَفِّقُها هُوجُ الرِّياحِ إِذا جَرَتْوتعْقُبُهَا الأَمْطارُ فالماءُ راجِعُ
وللجُميْح الأَسديّ واسمه مُنْقِذ:
مُدَّرِعاً رَيْطةً مضاعفةًكالنهِي وفَّى سَرَارَهُ الرِّهَمْ
ولمُعقِّر بن قَيْس:
وخَيْلٍ قدْ دَلَفتُ لهَا بِخَيْلٍعليها الشُمْطُ من أَولادِ عَبْسِ
علَيْهمْ كُلُّ سابِغةٍ دِلاَصٍكأَنّ قتِيرَها حَدَقُ ابنِ عِرْسِ
ولعبد الله بن سلام:
ولم تَر يحيى فوقَه تُبَّعِيّةٌتَرُدُّ غِرار السَّيْفِ والسَّيفُ قاضِبُ
تقارَبَ منها السَّرْدُ حتّى كأَنّماتَخازَرُ فيهَا بالعُيُون الجَنادبُ
هذا البيتُ حَسنُ المعنى، لأَنّ أَكثر من وَصَفَ الدُّروعَ شَبَّهَها بحَدَق الجَرادِ، والجَنَادِبُ ضَرْبٌ منها، ولم يَرْضَ هذا حتّى قال تخازَرُ أَلف والتخازُرُ تصْغِير العَيْن، فجعلَها مِثل عُيُونِ الجَرَادِ المصغَّرة، وهذا إِغراقٌ في الوَصْف.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع