من «المصون في الأدب» لأبي أحمد العسكري (ت ٣٨٢هـ)
أنواع التشبيه عند العرب
العرب تشبّه على أربعة أضرب: تشبيه مفرط وتشبيه مصيب، وتشبيه مقارب، وتشبيه يحتاج إلى التفسير ولا يقوم بنفسه فمن المفرط قولهم للسخىّ: هو كالبحر، وسما حتّى بلغ النجم ثم زادوا في ذلك فمنه قول بعضهم:
له هممٌ لا منتهى لكبارهاوهمّته الصغرى أجلُّ من الدّهرِ
له راحةٌ لو أنّ معشارَ جودهاعلى البرّ كان البرُّ أندى من البحر
ولو أنَّ خلق الله في مسكِ فارسٍوبارزَه كان الخلىَّ من الذُّعر
ومن تشبيههم المتجاوز الجيد قوله:
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوههمدحى الليَّل حتى نظَّم الجزعَ ثاقبه
قالت امرأةٌ لعمران بن حطّان: زعمت أنك لم تكذب في شعر قطُّ، وقد قلت:
فهناك مجزأةُ بن ثّورٍ كان أشجعَ من أُسامه
أفيكون رجلٌ أشجع من الأسد؟ قال: أنا رأيت مجزأة فتح مدينةً، والأسدُ لا يفتح مدينة: ومن التشبيه القاصد الصحيح قوله:
وعيدُ أبي قابوسَ في غير كنههِأتاني ودوني راكسلٌ فالضَّواجعُ
فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌمن الرُّقش في أنيابها السمُّ ناقعُ
يُسهَّد من ليل التمام سليمهالحلى النِّساء في يديه قعاقعُ
تناذَرها الراقونَ من سوءِ سمّهاتطلّقه طوراً وطوراً تراجعُ فهذه صفة الخائف المهموم
ومنه قول الآخر:
تبيت الهموم الطارقات يعُدننيكما تعترى الأهوال رأْسَ المطلَّقِ
وأما التشبيه البعيد الذي لا يقوم بنفسه فكقوله:
بل لو رأتني أخت جيرانناإذ أنا في الحيّ كأنّي حمارْ
أراد الصحة. وهذا بعيدٌ لأنّ السامع إنما يستدلّ عليه بغيره وقد وقع على ألسن الناس من التشبيه المستحسن عندهم وعن أصل أخذوه، أن يشبّهوا عين المرأة وعين الرجل بعين الظبية أو البقرة الوحشية، والأنف بحدّ السيف، والفم بالخاتم، والشعر بالعناقيد، والعنق بإبريق فضّة، والساق بالجمّارة
النص من طبعة مطبعة حكومة الكويت (١٩٨٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع