من «المصون في الأدب» لأبي أحمد العسكري (ت ٣٨٢هـ)
من أحسن ما قيل في الأوصاف والتَّشبيه
أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: قال الهيثم بن عديّ: قال لنا صالح بن حّسان: أنشدوني أحسن شيء قيل في الثُّريّا. قلنا: بيت امرئ القيس:
إذا ما الثُريّا في السماء تعرَّضَتْتعرُّض أثناءِ الوشاح المفصَّلِ
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيت عبد الله بن الزَّبير:
وقد حزنَ الغورُ الثُّريّا كأنّهايدا رايةٍ بيضاءَ تخفق للطَّعنِ
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: بيتُ ذي الرمّة:
وردت اعتسافاً والثُّريا كأنّهاعلى قمّة الرأْس ابن ماء محلِّقُ
يدفُّ على آثارها دبرانُهافلا هو مسبوقٌ ولا هو يلحق
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا بيت يزيد بن الطَّثرية:
إذا ما الثُّريا في السماءِ كأنهاجمانٌ وهي من سلكه فتبدّدا
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: قولُ الآخر:
نظرتُ والثُّريا كأنّهاقلادةُ سلكٍ سلَّ منها نظامها
قال: أريد أحسن من هذا. قلنا: ما عندنا. قال: بيت أبي قيس بن الأسلت:
وقد لاحَ في الصُّبح الثُّريا لمن رأىكعنقود ملاّحيّة حين نورا
ومّما جاء في صفة الثريا:
ولاحت لساريها الثُّريا كأنّهالدى الجانب الغربيّ قرطٌ مسلسل
فأخذه ابن الروميّ فقال:
طيّب ريقُه إذا ذقتَ فاهوالثُّريا لجانب الغربِ قرطُ
وممن أحسن وصف الثُّريا عبد الله بن المعتزّ في قوله:
ألا سقِّنيها والظَّلامُ مقوَّضُوخيلُ الدُّجى في حلبة الليل تركضُ
كأن الثّريّا في أواخر ليلهاتفتُّحُ نورٍ أو لجامٌ مفضَّض
وقال أيضاً فلم يقع له جيِّداً:
فناولنيها والثريا كأنَّهاجنى نرجسٍ حيّا النّدامى به الساقي
فلم يستو، قوله كأنّها جنى نرجس. ولو وقع له وزنٌ يقول فيه باقة أو طاقات نرجس، على أنّه جنى نرجس بمعنى مجتنى نرجس، كما يروى عن أمير المؤمنين ﵇: هذا جناى وخياره فيه وقال فأحسن وشبّه طلوعها في الليالي المظلمة:
قم يا نديمي نصطبح بسوادِقد كاد يبدو الفجر أو هو بادِ
وأرى الثريا في السَّماءِ كأنّهاقدمٌ تبدَّت من ثياب حداد
وقال عبد الله بن المعتز:
وترى الثُّريا في السَّماءِ كأَنهابيضاتُ أدحىّ يلحنَ بفَدفدِ
وقال غيره:
وترى النجومَ المشرِقات كأنّها دورُ العصابةْ
وترى الثريّا وسطهاوكأنّها زردُ الذُّؤابة
أنشدني أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرّع لنفسه:
تأمَّلتُ الثريّافي طلوع ومغيبِ
فتخيّرتُ لها التَّشبيه بالمعنى المُصيبِ
هي كأسٌ في شروقٍوهي قرطٌ في غروبِ
وقال عبد الله:
قد سقاني المدامَ واللَّيلُ بالصبح مؤتزِرْ
والثريّا كنور غصنٍ على الغرب قد نثر
وقال ابن طباطبا:
كأنّ الثريا لؤلؤٌ متراصفٌيرى أبداً حلياً لظلماءَ عاطلِ
ومّما وصف به الجوزاء والشعرى، قال ابن طباطبا:
إذا ما الثُّريا والهلالُ جلتهُمالي الشمَّس إذ ودّعت كرهاً نهارَها
كأسماء إذ نابت عشاءً وغادرتلدينا دلالاً قرطها وسوارَها
ومنقلبِ الجوزاء يحكى وشاحُهالآلئ فيها لا تخاف انتثارها
وأنسىَ بالشعرى العبور كدمعةٍبعينِ محبٍّ لا يحبُّ انحدارها
ورّعيى سهيلا مثل نارٍ بربوةٍيحرّك منها المواقدُ استعارَها
ونهج ابيضاضٍ للمجرّة لا حبٍإذا شقَّ من روض البنات استتارها
وقال:
كأنّ سنا خطِّ المجرّة بينهاترقرقُ ماءٍ بين نوّاره جارِ
كأنّ يد الجوزاء مع لمع برقهاتهزُّ صفيحاً أو تشبّ سنا نارِ
وقال عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر:
أقول لمّا هاج شوقي الذّكرىواعترضت بطن السماءِ الشّعرى
كأنها ياقوتة في مدرَىما أطول الليل بسُرَّ من را
وقال عبد الله يصف الجوزاء:
وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعهكذات قرط أرادته وقد سقطا
وقال يصف العقرب:
حتّى تهاوتْ زهر الكواكبِوأصغت العقربُ للمَغاربِ
بذنبٍ كصولجانِ اللاعبِ وقال ابن طباطبا:
وليلٍ أرى الجوزاءَ فيه مطلّةًعلىّ تحاكي شخصَ نشوانَ مائلِ
وقد أتلعت منها نجومٌ وشاحهاكأنّ سناها فضةٌ من حمائل
وقال عبد الله:
ولاحت الشعرى وجوزاؤهاكمثل رمحٍ جرَّه رامحُ
وقال في سهيل:
وقد لاح للساري سهيلٌ كأنهعلى كل نجمٍ في السماءِ رقيب
وقال ابن طباطبا:
ها إنها الجوزاء في غربهاناعسةٌ أنجمُها تسحبُ
نطاقها واهٍ لتغريبهاينسلُّ منها كوكبٌ كوكبُ
كأنما الشِّعرى سنانٌ لهنيطَ به ديباجُه الغيهبُ
كأنما لمع سهيلٍ سنانارٍ على رابية يثقبُ
ومما استحسن في وصف القمر والهلال قال عبد الله بن المعتز:
ومصباحنا قمرٌ مشرقٌكترسِ لجينٍ يشقُّ الدٌّجى
وقال محمد بن أحمد العلوى:
ما للهلالِ ناحلاً في المغربِكالنُّون قد حطَّت بماءٍ مذهبِ
وقال:
أهلاً يفطرٍ قد أنارَ هلالهفالآن فاغدُ على المدام وبكِّر
وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍقد أثقلته حمولةٌ من عنبرِ
وقال أبو نواس:
يا قمراً للنِّصف من شهرهِأبدى ضياءً لثمانٍ بقينْ
يقول: أنت كامل الحسن وإنّما جدت لنا ببعض وصلك! أخذه من قول قيس بن الخطيم:
تبدّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍبدا حاجبٌ منها وضنّت بحاجب
وقال:
في قمر مشرقٍ نصفهكأنّه مجرفةُ العطر
وقال عبد الله بن المعتز:
وجاءني في قميص الليلِ مستتراًيستعجل الخطوَ من خوفٍ ومن حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالِ كاد يفضحهمثلَ القلامة قد قصَّت من الظُّفُر
وقال أيضاً يصف الهلال:
قد انقضتْ دولةُ الصِّيام وقدبشَّرَ سقم الهلالِ بالعيد
يتلو الثريا كفاغرٍ شرهيفتح فاه لأكل عنقود
وقال أيضاً:
في ليلة أكل المحاقُ هلالهاحتّى تبدّى مثل وقف العاج
وقال ابن طباطبا:
وقد غمَّضَ العربُ الهلالَ كأنّمايلاحظُ منه ناظر ذات أشفارِ
كأن الذي بقَّى لنا منه أفقهُفضيضُ سوارٍ أو قراضة دينار
وقال عبد الله بن المعتز:
وقد بدت فوق الهلال كرتُهكهامة الأسود شابت لحيتَه
وقال عبد الله يهجو القمر:
يا سارقَ الأنوار من شمس الضُّحىيا مثكلى طيبَ الكرى ومنغِّصى
أمّا ضياءُ الشمس فيك فناقصٌوأرى حرارة نارها لم تنقُضِ
لم يَظفر التشبيهُ منك بطائلمتسلِّخٌ بهقاً كلون الأبرص
النص من طبعة مطبعة حكومة الكويت (١٩٨٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع