تجاوز إلى المحتوى

من «المصون في الأدب» لأبي أحمد العسكري (ت ٣٨٢هـ)

من أخبار النحاة والعلماء

قال أبو إسحاق: وحدّثت عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال: " يا بنيّ! تعلّم النحو، فإنك لم تعلم منه باباً إلاّ تدرّعت من الجمال سربالاً ".

أخبرنا محمد بن يحيى قال: أخبرنا محمد بن الفضل قال: حدّثنا عمر بن شبّة قال: حدّثنا أبو حرب البابيّ قال: كان أبو زيد لا يعدو النحو، فقال له خلفٌ الأحمر: قد ألححتَ على النَّحو لم تعدهُ، ولقلَّ ما ينْبُل منفردٌ به، فعليك بالشعر والأخبار.

أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدّثني أبي عن العطوى قال:

دخل أبو إسحاق بن إبراهيم الموصليّ إلى يحيى بن أكثْمَ وعليه طيلسانٌ أزرق، فتذاكروا الحديث فجرى معهم، ثم الفقه ثم النّحو ثم الشعر، فما مرّ شيءٌ إلاّ زاد عليه. ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال: أصلحك الله، هل

قصّرتً في شيء مما جرى؟ فقال: بل زدتَ: قال: فما بالي أنسب إلى صناعة وأنا أحسن غيره كما أحسن منه! فقال: الجوابُ في هذا على العطويِّ. فقلت: أخبرني عنك أنت في الفقه كأبي حنيفة والشافعيّ: قال: لا. قلتُ: فأنت في الحديث كيحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهديّ؟ قال: لا. قلت: فأنت في النّحو كسيبويه؟ قال: لا. قلت: فإنّما نسبت إلى العلم الذي أنت فيه أوحد لم يشاركك فيه غيرك. فسكت.

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن إسحاق القاضي قال: حدّثت عن أبي حاتم قال: قدم علينا محمد بن مسلم الكوفيّ عاملاً في الخراج والصّدقات، فصرتُ إليه مسلّماً فقال لي: من علماؤكم بالبصرة؟ فقلت: المازنيّ من أعلمهم بالنّحو، والرياشيُّ من أعلمهم باللّغة، وهلالُ الرأي من أفقههم، وابن

الشاذكونيّ من أعلمهم بالحديث، وابن الكلبيّ من أعلمهم بالشّروط، وأنا أنسب إلى علم القرآن. فقال لكاتبه: اجمعهم في غد. فلما اجتمعنا قال: أيُّكم المازني؟ فقال أبو عثمان: هأنذاك أصلحك الله. فقال: ما تقول في كفّارة الظّهار؟ أيجوز فيه عتق غلام أعور؟ فقال له: أصلحك الله، وما علمي بهذا يحسبه هلال الرأي فالتفت إلى هلال الرأي فقال: أرأيت قول الله ﷿: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم " بما انتصب هذا الحرف؟ فقال: أعزّك الله، أنا لا أحسن هذا، إنما يحسنه الرياشيّ. فقال يا رياشيّ، كم حديث روى ابن عونٍ عن الحسن؟ فقال: أصلحك الله، هذا يحسنه ابن الشاذكوني فالتفت إلى ابن الشاذكونيّ فقال: كيف تكتب كتاباً بين رجلٍ وامرأة أرادت مخالعته على إبرائه من صداقها؟ فقال: أعزّك الله، هذا يحسنه ابن الكبّي. فقال لابن الكبيّ:

من قرأ: " ألا إنّهم تثنوني صدورهم " فقال له: أعزّك الله، هذا يحسنه أبو حاتم. فقال لأبي حاتم: كيف تكتب كتاباً إلى أمير المؤمنين تصف فيه خصاصة أهل البصرة وما جرى عليهم العام في ثمارهم؟ فقلت له: أعزّك الله، لست صاحب بلاغة وكتب، إنما أنسب إلى علم القرآن. فقال: انظر إليهم، قد أفنى كلّ واحد منهم ستين سنةُ في فنٍّ واحد من العلم حتّى لو سئل عن غيره لساوى فيه الجهّال، لكنّ عالمنا بالكوفة لو سئل عن هذا كلّه أصاب. يعني الكسائيّ.

النص من طبعة مطبعة حكومة الكويت (١٩٨٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المصون في الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.