من «الأزمنة والأمكنة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
فصل في ذكر أسماء المنازل وصفاتها
وهي نجوم الأخذ، قال الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
وهي ثمانية وعشرون منزلا لا اختلاف في ذلك، وتسمّى نجوما، وإن كان منها ما هو كوكب واحد، وكان منها ما هو أكثر، وقد قيل للثّريا: النجم، وهو كالعلم لها وهي ستّة كواكب. والنّجم إن كان كالعلم، وقد شهرت به، فقد يقولون في النّسبة هذا النّجم الثّريا إذا جعلوه اسما لجماعة كواكبها، ويقولون: هذه نجوم الثّريا إذا جعلوا كلّ كوكب منها نجما، ثم جمعوها. قال ذو الرمة:
لعالية في الأدحى بيضا بقفرةكنجم الثّريا لاح بين السّحائب
وقال الأعشى فجعله جمعا:
يراقبن من جوع خلاء مخافةنجوم الثّريّا الطّالعات الشّواخصا
وقال أبو عبيدة: يقال النجم، فيفرد اللفظ والمعنى للجمع، وأنشد قول الراعي:
فباتت تعدّ النّجم في مستجيرةسريع بأيدي الآكلين جمودها
يعني ضيفة قراها جفنة، قد استجار فيها الدّهم، فهي ترى نجوم اللّيل فيها. وأمّا الكوكب فلا نعلمه يقع إلا على واحد فقط، وقال الآخر في منازل القمر فسمّاها نجوما:
وأخوات نجوم الأخذ إلّا أنضةأنضة محل ليس قاطرها يثري
قال أبو عبيدة: نجوم الأخذ: منازل القمر، سمّيت نجوم الأخذ، لأخذه كلّ ليلة في منزل. وقال أبو عمرو الشّيباني: الأخذ: نزول القمر منازله، يقال: أخذ القمر نجم كذا إذا نزل به. وأنشد أبو عمرو شعرا:
وأمست نجوم الأخذ غبرا كأنّهامقطّرة من شدّة البرد كسف
وقال: مقطّرة من القطار، أراد تناسقها، ومراد الشّاعر كسوفها، لأنّها متناسقة في الخصب والجدب. وكان على كل حال، وكسوفها ذهاب نورها لشدّة الزّمان وذلك لما يعرض في الهواء من الكدر ولا يجلوه، قال أبو الطمحان القتبي: تذكر حميرا وردت عيونا.
وتراها نجوم الأخذ في حجراتهاوتنهق في أعناقها بالجداول
وقال أبو حنيفة: أول ما تبتدئون به من المنازل الشّرطان، ولما كانت العرب تقدّم الشّتاء كان أول أنوائها مؤخّر الدلو، وهو الفرع المؤخر، ونوؤه محمود الوقت، عزيز الفقد، وهو أوّل الوسمي، ثم بطن الحوت وهو الذي يسمّيه الرّشاء ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه.
واعلم أنّ المنازل تبدو للعين منها في السّماء أبدا نصفها، وهو أربعة عشر، وكذا البروج يبدو نصفها، وهو ستة لأنه كلّما غاب واحد منها طلع من المشرق رقيبه وسقوط كلّ منزل فيه ثلاثة عشر يوما سوى الجبهة، فإنّ لها أربعة عشر يوما لأنّها خصّت باللّيلة الباقية من أيّام السّنة الثّلاث مائة والخمسة والستين، وفضلت بذلك على سائرها، لغزارة نوئها، وكثرة الانتفاع بها، ويكون انقضاء الثمانية والعشرين، وانقضاء الاثني عشر مع انقضاء السنة.
ولمّا كانت السّنة أربعة أجراء صار لكلّ ربع منها سبعة منازل، وهي الأنواء وأسماؤها: الشّرطان- البطين- الثّريا- الدّبران- الهقعة- الهنعة- الذّراع- النّئزة- الطّرف - الجبهة- الزّبرة- الصّرفة- العوّاء- السّماك الأعزل- الغفر - الزّباني- الإكليل- القلب- الشّولة- النّعايم- البلدة- سعد الذّابح- سعد بلع- سعد السّعود- سعد الأخبية- الفرغ الأوّل- الفرغ الثاني- الرّشا - فهذه ثمانية وعشرون نجما هنّ أمهات المنازل.
قال أبو حنيفة: وقد يعدّون معها نجوما أخر إذا قصر القمر أحيانا عن هذه المنازل نزل ببعض تلك، وذلك لأنّ القمر لا يستوي سيره فيها، لأنّك تراه بالمنزل ثم تراه وقد حلّ به في الشّهر الآخر، فتجد مكانيه مختلفين فيه، إذا أنعمت حفظه وضبطه، ولهذه العلة يخلطونها بالمنازل، حتّى ربّما جعل لبعضها في الأنواء حظّا.
أمّا الشّرطان فهما كوكبان على أثر الحوت مفترقان شمالي وجنوبي بينهما في رأي العين قدر ذراع، وإلى جانب الشّمالي منهما كوكب صغير ذكر أنّهما به سميّت الأشراط، والواحد منهما شرط متحرك، وقد ذكر عن العرب شرط بالإسكان قال كثيّر في جمعهما شعرا:
عواد من الأشراط وطف نقلهاروائح أنواء الثّريّا الهواطل
وقال الكميت في الإفراد:
من شرطي مرتعن تجللّتعزال بها منه بتجاجة سحل
وليس يمنع تحريكه في النّسبة من أن يكون الواحد شرطا بإسكان وإذا نسبت إليها لم ينسب إلّا بالجمع أو الإفراد، فأمّا مثنّى فلم نجدهم قالوا شرطاي. قال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي
. وهذا قليل.
قال الشيخ: الجمع قد نسب إليه إذا جعل علما أو أجري مجرى العلم، فالعلم كقولهم: كلابي وأنماري ومدايني وما أجري مجرى العلم أشراطي، قال ويقولون: الشّرطان قرنا الحمل، ويسمّونها النّطح أو النّاطح، وبين يدي الشّرطين كوكبان شبيهان بالشّرطين، يقال لهما الأنثيان. قال أبو حنيفة: ذكر الرواة أنّ العرب تجعلهما مما يقصر القمر، فينزل به ويجعلون لهما في الأنواء حظا.
وأمّا البطين فتلقبه كواكب خفيّة كأنها نقط الشاء، وهو على أثر الشّرطين بين يدي الثّريا، وقد يتكلمون به مكبرا، فيقولون: البطن، ويزعمون أنّه بطن الحمل.
وأمّا الثريا فهي النّجم لا يتكلمون بها مكبرة، وهي تصغير ثروي، مشتقّا من الثّروة، وكأنه تأنيث ثروان، والنّجم كالعلم له يقال له: طلع النّجم، وغاب النّجم وأنشد للمرار شعرا:
ويوم من النّجم مستوقديسوق إلى الموت نور الظّبا
وقال شعرا:
إن النّجم أمسى مغرب الشّمس طالعاولم يك في الآفاق برق ينيرها
قال الشيخ: هذا كما اشتهر عبد الله بابن عباس وصار كالعلم له، وكان له إخوة، قثم وغيره، فلم يشتهروا به، ويقولون: الثريا إليه الحمل.
وأما الدّبران فالكوكب الأحمر الذي على أثر الثّريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقول الأعراب: هما كلباه، والبواقي غنمه، ويقولون: قلاصه، قال ذو الرمة شعرا:
وردت اغتشافا والثّريا كأنّهاعلى قمّة الرّأس ابن ماء محملق
يدفّ على آثارها دبرانهافلا هو مسبوق ولا هو يلحق
لعشرين من صغرى النّجوم كأنّهاوإيّاه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص حداها راكب متعمّمإلى الماء من قرن التّنوفة مطلق
قرن التنوفة أعلاها- والمطلق الذي يطلب ليلة الماء وبعده القرب للورد، ويسمّى دبرانا لدبوره الثّريّا، كما قيل: إيبان وصميان، وسمّى تالي النجم، وتابع النّجم. وقد يطلق فيقال: التابع، ويقال أيضا حادي النّجم، ومن أسمائه المجدح بالضمّ والكسر فالضمّ حكاه الشيباني، والكسر حكاه الأموي، والمنجّمون يسمّونه قلب الثّور وقولهم: الدّبران مما اختصّ وجرى مجرى العلم.
وأمّا الهقعة فهي رأس الجوزاء ثلاثة كواكب صغار مثفاة، وتسمّى الأثافي تشبّها بها.
حكي عن ابن عباس أنّه قال لرجل: طلّق عدد نجوم السّماء يجزئك منها هقعة
الجوزاء، وقد يقال للدّابرة يكون الشّق الفرس الهقعة، وهي تكره، يقال فرس مهقوع.
وأمّا الهنعة: فكوكبان بينهما قيد سوط، وهما على أثر الهقعة ولتقاصرها عنها سمّيت الهنعة. والذراع المبسوطة بينهما منحطة عنهما ويقال: أكمة هنعا إذا كانت قصيرة، وتهانع الطّائر إذا كان طويل العنق فقصرّها.
وقال ابن كناسة: يقال للهنعة الزّرق الميسان، فإنّما ينزل القمر بالتّخاي وهي كواكب ثلاثة بإزاء الهنعة والواحدة منها تخياة.
وأمّا الذراع فهي ذراع الأسد المقبوضة، وللأسد ذراعان مقبوضة ومبسوطة، (فالمقبوضة) منهما هي اليسرى، وهي الجنوبية، وبها ينزل القمر وسمّيت (مقبوضة) لتقدّم الأخرى عليها، والمبسوطة منهما هي اليمنى وهي الشّمالية، وكلّ صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشّمال ومياسرها مما يلي الجنوب، لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، والجنوب على أيسارها. وقد فهم ذلك القائل والنّجوم التي تتابع باللّيل وفيها ذات اليمين، أزورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب.
وقال أبو حنيفة: أنت ترى الكوكب يدرأ من مطلعه من الأفق الشّرقي فلا يستقيم مضيئه إلى مقابل مطلعه من الأفق الغربي في المنظر، ولكن تراه يتجانف إلى القطب، ولذلك قال الشاعر شعرا:
وعاندت الثّريا بعد هدءمعاندة لها العيّوق جار
لأنّها تركت القصد في المنظر، فذلك معاندتها، وعلّة ذلك ما بينّه الكميت في قوله:
مالت إليه طلانا واستطيف بهكما تطيف نجوم اللّيل بالقطب
وأحد كوكبي الذراع المقبوضة هي الشّعرى الغميصاء، وهي تقابل الشّعرى العبور، والمجرّة بينهما وقد تكبر يقال الغمصاء، قال أبو عمر وهي الغميصاء والغموص ويقال لكوكبها الأحمر الشّمالي المرزم، مرزم الذّراع وهما مرزمان هذا أحدهما، والآخر في الجوزاء قال:
ونائحة صوتها رابعبعثن إذ أخفق المرزم
ويروى إذا ارتفع المرزم فهذا المرزم هو الذي في الذّراع، لأنّ مرزم الجوزاء لا نوء له، وليست من المنازل، وقد ذكرا جميعا بالنّوء على ذكر الشّعريين والسّماكين. قال جدار:
أحتبك جد المرزمين متىينجدا بنوال تغوّرا
وقال ابن كناسة: الذّراع المقبوضة بأسرها هي المرزم.
وحكي مثل ذلك عن الغنوي، ومن أحاديثهم: كان سهيل والشّعريان مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيا، ونعته العبور عبرت إليه المجرة وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل، حتى غمصت، والغمص في العين ضعف ونقص، وقالوا: ربّما عدل القمر فزلّ بالذّراع المبسوطة.
وأمّا النثرة فثلاثة كواكب متقاربة، أحدها كأنه لطحة، يقولون: هي نثرة الأسد، أي أنفه، قال ذو الرّمة شعرا:
مجلجل الرّعد عراصا إذا ارتجستنوء الثّريا به أو نثرة الأسد
أنث: فعل النوء وهو ذكر، لأنه أضافه إلى الثّريّا، وليس بمنفصل منها، ويسمّى اللّطحة اللهاة. وقال الآخر:
فهدّم ما قد بنته اليدانحولين والأنف والكاهل
وذكر الهدم والبناء هاهنا كقول الآخر:
على كلّ موّاز الملاط تهدّمتعريكته العلياء وانضمّ حالبه
رعته الغيافي بعد ما كان حقبةرعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأضحى الغلاقد جدّ في برء قصبهوكان زمانا قبل ذاك يلاعبه
وأمّا الطّرف: فكوكبان يبتدئان الجبهة بين يديها يقولون: هما عين الأسد.
وأمّا الجبهة: فجبهة الأسد، قال: إذا رأيت انجما من الأسد جبهة أو الخراة والكتد، وهي أربعة كواكب خلف الطّرف معترضة من الجنوب إلى الشّمال، سطرا معوجا، وبين كلّ كوكبين منها قبس الذّراع، والجنوبي منها هو الذي يسمّيه المنجّمون: قلب الأسد.
وأمّا زبرة الأسد: فهي كوكبان على أثر الجبهة، بينهما قيد سوط والزّبرة كاهله، وفروع كتفيه، ويسمّيان الخراتين الواحدة خراة.
وأمّا الصّرفة فكوكب واحد نيّر على أثر الزّبرة، يقولون: هو قنب الأسد، والقنب وعاء القضيب، وسميّت صرفة لانصراف الحر عند طلوعه غدوة، وانصراف البرد عند سقوطه غدوة.
وأمّا العوّاء فإنّ ابن كناسة جعلها أربعة أنجم، وهي خمسة لمن شاء ومن شاء ترك واحدا إلا أنّ خلقتها خلقة كتاب الكاف غير مشقوقة، وليست نيّرة وهي على أثر الصرفة، وزعم أبو يحيى أنها سميّت العوّاء بالكوكب الرّابع الشّمالي منها، وإذا عزلت عنها هذا الكوكب الرّابع كانت الباقية مثفاة الخلقة وهم يجعلون العوّاء وركي الأسد، وأحسب هؤلاء تأوّلوا اسمها، والمحاش حشوة البطن والعوّاء تمد وتقصر، قال الرّاعي:
ولم يسكنوها الجزء حتّى أظلّهاسحاب من العوّا وثابت غيومها
ويقال لها عوّاء البرد، يزعمون أنّها إذا طلعت أو سقطت أتت ببرد.
وأما السّماك فهما سماكا الأعزل، والقمر ينزل به ولا ينزل بالآخر وهو الرّامح وسمّي رامحا لكوكب صغير بين يديه يقال له: راية السّماك وبه سمّي رامحا، ويسمّى الآخر الأعزل، لأنه لا شيء بين يديه كأنه لا سلاح معه وقال كعب بن زهير شعرا:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتهاوهبّ سماك ذو سلاح وأعزل
وقال الطّرمّاح:
محاهن صيب نوء الرّبيعمن الأنجم العزل والرّامحة
وهم يجعلون السّماكين ساقي الأسد، وأحد السّماكين جنوبي، وهو الأعزل والآخر وهو الرّامح شمالي، وقال ابن كناسة: ربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهي أربعة كواكب، بين يدي السّماك الأعزل، منحدرة عنه في الجنوب، وهي مربعة على صورة النّعش، ويقال لها: عرش السّماك، وتسمّى أيضا الأحمال، وتسمّى الجناء، وهم يجعلون لها حظا في الأنواء، قال ابن أحمر يصف ثورا:
باتت عليه ليلة عرشيةشربت وبات إلى نعي متهدّدا
شربت لجت، والمتهدّد المتهدّم، لا تماسك لمحضره وكان المنجّمون يسمّون السّماك الأعزل السّنبلة لسموكه، سمّي سماكا وإن كان كلّ كوكب قد سمك فهو كقولهم الدّبران.
وأمّا الغفر: فثلاثة كواكب بين زباني العقرب، وبين السّماك الأعزل خفية على خلفه العوّاء. قال ذو الرّمة:
فلمّا مضى نوء الثّريّا وأخلفتهواد من الجوزاء وانغمس الغفر
والعرب تقول خير منزلة في الأيد بين الزّباني والأسد، يعنون الغفر، لأنّ السّماك
عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: يليه من الأسد ما لا يضر الذّنب يدفع عنه الأظفار والأنياب، ويليه من العقرب ما لا يضر الذنابي يدفع عنه الحمة.
وأمّا الزّباني وهما زبانيا العقرب: أي قرناه، وهما كوكبان مفترقان بينهما في المنظر أكثر من قامة الرجل، ويقال لهما: زباني الصّيف لأنّ سقوطهما في زمان الحر، قال ذو الرمة:
يا قد زفت للزّباني من بوارحهاهيف أنست بها الأصناع والخبر
الأصناع محابس الماء والواحد صنع، والخبر جمع خبرة وهي أرض يكون بها السّدر، ويدوم فيها الماء يريد أن ريّاح الزّباني أنضبت المياه، وقيل: يسمّي أهل الشام زباني العقرب يديها.
وأمّا إكليل العقرب رأسها، وهي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين قيد ذراع، قال جران:
العود بمطرقين على مثنى أيامنهمراموا النّزول وقد غار الأكاليل
جعل كلّ كوكب منها إكليلا.
وأمّا القلب، قلب العقرب والكوكب النّير الأحمر الذي وراء الإكليل سيرة كوكبان، وهم يستحسنونه. قال شعرا:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّهسواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
وأمّا الشّولة فإبرة العقرب، كذلك يسمّيها أهل الشّام، وهي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب، وقالوا: ربما قصر القمر فنزل بالغفار فيما بين القلب والشّولة. والغفار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كلّ كوكب منها فقرة، وهي ستّ فقر، والسّابعة الإبرة. قال ابن كناسة: الشّولة التي ينزل بها القمر: حذاء القلب في حاشية المجرة، وليس هناك شولة، ولكنّ القمر إنّما ينزل بالشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنّها منحدرة عن طريقته وهاهنا يقطع القمر المجرة إذا هو فارق العقرب، ومضى نحو السّعود لأنّ المجرة تسلك بين قلب العقرب وبين النّعايم، منقطع نظام المنازل في هذا الموضع.
وفي موضع آخر وهما بين الهقعة والهنعة، لأنها تسلك أيضا بينهما فيعترض نظام المنازل اعتراضا، وهاهنا أيضا يقطع القمر وسائر الكواكب المحاذية للمجرّة، وذلك حين ينحدر عن غاية تعاليها إلى ذروة القبة في الهبوط، فأمّا قطعها إياها عن السّعود فذلك حين
يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، ويسمّى الشّولة شولة الصّورة، وهي منغمسة في المجرة.
وأمّا النّعايم فثمانية كواكب، أربعة في المجرة وهي النّعايم الواردة، وأربعة خارجة عن المجرة وهي النّعايم الصّادرة، وهي منحدرة، وكلّ أربعة منها على شبه بالتّربيع، وفوقها كوكب إذا تأملّته مع كوكبين من النّعايم الوارد شبهتها به قبة، وإنّما قيل: واردا لشرعه في المجرة، وقيل: الصّادر لمجيئه عنها.
وأمّا البلدة فرقعة من السّماء لا كوكب بها بين النّعايم وبين سعد الذّابح، ينزلها القمر، ويقولون: ربّما عدل القمر أحيانا فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب صغار، خفية فوق البلدة، مستديرة تشبه بالقوس، ويسمّيها العامة القوس ويسمّى موضع النّعايم الوصل.
وأمّا سعد الذّابح: فكوكبان غير نيّرين، وكذلك السّعود كلّها وبينهما في رأي العين قيس الذّراع و (ذبحه) كوكب صغير قد كاد يلزق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح. قال الطّرماح شعرا:
ظعائن شمن قريح الخريفمن الفرغ والأنجم الذّابحة
قريحه: أوّله.
وأمّا سعد بلع: فنجمان نحو من سعد الذّابح أحدهما خفي جدا، وهو الذي بلعه أي جعله بلعا كأنه مسترط، وذكر أنه سمّي بلعا لأنه طلع حين قيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
وهذا لست أدري ما هو.
وأمّا سعد السعود: فكوكبان أيضا نحو من سعد الذّابح، وسمّي سعد السّعود بالتّفضيل عليهما، ولأن الزّمان في السّعدين اللّذين قبله قسا، وطلوع سعد السّعود يوافق منه لينا في برده، قالوا: وربما قصر القمر، فينزل بسعد باثره، وهو أيضا كوكبان أسفل من سعد السّعود. قال الكميت شعرا:
ولكن بنجمك سعد السّعودطبقت أرضي غيثا درودا
وأمّا سعد الأخبية: فثلاثة كواكب متحاذية، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها به في التمثيل رجل بطّة.
وقيل: إنّ السّعد منها واحد، وهو أنورها وإنّ الثلاثة أخبية، وقيل: سمّي بالأخبية لأنه
إذا طلع انتشرت فخرج منها ما كان مختبئا في البرد، لأنّ طلوعه في وقت الدّفاء، والسّعود متناسقة بعضها على إثر بعض.
وأمّا الفرغ الأول: فهو فرغ الدّلو، والدّلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين قدر قامة الرّجل، أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدّلو. قال عدي بن زيد في خريف شعرا:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى ولم يوار العراقي
وفرغ الدّلو: مصبّ الماء من بين العراقي وقد يقولون لهما العرقوة العليا والعرقوة السّفلى. قال: (قد طال ما حرمت نوء الفرغين).
وأمّا الفرغ الثاني: وهو العرقوة السّفلى فكمثل الفرغ الأول، وقد يقال للفرغ الأول: ناهزا الدّلو المقدمان وللفرغ الأسفل: ناهزا الدّلو المؤخّران. والنّاهز الذي يحرك الدّلو ليمتلئ، وقالوا: يقصر القمر أحيانا فينزل بالكرب، والكرب الذي وسط العراقي الأربع، والكرب من الدّلو ما شدّ به الحبل من العراقي. وقالوا: ربما نزل ببلدة الثّعلب، وهو بين الدّلو والسّمكة من عن يمين المرفق.
وأمّا الرّشاء وهو السمكة: فكواكب في مثل حلقة السّمكة، وفي موضع البطن منها من الشّق الشّرقي نجم منير ينزل به القمر يسمّونه بطن السّمكة. والمنجّمون يسمّونه:
قلب الحوت. ويقال لما بين المنازل: الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة، بينما استحبّوا ذلك إلّا الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران، فإنّهم يكرهونها ويستخشونها، ويقال لها الضيّقة. قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئتهتضيّقه بين النّجم والدّبران
وسميّت ضيقة لضيقها عندهم، فإنّهم يتواضعون قصر ما بين طلوع النّجم وطلوع الدّبران. ذكر عن يزيد بن قحيف الكلابي، أنّه قال: ما بينهما إلا سبعة أيام وإنّما هذا نحو نصف ما قدر لما بين المنزلين.
قال أبو حنيفة: فهذا ما حكي لنا، وأمّا نحن فلم نجدها أقصر المنازل كلّها مدة في الطّلوع، ولا فرجة في المنظر، وأنّ الذي نير الطّرف والجبهة لأقلّ من ذلك ولكن قد وجدناهما في الغروب عندهم متقاربين جدا، حتّى لا نكاد نثبت بينهما شيئا ما هو الآن إلا أن يسقط النّجم، فما يستقيم السّقوط حتّى يسقط الدّبران وأحسب الذي اشتهر أمرهما في
هذا الباب حتى يوصفا من بين المنازل كلّها شهرتهما وكثرة استعمالهم إيّاهما، ولا سيما النّجم، فإن تفقدهم له شديد، وذكرهم إيّاه كثير، وإذا لم يعدل القمر عن المنزل قيل: كالح مكالحة والمكالحة: مثل المكافحة كأنه إذا لاقاه دافعه من غير حاجز بينهما.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع