من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب ذم الجود
قال بعض الحكماء: من جاد بماله جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام له إلا به، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول: لا تجاودوا الله فإنه أجود وأمجد، ولو شاء أن يوسّع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل. وكان يقول: لوجدنا على المساكين بإعطائهم ما يسألوننا لكنا أسوأ حالا منهم. وكان علي بن الجهم يقول: من وهب المال في عمله فهو أحمق، ومن وهبه بعد العزل فهو مجنون، ومن وهبه من جوائز سلطانه أو ميراث لم يتعب فيه فهو مخذول، ومن وهبه من كسب وما استعاده بحيلة فهو المطبوع على قلبه.
وقال محمد بن الجهم: أتركوا الجود للملوك، فإنه لا يليق إلا بهم، ولا يصلح إلا لهم ومن عارضهم في ذلك وافتقر وافتضح فلا يلومن إلا نفسه. وكان ابن المقفع يقول: إن مالك لا يعم الناس فاخصص به ذوي الحق. ومن أحسن ما قيل في تحسين البخل قول
ابن المعتز:
يا ربّ جود جرّ فقر امرىءفقام في الناس مقام الذليل
فاشدد عرى مالك واستبقهفالبخل خير من سؤال البخيل
وقول أبي الفتح البستي:
أشفق على الدرهم والعينتسلم من الغيبة والدين
قوة العين بإنسانهاوقوة الإنسان بالعين
وقول عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر:
في كل شيء سرفيكره حتى في الكرم
ولربما ألفان لاأفضل من ألفي نعم
وكان الكندي يقول: قول «لا» يدفع البلا، وقول «نعم» يزيل النعم.
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع