من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
أَخْبَرَنَا عَلِي ابْن أَبِي عَلِي, أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد المعدل, أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر ابْن
الأنباري, قَالَ: قَالَ مُصْعَب الزبيري: خرج سالم بْن عَبْد اللَّهِ متنزهًا إِلَى ناحية من نواحي الْمَدِينَة هُوَ وحرمه وجواريه. وبلغ أشعب الْخَبَر, فوافى الموضع الَّذِي هُمْ بِهِ يريد التطفيل, فصادف الباب مغلقًا, فتسور الحائط, فَقَالَ لَهُ سالم: ويلك يا أشعب! معي بناتي وحرمي, فَقَالَ: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ), فوجه إِلَيْهِ سالم من الطعام مَا أكل وحمل إِلَى منزله.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي الجلاب قَالَ: جاء طفيلي إِلَى عرس؛ فمنع من الدخول, وَكَانَ يعرف أَن أَخَا للعروس غائب, فَذَهَبَ, فأخذ ورقة كاغد وطواها وسحاها وختمها, وليس فِي بطنها شَيْء, وجعل العنوان من الأخ إِلَى العروس؛ وجاء, فَقَالَ: معي كتاب من أَخِي العروس إِلَيْهَا؛ فأذن لَهُ, فدخل, ودفع إليهم الكتاب, فَقَالُوا: مَا رأينا مثل هَذَا العنوان, لَيْسَ عَلَيْهِ اسم أحد! فَقَالَ: وأعجب من هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي بطن الكتاب ولا حرف واحد, لأنه كَانَ مستعجلًا؛ فضحكوا منه, وعرفوا أَنَّهُ احتال لدخوله, فقبلوه.
قَالَ لي مُحَمَّد بْن عَلِي: وقيل لنوح الطفيلي: كَيْفَ تصنع إِذَا لَمْ يتركوك تدخل إِلَى عرس؟ قَالَ: أنوح عَلَى الباب حَتَّى يتطيروا مني فيدعوني.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عبيد اللَّه الكرخي, قَالَ: منع طفيلي عَن عرس, فَذَهَبَ فأخذ إحدى نعليه فِي كمه, وعلق الأخرى بيده, وأخذ خلالا طويلًا, فقطعه, وأخذ محلبًا من عطار, فلطخ بِهِ أَصَابِعه, وجعل يتخلل بِذَلِكَ الخلال الطويل, ودنا من البواب كالمستعجل, فَقَالَ لَهُ: إني أكلت فِي الفوج الأَوَّل لشغل كَانَ عَلِي, ولاستعجالي أخذت فرد نعل ونسيت الآخر, فتفضل بإخراجه لي, فَقَالَ البواب: أنا مشغول, أدخل فاطلبه لنفسك؛ فدخل فأكل وخرج.
ذكر بَعْض الرواة أَن أبا الْعَبَّاس المبرد أنشد للحمدوني فِي طفيلي:
أراك الدهر تطرق كُل عرسكأمر اللَّه يطرق كُل ليله
فَإِن غلظ الحجاب وَكَانَ صعبًاوَلَمْ تقدر هناك عَلَى دخيله
أخذت لكي تخاطبهم خلالاوقلت: نسيت عندكم نعيله
فتلتهم الخوان بِمَا عَلَيْهِوتبدرهم إِلَى بيض البقيله
وتأكل أكل ميسرة وأيضًافلا بد لعرسك من زليله
وأنت بفضل حذقك ذا طفيلوتلك بِمَا تزل لَهَا طفيله
أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن عيسى المقتدر بالله, أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مَنْصُور اليشكري, أَخْبَرَنَا ابْن الأنباري, حَدَّثَنِي أَبِي, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبيد, عَن أَبِي عُبَيْدَة, قَالَ: أتينا رجلًا من بَنِي مخزوم, وَكَانَ ينزل ضاحية بَنِي تميم, فوافى دكين الراجز, فَقَالَ للبواب: إني ألاع إِلَى السخن, فأدخلني؛ فأبى البواب أَن يدخله, فوقف دكين عَلَى دكان وَقَدِ انصرف بَعْض الْقَوْم, فأنشأ يَقُول:
اجتمع النَّاس وَقَالُوا: عرسإِذَا قصاع كالأكف خمس
زلجلجات قد جمعن ملسففقت عين وفاضت نفس
فَقَالَ لَهُ البواب: من أَنْتَ لا حياك اللَّه؟ فَقَالَ: أنا دكين الراجز؛ فأدخله.
قَالَ أَبُو بَكْر ابْن الأنباري: تفسير هَذَا الْحَدِيث, قَالَ لي أَبِي: قَالَ أَحْمَد بْن عبيد: ألاع, معناه: أتوقد حرصًا عَلَيْهِ, ويحترق فؤادي طلبا لَهُ.
قل: والزلجلجات: الَّتِي تحرك وتذهب ويجاء لا تقر فِي موضع واحد.
أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد المقرئ, قَالَ: عمل طفيلي وليمة, فدخل عليه طفيليان, فعرفهما, فأصعداهما إِلَى غرفة لَهُ حَتَّى أطعم من أراد, ثُمَّ نزل بهما, فَقَالَ لهما: لا أصغر اللَّه ممشاكما. فأخرجهما وَلَمْ يأكلا من الطعام شيئًا.
وَقَدْ كَانَ لأبي سعيد ابن دراج الطفيلي فِي مثل هَذَا المعنى خبر ظريف: أخبرنيه أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بْن عَلِي المقرئ الواسطي, أَخْبَرَنَا عبيد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد البزاز, أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ, أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس الطوسي, أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي سَعْد, أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو, حَدَّثَنِي أَبُو عَلِي القرشي: أَن ابْن دراج الطفيلي كَانَ من أهل حران, قدم بغداد, فمر بباب قوم وعندهم وليمة, فدخل, فَإِذَا صاحب الدار قَدْ وضع سلمًا, فكلما رأى إِنْسَانًا لا يعرفه قَالَ: اصعد يا أبى.
قَالَ ابْن دراج: فصعدت إِلَى غرفة مفروشة حتى وافينا فيها ثلاثة عشر طفيليا, ثُمَّ رفع السلم, ووضعت الموائد فبقي أَصْحَابي قَدْ تحيروا, وَقَالُوا: مَا مر بنا مثل ذا قط.
قَالَ: قُلْت: يا فتيان! إيش صناعتكم؟ قَالُوا: الطفيلية, قُلْت: فإيش عندكم فِي هَذَا الأمر الَّذِي وقعنا فِيهِ؟ قَالُوا: مَا عندنا فِيهِ حيلة. قُلْت: فَإِذَا احتلت لكم حَتَّى تأكلوا وتنزلوا, تقرون لي أني أعلمكم بالتطفيل؟ قَالُوا: ومن تكون بالله؟ قَالَ: أنا ابْن دراج؛ قَالُوا: قَدْ أقررنا لَك قبل أَن تحتال لنا.
قَالَ: فجئت إِلَى صاحب الدار, فاطلعت عَلَيْهِ والناس يأكلون.
قَالَ: قُلْت: صاحب الدار! قَالَ: مَا لَك؟ قَالَ: قُلْت: أيما أحب إليك, تصعد إلينا بخوان كبير نأكل وننزل أَوْ أرمي بنفسي راسية فيخرج من دارك قتيل ويصير عرسك مأتما؟ قَالَ: وجعلت أجر سراويلي كأني أريد أعدو وأرمي بنفسي.
قَالَ: فجعل صاحب الدار يَقُول: اصبر ويلك لا تفعل؛ وجعل يعجلهم, وَيَقُول: هَذَا مجنون؛ فأصعدوا إلينا خوانًا, فأكلنا ونزلنا.
وابن دراج هَذَا كَانَ قديمًا من الطفيليين, وَلَهُ فِي التطفيل حكايات معروفة.
أخبرني أَحْمَد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن المحتسب, أَخْبَرَنَا عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد المقرئ, أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطوسي, أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي سَعْد, حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو, حَدَّثَنِي أَبُو عَلِي القرشي, قَالَ: سمعت عيسى بن محمد ابن أَبِي خَالِد يَقُول لابن دراج, وَكَانَ رأس ابْن دراج طويلًا: من أي شَيْء طال رأسك؟ قَالَ: من مزاحمة الأبواب؛ أي: يعصرونه مَعَ الحائط بالأبواب.
أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري, أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, حَدَّثَنِي أبو عبد الله ابن
الجهم, أَخْبَرَنَا يَحْيَى الفراء, قَالَ: كتن قاطعت ابْن دراج الطفيلي عَلَى أن يملي علي ثلاثين نادرة بدرهم, فكان إِذَا ذكر نادرة باردة لَمْ أحسبها لَهُ, فَقَالَ: إِن أردت النقاوة عشرة بدرهم.
النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع