تجاوز إلى المحتوى

من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)

ذكر بعض المحفوظ عن الطفليين فِي محاوراتهم وَمَا أجابوا بِهِ وأوردوه فِي مناظراتهم

حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِم أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن بندار الْقَاضِي بقاسان, قَالَ: قرأت فِي كتاب أَبِي بخطه: ليم بعض الطفيليين عن تطفيله, فَقَالَ: مَا صنع الطعام إلا ليؤكل, وَمَا وضعت الموائد إلا لتبذل, ولا نجدت المنازل إلا لتدخل, وَمَا قدمت هدية فأتوقع رسولًا, وَمَا أكره أَن أكون ثقيلًا عَلَى من أراه بأكلي بخيلًا, فأتقحم مجالسًا, وأتمكن مستأنسًا, وأنبسط إِن رأيته عابسًا, فآكل شهوتي برغمه, وأعاود بَعْد الكظة لأغمه, لا أنفق درهمًا, ولا أتعب خادمًا, ولكذلك مَا قُلْت:

كُل يَوْم أجول في عرصة المصر أشم القتار شم الذباب
فَإِذَا مَا رأيت آثار عرسأَوْ ختان أَوْ دعوة الأَصْحَاب
لَمْ أودع دون التقحم لا أرهب سبا ولكزة البواب
مستهينا بمن هجمت عَلَيْهِغَيْر مستأذن ولا هياب
فتراني ألف بالرغم مِنْهُمكُل مَا قدموه لف العقاب
ذاك أهنى من التكلف والغرم وغيظ البقال والقصاب

وَقَدْ حكى عَنِ ابْن داب أَن هذه الأبيات لأبي العراقيب المدني الطيلي, وأولها:

قل لأهل التطفيل إني إماملكم بَيْنَ شيبكم والشباب

وذكر بَعْد هَذَا الْبَيْت أبياتًا عدة فيما سقنا, إلا أَن فِي بَعْض الألفاظ اخْتِلافًا, وبعدها:

ما أبالي حللت بالسادة القادة أم بالعلوج والأعراب
لا تراني أخيم من نبحة الكلب ولا من سفاهة البواب
يرهب الناس من ثيابهم الشق, وهمي هناك شق الثياب

حَدَّثَنِي أَبُو القاسم الأزهري, أخبرني أَحْمَد بن إبراهيم ابْن شاذان, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مَسْعُود الزبيري.

(ح) وأخبرنا الْحَسَن بن محمد الخلال, أخبرنا أبو بكر ابْن شاذان, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مَسْعُود بْن عَمْرو, أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد السَّلام, أَخْبَرَنَا بشر بن حيان, أخبرنا سليمان المنقري, قَالَ: كنت فِي دعوة لبعض أَصْحَابنا, وَفِي الْقَوْم طفيلي, فجعل بَعْض الْقَوْم ينظر إِلَيْهِ؛ فَقَالَ الطفيلي: يا فتى! سبحان اللَّه, ألم ينه النَّبِي ﷺ أَن يتبع الرجل بصره لقمة أخيه؟ قَالَ: فأقبل عَلِي الرجل, فَقَالَ: أتعرف هَذَا؟ فَقُلْتُ: لا والله؛ فخرجت, فلم أزل أسأل عَنْهُ.

فَحَّدَثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ, أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَلَمَةَ؛ وَقَالَ الْخَلالُ: شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ, أَبُو عُمَرَ؛ عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ, عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُتْبِعَ الرَّجُلُ بَصَرَهُ لُقْمَةَ أَخِيهِ.

أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ الْحِنَّائِيُّ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ إِمْلاءً, أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْحَضْرَمِيُّ, أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْبَجَلِيُّ, أَخْبَرَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ, عَنْ يَحْيَى بْنِ مُسْلِمٍ, عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ, حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ: رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يُتْبِعَنَّ أحدكم بصره لقمة أخيه" (كنز العمال) رقم.

أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ الْوَاسِطِيُّ, أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ, أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ابن أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ بِالْبَصْرَةِ, أَخْبَرَنَا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُخَيْتٍ الْفَارِسِيُّ الْقَزَّازُ, حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو عَمْرٍو الْجَهْضَمِيُّ قَالَ: كَانَ لِي جَارٌ طُفَيْلِيٌّ, وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ مَنْظَرًا, وَأَعْذَبَهُمْ مَنْطِقًا, وَأَطْيَبَهُمْ رَائِحَةً, وَأَجْمَلَهُمْ لِبَاسًا؛ فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنِّي إِذَا دُعِيتُ إِلَى مَدْعَاةٍ تَبِعَنِي, فَيُكْرِمُهُ النَّاسُ مِنْ أَجْلِي, وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ صَاحِبٌ لِي, فَاتَّفَقَ يَوْمًا أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ الْقَاسِمِ الْهَاشِمِيَّ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ أَرَادَ أَنْ يَخْتِنَ بَعْضَ أولاده, فقلت في نفسي: كأني بِرَسُولِ الأَمِيرِ قَدْ جَاءَ, وَكَأَنِّي بِهَذَا الرَّجُلِ قَدْ تَبِعَنِي, وَاللَّهِ لإِنْ تَبِعَنِي لأَفْضِحَنَّهُ؛ فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَ رَسُولُهُ يَدْعُونِي, فَمَا زِدْتُ أَنْ لَبِسْتُ

ثِيَابِي وَخَرَجْتُ, وَإِذَا أَنَا بِالطُّفَيْلِيِّ وَاقِفٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ قَدْ سَبَقَنِي بِالتَّأَهُّبِ, فَتَقَدَّمْتُ وَتَبِعَنِي, فَلَمَّا دَخَلْنَا دَارَ الأَمِيرِ جَلَسْنَا سَاعَةً, وَدُعِيَ بِالطَّعَامِ, وَحَضَرَتِ الْمَوَائِدُ, وَكَانَ كُلُّ جَمَاعَةٍ عَلَى مَائِدَةٍ لِكَثْرَةِ النَّاسِ, فَقَدِمْتُ إِلَى مَائِدَةٍ وَالطُّفَيْلِيُّ مَعِي, فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ وَشَرَعَ لِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ, قُلْت: أَخْبَرَنَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ, عَنْ أَبَانِ بْنِ طَارِقٍ, عَنْ نَافِعٍ, عَنِ ابْنِ عُمَرَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "من دَخَلَ دَارَ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَأَكَلَ طَعَامَهُمْ, دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مغيرا" (أبو داود, رقم:), فلما سَمِعَ ذَلِكَ, قَالَ: أَنِفْتُ لَكَ وَاللَّهِ أَبَا عَمْرٍو مِنْ هَذَا الْكَلامِ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِلا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّكَ تَعْرِضُ بِهِ دُونَ صَاحِبِهِ, أَوَ لا تَسْتَحِي أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلامِ عَلَى مَائِدَةِ سَيِّدِ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ, وَتَبْخَلَ بِطَعَامِ غَيْرِكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ, ثُمَّ لا تَسْتَحِي أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ, عَنْ أَبَانِ بْنِ طَارِقٍ وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ! تَحْكُمُ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى خِلافِهِ, لأَنَّ حُكْمَ السَّارِقِ الْقَطْعُ, وَحُكْمَ الْمُغِيرِ أَنْ يُعَزَّرَ عَلَى مَا يَرَاهُ الإِمَامُ؛ وَأَيْنَ أَنْتَ عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَنَاهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ, عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ, عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ, عَنْ جَابِرٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ, وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ, وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يكفي الثمانية" (البخاري, رقم:؛ ومسلم, رقم:), وهو إسناد صحيح.

قَالَ نصر بْن عَلِي: فأفحمني, فلم يحضرني لَهُ جواب, فلما خرجنا من الموضع للانصراف فارقني من جانب الطريق إِلَى الجانب الآخر بَعْد أَن كَانَ يمشي ورائي, وسمعته يَقُول:

ومن ظن مِمَّن يلاقي الحروببأن لا يصاب فَقَدْ ظن عجزًا
للشاعر الخنساء، من قصيدة «تعرقني الدهر نهسا وحزا»

أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أخبرنا علي بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: عوتب بنان يومًا وأنا أسمع, فقيل لَهُ: ويحك يا بنان! كم يَكُون هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ بسبب الأطعمة! تب إِلَى اللَّه مِمَّا أَنْتَ فِيهِ. فَقَالَ: فديتكم؛ من يصبر عَلَى السميذين الأبيض والأصفر, والجداء المرضع, والفالوذج المعقود؟ لا والله مَا يزهد فِي هَذَا عاقل, ولا يصبر عَن هَذَا حر.

قَالَ: وقيل لبنان وَقَدْ أكل فأكثر: حسبك! لا يقتلك! فَقَالَ: إِذَا كَانَ الأجل موقوتًا, فلأن أموت شبعًا وريا أحب إلي من أَن أموت غرثًا وجوعًا.

النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التطفيل وحكايات الطفيليين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.