من «التطفيل وحكايات الطفيليين» للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
وصايا الطفيليين
حدثنا علي ابن أَبِي عَلِي البصري, عَن أَبِي عبيد اللَّه مُحَمَّد بْن عمران المزرباني, قَالَ: كَانَ طفيل العرائس الَّذِي ينسب إِلَيْهِ الطفيليون يوصي ابنه عَبْد الحميد بْن طفيل فِي علته, فَيَقُول: إِذَا دخلت عرسًا فلا تلتفت تلفت المريب, وتخير المجالس, فَإِن كَانَ العرس كثير الزحام فأمر وانه, ولا تنظر فِي عيون أهل المرأة ولا فِي عيون أهل الرجل, ليظن هَؤُلاءِ أنك من هَؤُلاءِ, ويظن هَؤُلاءِ أنك من هَؤُلاءِ, فَإِن كَانَ البواب غليظًا وقاحًا, فابدأ بِهِ ومره وانهه من غَيْر أَن تعنفه, وعليك بكلام بَيْنَ النصيحة والإدلال.
لا تجزعن من القريب ولا من الرجل البعيد
وادخل كأنك طابخبيديك مغرفة الثريد
متدليا فوق الطعام تدلي البازي الصيود
لتلف مَا فوق الموائد كلها لف الفهود
واطرح حياءك إِنَّمَاوجه المطفل من حديد
لا تلتفت نحو البقول ولا إِلَى غرف الثريد
حَتَّى إذا جاء الطعام ضربت فيه بالشديد
وعليك بالفالوذجات فإنها عين القصيد
هَذَا إِذَا حررتهمودعوتهم هل من مزيد
والعرس لا يخلو من اللوزينج الرطب العتيد
فَإِذَا أتيت بِهِ محو-ت محاسن الجام الجديد
قَالَ: ثُمَّ أغمي عَلَيْهِ ساعة عِنْدَ ذكر اللوزينج, فلما أفاق, رفع رأسه وقال:
وتنقلن على الموائد فعل شَيْطَان مريد
وإذا انتقلت عبثت بالكعك المجفف والقديد
يا رب أَنْتَ رزقتنيهَذَا عَلَى رغم الحسود
واعلم بأنك إن قتلت نعمت يا عَبْد الحميد
أنشدني مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ الكرخي لبعضهم:
لا تسمعن بدعوة ووليمةفِي السند إلا كنت مِمَّن يجمع
حَتَّى تفوز بِمَا لديهم عنوةوقلوبهم حقا عليك تصدع
وعليك بالفالوذج عِنْدَ حضورهودع البقول فإنها لا تنفع
والجدي فاضرب فِيهِ ضربك بالعدىلا تعلعن عَنْهُ إِذَا قَالُوا: ارفعوا
وهريسة الخباز فاقصد نحوهافَهِيَ الأمان من الخوى يا مربع
واترك موائدهم بأكلك بلقعاتشكو الخواء ومن دعوا لَمْ يشبعوا
أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي, أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري, أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ, قَالَ: قَالَ رجل لبنان: أوصيني! قَالَ: لا تنادم أحدًا, فَإِن كنت لابد فاعلًا فنادم من لا يستأثر عليك بالمخ, ولا ينتهب بيضة البقلية, ولا يلتقم جلد الدجاجة, ولا يختطف كلية الجدي, ولا يزدرد قانصة الكركي, ولا يقتطع سر الشصان, ولا يعر ض لعيون الرأس, ولا يستولي عَلَى صدر الدراج, ولا يتناول إلا مَا بَيْنَ يديه, ولا يلاحظ مَا بَيْنَ يدي غيره, وإن أتي بجدي شواء كشح كُل شيء عليه, ولا يرحم ذا سن لضعفه, ولا يرق عَلَى حدث لحدة شهوته, ولا ينظر للعيال, ولا يبالي كَيْفَ دارت بِهِمِ الحال.
أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِب مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ بْن الْحَسَن الكرماني, قَالَ: سمعت أبا الفرج مُحَمَّد بْن عبيد اللَّه الشيرازي, يذكر أَن بَعْض الطفيليين مرض, فَقَالَ لَهُ غلامه: أوصني! قَالَ: من اللَّه عليك بصحة الجسم, وكثرة الأكل, ودوام الشهوة, ونقاء المعدة؛ ومتعك بضرس طحون, ومعدة هضوم, مَعَ السعة والدعة والأمن والعافية؛ إِذَا قعدت عَلَى مائدة وعزبك الماء فغصصت بلقمتك, فضع يدك اليمنى فَوْقَ رأسك وحركها كأنك تسوي كمتك, فإنها تنزل بإذن اللَّه؛ وإذا قعدت عَلَى مائدة وَكَانَ موضعك ضيقًا, فقل للذي إِلَى جانبك: يا أبا فُلان! لعلي قَدْ ضيقت عليك؟ فَإِنَّهُ يتأخر إِلَى خلف, وَيَقُول: سبحان اللَّه! لا والله, موضعي واسع؛ فيتسع عليك موضع رجل؛ ولا تصادفن من
الطعام شَيْئًا فترفع يدك عَنْهُ وتقول: لعلي أصادف مَا هُوَ أطيب منه. قَالَ: زدني؛ قَالَ: إِذَا وجدت خبزًا فِيهِ قلة, فَكُل الحروف, فَإِذَا كَانَ كثيرًا, فَكُل الأوساط, ولا تكثر شرب الماء وأنت تأكل, فَإِنَّهُ يمنعك من الأكل, وَهَذَا عين الحماقة. قَالَ: زدني؛ قَالَ: إِذَا وجدت الطعام فَكُل منه أكل من لم يره قط, وتود منه زاد م لا يراه أبدًا. قَالَ: زدني؛ قَالَ: إِذَا وجدت الطعام فاجعله زادك إِلَى اللَّه, ولا تأكل الكرمازك مطويا فَإِنَّهُ يعذبك؛ كُلهُ مشوشًا حَتَّى تقع عَلَيْهِ الأضراس, وَهُوَ أخف فِي المضغ؛ وإذا دخلت إِلَى عرس كثير الزحام فمر وانه, وإن كَانَ البواب غليظًا وقاحًا فمره وانهه من غَيْر أَن تعنف عَلَيْهِ, ويكون كلامًا بَيْنَ النصيحة والإدلال, فإني دخلت يومًا إِلَى بَعْض الولائم وعنده بغيض- يَعْنِي: الخباز- وكنت عَلَيْهِ واجدًا من شَيْء فعله, فجئت وَقَدْ عمل بزماوردا ليضعه وسط المائدة عِنْدَ الفراغ من
الطعام ليطلب الراشن؛ فَقُلْتُ لَهُ: استأذنت فِي هَذَا صاحبنا؟ وَمَا كَانَ عرفني بَعْد ولا يدري من أنا, فقال: ياشيخ! وهذا يستأذن فيه أحدا؟ قُلْت: أسكران؟! تريد أَن تغرم أحدهم أكثر مما أكل وتنفص عَلَيْهِ؟ إنك لجاهل أحمق, صاحب الوليمة لا يرضي بِهَذَا, وَهَذَا مِمَّا لا يَجُوز أَن أكتمه, ولولا خوفي لائمته لَمْ آسف بشيء يصير إليك. قَالَ الخباز: فهل لَك أَن تكفيني مؤنته ولك نصف مَا أصبت؟ فَقُلْتُ أفعل. ولزمته, وجعلت آكل كُل شَيْء أشتهي, وآمر وأنهي- وَكَانَ الخباز يظن أَن بيني وبين الرجل حرمة, وأخذت منه نصف مَا أصاب, ثُمَّ عرفني بَعْد ذَلِكَ, فصالحني.
النص من طبعة دار ابن حزم (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع