من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو الحسن البَرْقيّ
بَلنسيّ الدّار، نفيس المقدار، لم أعلم له بشَرف، ولم أسمع له عن سَلف، ورد إشبيلية سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة، فاتّصل بابن زهر، فناهيك من حظ مِسك أذفر، ومن وَجه صُبح أسْفر، أدرك به الرَّغائب، وتملَّك بِسببَهِ الحاضر والغائِب، وكان مجلوّ المؤانسة حلو المجالسة، وقد أثبتُّ له بعض ما وجدته له في الغِلمان
وأنشدته في ذلك الزّمان:
إنْ ذَكَرْتَ العَقِيقَ هاجكَ شوقٌرُبّ شَوْقٍ يُهيجُهُ الإذكارُ
يا خليليّ حدُّثاني عن الرَّكْب سُحَيْراَ أأنْجَدوا أم أغَاروا
شغلونا عن الوَداعِ وولَّواما عليهم لو ودّعوا ثُمَّ ساروا
أنا أهْواهُمْ على كُلَّ حَالٍعدلوا في هواهمُ أم جاروا
وعلق بإشبيلية فتى يُعرف بابن المكر، صار به طريحاً بين أيدي الفِكر، ومازال يُقاسي هواه، ويُكابد جَواه، حتى اكتسى خدّه بالعِذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فقال:
الآنَ لمَا صَوَّحَتْ وَجَنَاتُهُشَوْكاً وأوضْحَتْ سَلْوَة العُشَّاقِ
واستوْحَشتْ تِلْكَ المحاسنُ واكتستْأنوارُ وَجْهِكَ واهِنَ الأخْلاقِ
أمسيتَ تَبْذلُ ليّ الوصَال تَصَنُّعَاًخُلُقُ اللّئيمِ وشيمةُ المَذَّاقِ
هلاّ وَصَلْتَ إذْ الشّمائلُ قَهْوةٌوإذ المُحيَّا روضةُ الأحْداقِ
فلكم أطلتَ غَرامَ قَلْبٍ مُوجَعٍكَمْ قد ألبَّ إليكَ بالأشْوَاقِ
ما كُنْتَ إلاّ البَدْرَ ليلةَ تَمِّهِحتّى قَضَتْ لك ليلةٌ بمَحَاقِ
لاح العِذَارُ فقلتُ وَجْدٌ نَازِحٌإنّ ابن دَأيَة مؤذنٌ بفِرَاقِ
وله فيه مناقضاً لهذا الغرض، معارضاً للوعة سُلّوه الذي عرض:
أجيلُ الطَّرْفَ في خَدٍّ نَضِيرٍيردّد ناظري نَظَري إليهِ
إذا رَمِدَتْ بِحُمْرَتِه جُفُونيشَفَاها منه أخْضَرُ عارِضَيْهِ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع