تجاوز إلى المحتوى

من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)

الأديب أبو بكر عبد المعطي بن محمد بن المعين

بيتُ شِعر ونَباهة، وأبو بكر ممّن تنبّه خاطره للبدائع أيَّ انتِبَاهة وله أدبٌ باهِر ونَظم كما سَفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالاً (يبلغ آمالاً، فمن ذلك قوله وقد اجتمعنا في ليلة لم يُضرَب لها وعد، ولم يَغرُب عَنها سَعد، وهو قَعديّ، قد شبّ عن طوق الأنس في النَّدي، وما قال خالي عمرو ولا عديّ والكهولةُ قد قَبضتهُ، وأقعَدتهُ عن ذلك وما أنهَضتهُ:

إمامُ النَّثْرِ والمَنْظُومِ فَتْحُجَميعُ النَّاسِ لَيْلٌ وهو صُبْحُ
له قَلَم جَلِيلٌ لا يُجَارَىيقر بِفَضْله سَيفٌ وَرُمْحُ
يُبَاري المُزْنَ ما سحَّتْ سَماحاًوإن شحَّت فليسَ لديهِ شُحُّ

وكان مرتسماً في عسكر قُرطبة، وكان ابن سراج يأتي بكلّ ما يبغي خيفَةً من لِسانه، ومُحافَظة على إحسانه، فلمَّا خرج إلى أُقلِيش خرج معه، وجعل يُساير من شيَّعه، فلما حصلوا بَفحصِ سُرَادِق، وهو موضع توديع المُفارق للمفارق، قرب منه أبو الحسين بن سِرَاج لوداعه، وأنشده في تفرّق الشّمل وانصِدَاعه:

هُمُ رَحَلوا عنَّا لأِمْرٍ لهم عَنَّافما أحَدٌ منهم على أحَدٍ حَنَّا
وما رحلوا حتى استقادوا نُفُوسَنَاكأنَّهُم كانوا أحقَّ بِهَا مِنَّا
فيا ساكني نَجْدٍ لتبعد داركمْظنَّنا بكم ظَنَّاً فأخلفتم الظَّنَّا
غدرتُم ولم أغْدُرْ وخُنْتُم ولم أخنْوقلتم ولم أعْتِب وجُرْتُم وما جُرْنا
وأقسمتم أن لا تخونونَ في الهَوَىفَقَدْ، وذِمام الحُبِّ خُنْتم وما خُنَّا
تُرَى تَجْمعُ الأيّامُ بيني وبَيْنَكُمويجمُعَنا دَهْرٌ نَعُودُ كما كُنَّا

فلمّا استتمّ إنشاده لحق بالسُّلطان واعتذر إليه بمريض خلّفه وهو يخاف تَلفه، فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحُسين بن سِرَاج:

أما والهَدايا ما رَحَلْنَا ولا حُلْناوإن عنَّ من دون التَّرحُّلِ ما عَنَّا
تَرَكْنَا ثوابَ الغزو والقَصْدِ للعِدَاعلى مَضَضٍ منّا وعدنا كما كُنَّا
وليس لنا عنكم على البَيْنِ سَلْوَةٌوإن كان أنْتمْ عندكمْ سَلْوةٌ عَنَّا

وجَمعتَنا عَشيَّة بَربَض الزّجالي بقُرطبة، ومعنا لُمَّه من الأخوان، وهو في جُملتهم، مناهض لأعيانهم وجُلَّتِهم، بفضل أدبه، وكثرة نَسبه، فجعل يرتجل ويروي وينثر محاسن الآداب ويَطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار ويطلعنا على إقبال الأيّام وعلى الإدبار، ثم قال:

أيا ابن عبيد اللهِ يا ابن الأكارمِلقد بخّلَتْ يُمْنَاك صوبَ الغمائِم
لك القَلَمُ الأعْلى الذي عَطَّل القَنَاوفلّ ظُبَاتِ المُرْهَفَاتِ الصَّوارِمِ
وأخْلاقُكَ الزُّهْرُ الأزاهرُ بالرُّبَىترفُّ بشؤبوبِ الغُيُوثِ السَّواجِمِ
بَقِيتَ لتشييد المكَارمِ والعُلَىتُظَاهِرُهَا بالسَّالِفِ المُتَقَادِمِ

واجتمع عند أبيه لُمَّة من أهل الأدب، وذوي المَنازلِ والرُّتب، في عَشيَّة غَيم أعقَب مطراً، وخَطَّ فيه البَرق أسطُراً، والبَردُ يتساقط

كدُرٍّ من نِظَام ويتراءى كثنايا غادةٍ ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا بُردَ شَبابه، ولا انتضى مُرهف آدابه، فقال معرّضاً بهم، ومتعرّضاً لتحقق أدبهم:

كأنَّ الهواَء غديرٌ جَمَدبحيث البروق تُذيبُ البَرَدْ
خُيوطٌ وقَدْ عُقِدَتْ في الهواءوراحةُ ريحٍ تحُلُّ العُقَدْ

وشرب في دار ابن الأعلم في يومٍ لم يرَ الدَّهرُ فيه إساءه، وليل نسخ نور أُنسه مساءَه، ومعهم جُملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء منهم أبناء القَبطُرنَة، فوقع بينهم عتاب وتَعذال، وامتهان في ميدان المُشاجرة، وابتذال آل به إلى تجريد السّيف، وتكدير ما صَفا بذلك الخَيف فسكنوه بالاستنزَال، وثنوه عن ذلك ووالوا الكؤوس في ودَادِه وكفوا بذلك بعض احتداده، حتى مالت به نشوته، وحالت بينه وبين حَتفه سَلوتُه، فقال:

قُلْ للوزيرينِ أنّي مُخْلِصٌ لَهُمَافي السِّرِّ والجَهْرِ من عُودَيْهِمَا عُودي
وشاهدُ الصِّدقِ لي ما في ضَمِيرِهِمَافليس يُخْلص ودّ غيرُ مَوْدُودِ

وحَضر مَعهم في مَجلسٍ سِواه، انتشر به من المحاسن ما كان طواه، فبنيا هم يأخذون بأطراف الأحاديث، ويغدون في تلك الدَّمَاثيث، إذ قعد إليهم رجل طويلُ اللّحية، قصير الإدراك، قليل

التخلّي والأتراك، فكلٌّ عاينَ سُخفَه، فحاول وَصفه، فما وافق أحدهم المَعنى، وما كان فيه ممطر ولا مَغنى فقال:

ولحيةٍ في طولها ميلُقصّر عن إدّرَاكِهَا الطَّوْلُ

وقال تهنِئَةً بنَيرُوز:

هو النَّيرُوز أمَّك للتَّهَانيوللْبُشْرَى بمُقْتَبل الزَّمانِ
فهنَّاكَ المهيمنُ ما حبَاهُويحبوه على ناءٍ ودانِ
فإنْ تكُ سابقاً في كُلِّ فَضْلٍكما سَبَق المبرِّزُ في الرِّهَانِ
سبقت فما تُضَاهى في سَنَاءٍأشفّ به الشُّجَاعُ على الجبانِ
حَلَلْتَ من العُلَى أعلى مَحَلٍّتَقَاصَرَ عن عُلاّهُ الفَرْقَدَانِ
فَظَاهر بالمكارمِ والمَعَاليمظاهرةَ المُهنَّدِ للسِّنَانِ
لهمتَ بكُلِّ مَكْرُمَةٍ وبرّإذا ما هام غيرُك بالغَوَاني
وسُدْتَ العالمين نهىً وعُلْيَامُذاعاً في الأقاصي والأدَاني
وحِلْماً راجحاً بهضابِ رَضْوَىوَعَزْماً مثلَ بارقةِ اليمانِ
وجوداً فائِضاً في كُلِّ حينٍإذا ضَنَّ الحيا والمِرْزَمَانِ
ونثراً مُعْجِزاً في كُلِّ فَنٍّوَنَظْماً غَضَّ من نَظْم الجُمَانِ
فَمَنْ عَبْدُ الحميد ومن عليٌّومن سَالِمْ أو الحسنُ بنُ هاني
ومن أوسُ بنُ حارثةٍ وقُسٌّوقيسٌ وأبنه والأحْمَرَانِ
فدُمْتَ مُهنَّاً في كُلِّ حينٍعزيزَ الجارِ مألوفَ المَغَاني

تمّ القسم الثالث من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في مفاخر أهل الأندلس وبتمامه كمل الكتاب، بعون الله الملك الوهاب في ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين، على يد كاتبه علي بن أحمد الدناصيّ، اللهمّ اغفر له ولمن علّمه، ولوالديهما ولكل المسلمين.

النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الثالث في الأعْيان من الأدباء وهو مٍمّا لم يُذكر في قلائِد العِقْيَان

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.