من «مطمح الأنفس ومسرح التأنس» للفتح بن خاقان (ت ٥٢٩هـ)
الأديب أبو جَعْفَر بن البِنِّيّ
رافع راية القَريض، وصاحب آية التَّصريح فيه والتعريض، أثام شرائِعه وأظهر بدائِعه، إذا نظم أزرَى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رَقم البُرود، وكان أليف غِلمان، وحليف كُفرٍ لا إيمان، ما نطق مُتشرِّعاً ولا رمق مُتورَِعاً، ولا اعتقد حَشراً، ولا صدّق بعثاً ولا نشراً، تنسّك مجوناً وفتكاً، وتمسّك باسم التقى، وقد هتكه هتكاً، لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرّع بها صَابا،
ودرّع منها أوصَابا، وقد أثبتُّ له ما يُرتشَف ريقاً، ويُشربُ تحقيقاً، فمن ذلك قوله يتغزّل:
من لي بِغُرَّةِ فاتنٍ يَخْتَال فيحُلَلِ الجَمالِ إذا بَدَا وحِلَّيهِ
لو شمت في وَضَحِ النَّهارُ شَعاعَهاما عادَ جًنْحُ اللّيلِ بَعْدَ مضيّهِ
شَرِقَتْ لآلي الحسن حتى خَلَّصَتْذَهَبيَّةُ في الخَدِّ مِنْ فِضيِّهِ
في صَفْحَتَيْهِ من الجَمَالِ أزَاهِرٌغذيتْ بوسميّ الحَيَا ووليّهِ
سَلَّتْ مَحَاسِنُهُ لقتلِ مُحبِّهِمن سحرِ عَيْنَيْهِ حُسَامَ سميِّهِ
وله فيه:
كَيْفَ لا يَزْدادُ قَلْبيمن جَوَى الشّوْق خَبَالا
وإذا قُلْتُ عليٌّبَهَرَ النَّاسَ جَمَالا
هو كالغُصْنِ وكالبَدْرِ قَواماً واعْتِدَالا
أشرقَ البَدْرُ كَمَالاوانْثَنَى الغُصْنُ اختيالا
إنَّ من رامَ سُلُوّيعَنْهُ قَدْ رامَ مُحالا
لستُ أسْلو عن هَوَاهُكانَ رُشْداً أو ضَلالا
قُلْ لمن قصَّر فيهِعَذْلَ نَفْسي أو أطَالا
دون أن تُدْركَ هذاتَسْلُبُ الأُفْقَ الهِلالا
وكنت بمَيُورقة وقد حلّها مُتَّسماً بالعبادة، وهو أسرَى إلى الفجور من خيال أبي عُبَادة، وقد لبس أسمالا، وأنس النّاس منه أقوالا لا أفعالا سجوده هُجُود، وإقراره بالله جُحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مُرتَبِطاً، ولا بسكناها مُغتَبِطاً، سمّاها بالعقيق، وسمّى فتى كان يعشقه بالحمّى، وكان لا يتصرّف إلا في صفاته، ولا يقف إلاّ بعَرفاته، ولا يؤرّقه إلاّ جَواه، ولا يشوقه إلاّ هَواه (فدخلت عليه يوماً لأزوره وأرى زوره)، فإذا (أنا) بأحد دُعاة محبوبه ورواة
تشيبيه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر له خبراً ورّى به عنّي وعمّاه، فقال:
تَنَفَّسَ بالحِمَى مطلولُ أرْضٍفأوْدَع نَشْره نَشْرا شمَالا
فصبَّحَت العُيُونُ إليَّ كَسْلىتجرّر فيه أردانا خِضَالا
أقولُ وقد شممْتُ التُّرْبَ مِسْكابنفحتها يَميناً أو شمالا
نسيمٌ جاَء يَبْعَثُ مِنْكَ طيباًويشكو من محبَّتِكَ اعتلالا
ولما تقرّر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرّر، وتردّد على سمعه انتهاكه وتكرّر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلمّا صار من ميورقة على ثلاث مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مُهجته، فلمّا لحق بميورقة أراد ناصر الدولة استباحته، وإبراء الدين منه وإراحته
ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الحَنَق ولَفحه، وأقام أياماً ينتظر ريحاً علّها تُزجيه، ويستهديها لتخلّصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر على إتيانه أحد من إخوته، فقال يخاطبهم:
أحِبَّتَنا الألَى عَتَبوا عَلَيْنَافأقْصَرنا وقد أزِفَ الوَدَاعُ
لقد كُنْتُم لنا جَذَلاً وأُنْسَاًفهل في العيش بعدكمُ انتفاعُ؟
أقول وقد صدرنا بعد يومأشوقٌ بالسفينة أم نِزَاعُ
إذا طارَتْ بِنَا حامَتْ عليكمكأنَّ قلوبَنا فيها شِرَاعُ
وله يتغزّل:
بني العَرَبِ الصَّميمِ ألا رَعَيْتُمْمآثِرَكُمْ بآثارِ السَّمَاحِ
رفعتم ناركم فعشا إليهابِوَهْنٍ فارسُ الحيِّ الوقاحِ
فهل في العقب فضل تنضحوهبه من محض ألبانِ اللّقَاحِ
لعلّ الرِّسل شَابَتْهُ الثَّنَايابشهد من نَدَى نور الأقَاحِ
وله أيضاً:
وكأنما رَشَأُ الحِمَى لمّا بدالك في مضلَّعةِ الحديد المعْلَمِ
غَصَب الغمام قِسِيَّةُ فأراكَهَامن حُسْنِ مِعْطَفه قويمَ الأسْهُمِ
وله أيضاً:
نظرتُ إليه فاتَّقاني بمُقْلَةٍتردّ إلى نَحْري صدورَ رماحِ
حَمَيْتَ الجفونَ النوم يا رَشَأ الحِمَىوأظلمت أيامي وأنت صَبَاحي
وله أيضاً:
قالوا تُصيبُ طيورَ الجوِّ أسْهُمُهُإذا رماها فَقُلْنا عندنا الخبرُ
تعلَّمتْ قوسُها من قوسِ حاجِبِهوأيّد السّهمَ من ألْحَاظِهِ الحَوَرُ
يروح في بردة كالنَّقْسِ حالكةٍكما أضاء بجُنْحِ الليلة القمرُ
وربما راقَ في خضراَء مُورِقَةٍكما تَفَتَّحَ في أوْرَاقِهِ الزَّهَرُ
النص من طبعة دار عمار ومؤسسة الرسالة (١٤٠٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع