من «المرقصات والمطربات» لابن سعيد المغربي (ت ٦٨٥هـ)
رجع الخبر إلى حديث أبي عيينة
أخبرني علي بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال عبد الله بن محمد بن أبي عيينة أخو أبي عيينة في اجارية وإسمها فاطمة التي كان يشبب بها أخوه بنت عمر بن حفص لما تزوجها عيسى بن سليمان بن علي، وكان عيسى مبخلاً، وكانت له محابس يحبس فيها البياح ويبيعه، وكانت له ضيعة تعرف بدالية عيسى يبيع منها البقول والرياحين، وكان أول من جمع السماد بالبصرة وباعه، فقال فيه أبو الشمقمق:
إذا رزق العباد فإن عيسىله رزق من استاه العباد
فلما تزوج عيسى فاطمة بنت عمر بن حفص قال عبد الله بن محمد بن عيينة في ذك:
أفاطم قد زوّجت عيسى فأبشريلديه بذل عاجل غير آجل
فإنك قد زوجت من غير خبرةفتى من بني العباس ليس بعاقل
فإن قلت من رهط النبي فإنهوإن كان حر الأصل عبد الشمائل
وقد قال فيه جعفر ومحمدأقاويل حتى قالها كل قائل
وما قلت ما قالا لأنك أختناوفي البيت منا والذرى والكواهل
لعمري لقد أثبته في نصابهبأن صرت منه في محل الحلائل
إذا ما بنو العباس يوماً تنازعواعرى المجد وأختاروا كرام الخصائل
رأيت أبا العباس يسمو بنفسهإلى بيع بياحاته والمباقل
قال مؤلف هذا الكتاب: وكن عبد الله أخو أبي عيينة شاعراً، وكان يقدّم على أخيه، فأخبرني جحظة قال: حدثني علي بن يحيى المنجم قال: إستحق الموصلي شعر عبد الله بن أبي عيينة أحب إليّ من شعر أبيه وأخيه. قال: وكان عبد الله صديقاً لإسحق. قال محمد إبن يزيد ومما قاله في فاطمة وصرّح بذكر القرابة بينهما وحقق على نفسه أنه يعنيها قوله:
دعوتك بالقرابة ولجواردعاء مصرّح بادي السرار
لأني عنك مشغول بنفسيومحترق عليك بغير نار
وأنت لأن ما ك دون ما بيتدارين العدو ولا أداري
ولو والله تشتاقين شوقيجمعت إلى مخالعة العذار
ألا يا وهب فيما فضحت دنياوبحت بسرها بين الجواري
أما والراقصات بكل وادغوار نحو مكة أو سوار
لقد فضلت دنيا في فؤاديكفضل يدي اليمين على اليسار
فقولي ما بدا لك أن تقوليفإني لا ألومك أن تغاري
قال: وقال فيها وهو من ظريف أشعاره:
رق قلبي لك يا نور عينيوأنى قلبك لي أن يرقا
فأراك الله موتي فإنيلست أرضى أن تموتي وأبقى
أنا من وجد بدنياي منهاومن العذال فيها ملقى
وقال:
زعموا إني صديق لدنياليت ذا الباطل قد صار حقا
في هذا البيت ثم الذي قله ثم الأول لإبراهيم لحن ماخوري بالوسطى عن الهشامي وقال: وقال فيها أيضاً في هذا الوزن وفيه غناء محدت رسل طنبوري.
عيشها حلو وعيشك مرليس مسرور كمن لا يسرّ
كمديم لحب تسخن فيهعينه أكثر مما تقر
قلت لذا اللائم فيها أله عنهالا يقع بيني وبينك شر
أتراني مقصراً عن هواهاكل مملوك إذاً لي حرّ
وقال فيها أيضاً وأنشدناه الأخفش عن المبرد، وأنشدنا محمد بن العباس اليزيدي قال أنشدني عمي عبيد الله لأبي عيينة:
جئت قالت دنيا علامَ نهاراًزرت هلا إنتظرت وقت المساء
كنت معجباً برأيك لا تفرقفأستحي يا قليل الحياء
ذاك إذ روحها وروحي مزاجان كأصفى خمر بأعذب ماء
قال محمد بن يزيد وقد أخذ هذا المعنى غيره منه ولم يسمه وهو البحتري فقال:
جعلت حبك من قلبي بمنزلةهي المصافاة بين الماء والراح
تهتز مثل إهتزاز الغصن حرّكهمرور غيث من الوسمي سحاح
الغناء في هذين البيتين لرداد ثقيل أول في مجرى البنصر، ومما قاله أبو عيينة في فاطمة هذه وكنى فيه بدنيا قوله:
ألم تنه قلبك أن يعشقاوما ك والعشق غير الشقا
أمن بعد شربك كأس النهىوشك ريحان أهل التقى
عشقت فأصبحت في العالمينأشهر من فرس إبلقا
أدنياي من خمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا إبن المهلب ما مثلهلو أن إلى الخلد لي مرتقى
غنى فيه أبو العبيس بن حمدون ولحنه ثان ثقيل مطلق وفيه لعريب ثقيل أول رواه أبو العبيس عنها، وهذه قصيدة طويلة يذكر فيها دنيا ويفخر بعقب النسيب بأبيه ويذكر مآتر الملهب بالعراق، ولكن مما قاله في دنيا منها قوله: في المرقص
أدنياي من غمر بحر الهوىخذي بيدي قبل أن أغرقا
أنا لك عبد فكوني كمنإذا سرّه عبده أعنقا
ألم أخدع الناس عن وصلهاوقد يخدع العاقل إلا حمقا
بلى فسبقتهم أننيأحب إلى الخيران أسبقا
ويوم الجنازة إذا أرسلتعلى رقعة أن جز الخندقا
وعج ثم فأنظر لنا مجلساًبرفق وإياك أن تخرقا
فجئنا كغصنين من بانةفرينين خدنين قد أورقا
فقال لأخت لها إستنشديهمن شعره المحكم المنتقى
فقلت أمرت كتمانهوحذرت إن شاع أن يسرقا
فقالت بعيشك قولي لهتمنع لعلك أن تنفقا
ومن مشهور قوله في دنيا وهو مما تهتك فيه وصرّح وأفحش، وهي من جيد قوه قصيدته التي يقول فيها:
أنا الفارغ المشغول والشوق آفتيفلا تسألوني عن فراغي وعن شغلي
عجبت لترك الحب دنيا خايةوإعراضه عنها وإقباله قبلي
وما بالها لما كتبت تهاونتبكتبي وقد أرسلت فأنتهرت رسلي
وقد حلفت أن لا تخط بكفهاإلى قابل خطاً إليّ ولا تملي
أبخلاً علينا كل ذا وقطيعةقضيت لدينا القطيعة والبخل
سلوا قلب دنيا كيف أطلقه الهوىفقد كان في غل وثيق وفي كبل
فإن جحدت فأذكر لها قصر معبدبمنصف ما بين الأبلة والحبل
وملعبنا في النهر والماء زاخرقرينين كالغصنين فرعين في أصل
ومن حولنا الريحان غضاً وفوقناظلال من الكرم المعرش والنخل
إذا شئت مالت بي إليها كأننيإلى غصن بان بين دعصين من رمل
ليالي ألقاني الهوى فأستضفتهافكانت ثناياها بلا حشمة نزلي
وكم لذة لي في هواها وشهوةوركضي إليها راكباً وعلى رجلي
وفي متم المهدي زاحمت ركنهاركني وقد وطنت نفسي على القتل
وبتنا على خوف أسكن قلبهابيسراي واليمنى على قائم النصل
فيا طيب طعم العيش إذ هي جارةوإذ نفسها وإذ أهلها أهلي
وإذ هي لا تعتل عني برقبةولا خوف عين من وشاة ولا بعل
فقد عفت الآثار بيني وبينهاوقد أوحشت مني إلى درها سبلي
ولما بلوت الحب بعد فراقهاقضيت على أم المحبين بالنكل
وأصبحت معزولاً وقد كنت والياًوشتان ما بين الولاية والعزل
ومما قاله فيها وفيه غناء بجارية:
ألا في سبيل الله ما حل بي منكوصبرك عني حين لا صبر لي عنك
وتركك جسمي بعد أخذك مهجتيضئيلاً فهلا كان من قبل ذا تركي
فهل حاكم في الحب يحكم بيننافيأخذ لي حقي وينصفني منك
السليم في هذه الأبيات هزج مطلق في مجرى الوسطي، وفي هذه القصيدة يصف قصراً كانوا فيه، وهي من عجيب شعره:
لقد كنت يوم القصر مما ظننت بيبرأيكما أني بريء من الشرك
يذكرني الفردوس طوراً فأرعويوطوراً يواتيني القصف والفتك
بغرس كأبكار الحواري وتربةكأن ثراها ماء ورد على مسك
وسرب من الغزلان يرتعن حولهكما إستل منظوم من الدر من سلك
وورقاء تحكي الموصلي إذا غدتبتغريدها أحبب بها وبمن تحكي
فيا طيب القصر قصراً ومنزلاًبأقبح سهل غير وعر ولا ضنك
كأن قصور القوم ينظرن حولهإلى ملك موف على منبر الملك
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع