صَرَمتكَ رَيطَةُ بَعدَ طولِ وِصالِ
الشاعر: المتوكل الليثي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة فراق
هذه القصيدة من شعر المتوكل الليثي، من العصر الأموي، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام، وغرضها قصيدة فراق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
صَرَمتكَ رَيطَةُ بَعدَ طولِ وِصالِ ... وَنأتكَ بعدَ تَقَتُّلٍ وَدَلالِ
عَلِقَ الفُؤادُ بِذكرِ رَيطَةَ إِنَّهُ ... شُغُلٌ أُتيحَ لَنا مِن الأَشغالِ
أسَديَّةٌ قذفَت بِها عَنكَ النَّوى ... إِنَّ النَّوى ضَــــــــــرّارةٌ لِرجــــــــــالِ
بَل حالَ دونَ وِصالِها بَعضُ الهَوى ... وَتَــــبدَّلَت بدَلاً مِن الأَبدالِ
إِنَّ الغَواني لا يَدُمنَ وَإِنَّما ... موعودُهُنَّ وَهُنَّ فيءُ ظِلالِ
حاشى حَبيبَةَ إِنَّما هيَ جَنَّةٌ ... لَو أَنَّهــــا جادَت لَنا بِنوالِ
خَلطَت مَلاحَتَها بِحُسنِ تَقتُّل ... وَفخامَةٍ لِلمُجتَلي وَجَلالِ
صَفراءُ رادِعَةٌ تُصافي ذا الحِجى ... وَتَــــعــــافُ كُــــلَّ مُمَزَّحٍ بَطّالِ
زعمَ المُحَدِّثُ أَنَّها هيَ صَعدَةٌ ... عَجزاءُ خَدلَةُ موضعِ الخَلخالِ
خَودٌ إِذا اِغتَسلَت رأَيتَ وِشاحَها ... فَوقَ البَريمِ يَجولُ كُلَّ مَجالِ
لا تَبتَغي مِقَةً إِذا اِستَنطَقتَها ... إِلا بِــــصِــــدقِ مَقالَةٍ وَفَعالِ
ليست بآفِكَةٍ يَظَلُّ عَشيرُها ... مِنها وَجارُ الحَيِّ في بَلبالِ
أَبلِغ حَبيبَةَ أَنَّني مُهدٍ لَها ... وُدّي وَإِن صَرَمَت جَديدَ حِبالي
إِنّي امرؤٌ لَيسَ الخَنا مِن شِيمَتي ... وَإِذا نَطقتُ نَطقتُ غَيرَ عيالِ
نَزلت حَبيبَةُ مِن فُؤادي شُعبَةً ... كانَت حِمىً وَحشاً مِن النُّزَّالِ
وَوَفَت حَبيبَةُ بالَّذي اِستَودَعتُها ... وَركائِبي مشدودَةٌ برحالي
لا تَطنُزي بي يا حَبيبُ فَإِنَّني ... عَجِلٌ لِمَن يَهوى الفِراقَ زَوالي
كَم مِن خَليلٍ قَد رَفَضتُ فَلَم يَجِد ... بَعدي لموضِع سِرِّهِ أَمثالي
أَبدى القَطيعَةَ ثُمَّ راجَع حِلمَهُ ... بَعدَ استِماعِ مقالَةِ الجُهّالِ
إِنّي امرؤٌ أَصِلُ الخَليلَ وَإِن نأى ... وَأَذُبُّ عَنهُ بِحيلَةِ المُحتالِ
مَن يُبلِني بالوُدِّ يَوماً أجزِهِ ... بِالقَرضِ مِثلَ مثالِه بِمِثالي
فَصِلي حَبيبَتَنا وَإِلا فاِصرمي ... أَعرِف وَتَقصُرُ خُطوَتي وَسُؤالي
واعصي الوُشاةَ فَقَد عَصَيتُ أَقارِبي ... وَوَصَلتُ حَبلَكِ واِرعوى عُذّالي
مَن تُكرمي أُكرِم ومن يَكُ كاشِحاً ... يَعلَم وَراءَكِ بالمَغيبِ نِضالي
بَل كَيفَ أَهجُركم وَلَم تَرَ مِثلَكُم ... عَينَيَّ في حَرَمٍ وَلا إِحلالِ
أَنتِ المُنى وَحَديثُ نَفسي خالياً ... أَهلي فِداؤُكِ يا حَبيبُ وَمالي
هَل أَنتِ إِلّا ظَبيَةٌ بخَميلةٍ ... أَدماءُ تَثني جيدَها لِغَزالِ
تُسبي الرِّجالَ بِذي غُروبٍ بارِدٍ ... عَــــذبٍ إِذا شــــرعَ الضَّجيعُ زُلالِ
كالأُقحُوانِ يَرِفُّ عَن غِبِّ النَّدى ... في السَّهلِ بَينَ دَكادِكٍ وَرِمالِ
وَإِذا خَلوتَ بِها خلوتَ بِحُرَّةٍ ... رَيّا العِظامِ دَميثَةٍ مِكسالِ
نِعمَ الضَجيعُ إِذا النُّجومُ تغوَّرَت ... فــــي كُــــلِّ لَيلَةِ قرَّةٍ وَشمالِ
تُصبي الحَليمَ بعينِ أَحوَر شادِنٍ ... تَقرو دوافِعَ رَوضَةٍ مِحلالِ
وَبواضِحِ الذِّفرى أَسيلٍ خَدُّهُ ... صَلتِ الجَبينِ وفاحمٍ مَيّالِ
وَبِمعصَمٍ عَبلٍ وَكفّ طَفلَةٍ ... وَروادفٍ تَــــحتَ النِّطاقِ ثِقالِ
أَسَدِيَّةٌ يَسمو بِها آباؤُها ... في كُلِّ يَومِ تَفاخُرٍ وَنِضالِ
بَينَ القصيرَةِ وَالطويلَةِ بَرزَةٌ ... لَيسَت بِفاحشَةٍ وَلا مِتفالِ
كالشمسِ أَو هِي أَسوى إِذ بَدَت ... في الصَّحوِ غِبّ دُجُنَّةٍ وَحِلالِ
إِن تُعرِضِي عَنّا حَبيبُ وَتَبتَغي ... بَدلاً فَلَستُ لَكُم حَبيبُ بقالي
هَــــل كانَ ودُّكِ غَيرَ آلٍ لامِعٍ ... يَغشى الصُّوى وَيَزولُ كُلَّ مَزالِ
قَد كانَ في حِجَجٍ مضينَ لِعاشِقٍ ... طَلَبٌ لِغانيَةٍ وَطولُ مِطالِ
أَسَئِمتِ وَصلي أَم نَسيتِ مَودَّتي ... إِيّاكِ في حِجَجٍ مضينَ خَوالِ
إِلا يَكُن وُدّي يُغيِّرهُ البِلى ... وَالنأيُ عَنكِ فَإِنَّ وُدَّكِ بالي
مَنَّيتِني أُمنيَّةً فَتَرَكتُها ... وَرَكبتِ حالاً فاِنصرفتُ لِحالي
يا صاحِبَيَّ قِفا عَلى الأَطلالِ ... أَسَلِ الديارَ وَلا تَرُدُّ سُؤالي
عَن أَهلِها إِنّي أَراها بُدِّلَت ... بقَرَ الصَّريمَةِ بَعدَ حَيّ حلالِ
قَد كُنتُ أَحسِبُ أَنَّني فيما مَضى ... مَن يَسلُ أَو يَصبِر فَلَستُ بِسالي
تَمشي الرئالُ بِها خَلاء حولَها ... وَلَقَــــد أراهــــا غَيرَ ذاتِ رِئالِ
فَسَقى مساكِنَ أَهلِها حَيثُ اِنتوَت ... صَوبُ الغَمامِ بواكِفٍ هَطّالِ
رَدَّ الخَليطُ جِمالَهم فَتَحَمَّلوا ... لِلبَينِ بَعدَ الفَجرِ والآصالِ
وَحَدا ظعائِنَهم أَجَشُّ مشَمِّرٌ ... ذو نيقَةٍ في السيرِ وَالتَّنزالِ
رَفَعوا الخُدورَ عَلى نَجايبَ جِلَّةٍ ... مِــــن كُــــلِّ أَغــــلبَ بــــازِلٍ ذَيّــــالِ
مُتَدافِعٍ بالحملِ غَيرَ مواكِلٍ ... شَهمٍ إِذا اِستَعجلته شِملالِ
يَرمي بِعَينيهِ الغُيوبَ مُفَتَّلٍ ... رَحبِ الفُروجِ عُذافِرٍ مِرقالِ
طَرَقَت حَبيبَةُ وَهيَ فيهم موهنِاً ... إِنَّ المُــــحِبَّ مُخالِطُ الأَهوالِ
فاِشتَقتُ وَالرجلُ المُحِبُّ مُشَوَّقٌ ... وَجَرى دُموعُ العَينِ في السِّربالِ
لَم تَسرِ لَيلَتها حَبيبَةُ إِذ سَرَت ... إِلا لتَشغَفَنا بطَيفِ خَيالِ
أَنّى اِهتَديتِ لفتيَةٍ غِبَّ السُّرى ... قَد خَفَّ حِلمُهُم مَعَ الإِرمالِ
متوسِّدي أَيدي نَواعِجَ ضُمَّرٍ ... مُــــتَــــضَــــمِّناتِ سآمةٍ وَكَلالِ
وَضعوا رِحالَهُم بخَرقٍ مجهَلٍ ... قَمنٍ مطالِعُهُ مِن الإِيغالِ
تَرمي خيامَهُم شَمالٌ زَعزَعٌ ... وَتَطيرُ بَينَ سَوافِلٍ وَعَوالِ
مِن كُلِّ ممهولِ اللبانِ مقَلِّصٍ ... ذي رونَقٍ يَعلو القيادَ طِوالِ
يَرقى وَيَطعَنُ في العِنانِ إِذا اِنتَهى ... منه الحَميمُ وَهَمَّ بالإِسهالِ
لأياً بلأيٍ ما ينالُ غُلامُنا ... مِــــنهُ مَكانَ مُعَذَّرٍ وَقَذالِ
في ضُمَّرٍ لَم يُبقِ طولُ قيادِنا ... مِنهنّ غَيرَ جَناجِنٍ ومحالِ
يَردينَ في غَلَسِ الظَلامِ عَوابِساً ... صُعرَ الخُدودِ تَكَدُّسَ الأَوعالِ
وَيُرينَ مِن خَلَلِ الغُبارِ إِذا دَعا ... داعي الصَباحِ كَأَنَّهُنَّ مَغالي
وَالمَشرَفيَّةُ كُلُّ أَبيَضَ باتِرٍ ... مِنها وآخَرُ مُخلَصٍ بِصِقالِ
إِذ لا تَرى إِلا كَميّاً مُسنَداً ... تَحتَ العجاجِ مُلَحَّبِ الأَوصالِ
وَالخَيلُ عَقرى بَينَ ذاكَ كَأَنَّما ... بِنُحورِها نَضحٌ مِن الجِريالِ
لِلطَّيرِ مِنها وَالسِّباعِ ذَخيرَةٌ ... في كُلِّ مُعتَركٍ لَها وَمَجالِ
تُدني رِجالاً مِن مَواطِنَ عِندَها ... أَجرٌ وَمُنقَطِعٌ مِن الآجالِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- بطال: بطل: بَطَل الشيءُ يَبْطُل بُطْلًا وبُطُولًا وبُطْلاناً: ذَهَبَ ضَياعاً وخُسْراً، فَهُوَ بَاطِل، وأَبْطَله هُوَ. وَيُقَالُ: ذَهَبَ دَمُه بُطْلًا أَي هَدَراً. وبَطِل فِي حَدِيثِهِ بَطَالَة وأَبْطَلَ: هَزَل، وَالِاسْمُ البَ … (لسان العرب)
- بنوال: نول: اللَّيْثُ: النائِل مَا نِلْت مِنْ مَعْرُوفِ إِنسان، وَكَذَلِكَ النَّوَال. وأَنَالَهُ مَعْرُوفَهُ ونَوَّلَه: أَعطاه مَعْرُوفَهُ؛ قَالَ الشَّاعِرُ: إِنْ تُنَوِّلْهُ فَقَدْ تَمْنَعُهُ، ... وتُرِيهِ النَّجْمَ يَجْرِي با … (لسان العرب)
- تقتل: قتل: القَتْل: معروف، قَتَلَه يَقْتُله قَتْلاً وتَقْتالاً وقَتَل به سواء عند ثعلب، قال ابن سيده: لا أَعرفها عن غيره وهي نادرة غريبة، قال: وأَظنه رآه في بيت فحسِب ذلك لغة؛ قال: وإِنما هو عندي على زيادة الباء كقوله: سُودُ ا … (لسان العرب)
- خلطت: خلط: خَلَطَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يَخْلِطُه خَلْطاً وخَلَّطَه فاخْتَلَطَ: مَزَجَه واخْتَلَطا. وخالطَ الشيءَ مُخالَطة وخِلاطاً: مازَجَه. والخِلْطُ: مَا خالَطَ الشيءَ، وَجَمْعُهُ أَخْلاطٌ. والخِلْطُ: وَاحِدُ أَخْلاطِ الطِّ … (لسان العرب)
- صرمتك: صرم: الصَّرْمُ: القَطْعُ البائنُ، وَعَمَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْقَطْعُ أيَّ نَوْعٍ كَانَ، صَرَمَه يَصْرِمُه صَرْماً وصُرْماً فانْصَرَم، وَقَدْ قَالُوا صَرَمَ الحبلُ نَفْسُه؛ قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: وكنتُ إِذَا مَا الحَب … (لسان العرب)
- فيء: في حرف خافض، وهو للوعاء والظرف (*) وما قدر تقدير الوعاء. تقول: الماء في الإناءِ، وزيدٌ في الدار، والشكُّ في الخبر. وقد يكون بمعنى عَلَى كقوله تعال (ولاصلبنكم في جذوع النَّخل) . وزعم يونس أنَّ العرب تقول: نزلت في أبيكَ، … (الصحاح)