مَن لَيسَ بِالباكي وَلا المُتَباكي
الشاعر: أبو اسحاق الألبيري · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر أبو اسحاق الألبيري، من المغرب والأندلس، وتقع في 36 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الكاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَن لَيسَ بِالباكي وَلا المُتَباكي ... لِقَبيحِ ما يَأتي فَلَيسَ بِزاكِ
نادَت بِيَ الدُنيا فَقُلتُ لَها اِقصِري ... ما عُدَّ في الأَكياسِ مَن لَبّاكِ
وَلَمّا صَفا عِندَ الإِلَهِ وَلا دَنا ... منهُ اِمرُؤٌ صافاكِ أَو داناكِ
مازِلتِ خادِعَتي بِبَرقٍ خُلَّبٍ ... وَلَو اِهتَدَيتُ لَما اِنخَدَعتُ لِذاكِ
قالَت أَغَرَّكَ مِن جَناحِكَ طولُهُ ... وَكَأَنَّ بِهِ قَد قُصَّ في أَشراكي
تَاللَهِ ما في الأَرضِ مَوضِعُ راحَةٍ ... إِلّا وَقَد نُصِبَت عَلَيهِ شِباكي
طِر كَيفَ شِئتَ فَأَنتَ فيها واقِعٌ ... عانٍ بِها لايُرتَجى لِفَكاكِ
مَن كانَ يَصرَعُ قِرنَهُ في مَعرَكٍ ... فَعَلَيَّ صَرعَتُهُ بِغَيرِ عِراكِ
ما أَعرِفُ العَضبَ الصَقيلَ وَلا القَنا ... وَلَقَد بَطَشتُ بِذي السِلاحِ الشاكي
كَم ضَيغَمٍ عَفَّرتُهُ بِعَرينِهِ ... وَلَكَم فَتَكتُ بِأَفتَكِ الفُتّاكِ
فَأَجَبتُها مُتَعَجِّباً مِن غَدرِها ... أَجزَيتِ بِالبَغضاءِ مَن يَهواكِ
لَأَجَلتُ عَيني في بَنيكِ فَكُلَّهُم ... أَسراكِ أَو جُرحاكِ أَو صَرعاكِ
لَو قارَضوكِ عَلى صَنيعُكِ فيهِمُ ... قَطَعوا مَدى أَعمارِهِم بِقِلاكِ
طَمَسَت عُقولُهُم وَنورُ قُلوبِهِم ... فَتَهافَتوا حِرصاً عَلى حَلواكِ
فَكَأَنَّهُم مِثلُ الذُبابِ تَساقَطَت ... في الأَري حَتّى اِستُؤصِلوا بِهَلاكِ
لا كُــــنتِ مِن أُمٍّ لَنا أَكّالَةٍ ... بَعدَ الوِلادَةِ ما أَقَلَّ حَياكِ
وَلَقَد عَهِدنا الأُمَّ تَلطُفُ بِاِبنِها ... عَطفاً عَلَيهِ وَأَنتِ ما أَقساكِ
ما فَوقَ ظَهرِكِ قاطِنٌ أَو ظاعِنٌ ... إِلّا سَيُهَشَمُ في ثِفالِ رَحاكِ
أَنتِ السَرابُ وَأَنتِ داءٌ كامِنٌ ... بَينَ الضُلوعِ فَما أَعَزَّ دَواكِ
يُعصى الإِلَهُ إِذا أُطِعتِ وَطاعَتي ... لِلَهِ رَبّــــــي أَن أَشُــــــقَّ عَـــــصـــــاكِ
فَرضٌ عَلَينا بِرُّنا أُمّاتِنا ... وَعُــــــقـــــوقُهُـــــنَّ مُـــــحَـــــرَّمٌ إِلّاكِ
ما إِن يَدومُ الفَقرُ فيكِ وَلا الغِنى ... سِيّانُ فَقرُكِ عِندَنا وَغِناكِ
أَينَ الجَبابِرَةُ الأُلى وَرِياشُهُم ... قَد باشَروا بَعدَ الحَريرِ ثَراكِ
وَلَطالَما رُدّوا بِأَردِيَةِ البَها ... فَتَعَوَّضوا مِنها رِداءَ رَداكِ
كانَت وجوهُهُمُ كَأَقمارِ الدُجا ... فَغَدَت مُسَجّاةً بِثَوبِ دُجاكِ
وَعَنَت لِقَيّومِ السَماواتِ العُلا ... رَبِّ الجَميعِ وَقاهِرِ الأَملاكِ
وَجَلالِ رَبّي لَو تَصِحُّ عَزائِمي ... لَزَهِدتُ فيكِ وَلَاِبتَغَيتُ سِواكِ
وَأَخَذتُ زاديَ مِنكِ مَن عَمَلِ التُقى ... وَشَدَدتُ إيماني بِنَقضِ عُراكِ
وَحَطَطتُ رَحلي تَحتَ أَلوِيَةِ الهُدى ... وَلَمّــــا رَآنــــي اللَهُ تَحتَ لِواكِ
مَهلاً عَلَيكِ فَسَوفَ يَلحَقُكِ الفَنا ... فَــــتُــــري بِــــلا أَرضٍ وَلا أَفــــلاكِ
وَيُعيدُنا رَبٌّ أَماتَ جَميعَنا ... لِيَكونَ يُرضي غَيرَ مَن أَرضاكِ
وَاللَهِ ما المَحبوبُ عِندَ مَليكِهِ ... إِلّا لَبيبٌ لَم يَزَل يَشناكِ
هَجرَ الغَواني واصِلاً لِعَقائِلٍ ... يَضحَكنَ حُبّاً لِلوَلِيَّ الباكي
إِنّــــي أَرِقتُ لَهُنَّ لا لِحَمائِمٍ ... تَبكي الهَديلَ عَلى غُصونِ أَراكِ
لا عَيشَ يَصفو لِلمُلوكِ وَإِنَّما ... تَصفو وَتُحمَدُ عيشَةُ النُسّاكِ
وَمِنَ الإِلَهِ عَلى النَبِيِّ صَلاتُهُ ... عَدَدَ النُجومِ وَعِدَّةَ الأَملاكِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الكاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- اقصري: قصر: القَصْرُ والقِصَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ: خلافُ الطُّولِ؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: عادتْ مَحُورَتُه إِلى قَصْرِ قَالَ: مَعْنَاهُ إِلى قِصَر، وَهُمَا لُغَتَانِ. وقَصُرَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْصُرُ قِصَراً: خِلَافُ طَالَ؛ و … (لسان العرب)
- المتباكي: تبك: تَبُوكُ: اسْمُ أَرض، قَالَ الأَزهري: فإِن كَانَتِ التَّاءُ فِي تَبُوك أَصلية فَلَا أَدري مِمَّ اشْتِقَاقُ تَبُوكَ، وإِن كَانَتِ التَّاءُ تاءَ التأْنيث فِي الْمُضَارِعِ فَهِيَ مَنْ باكَتْ تَبُوك، وَقَدْ مَضَى تَفْسِي … (لسان العرب)
- بالباكي: البُكا يُمَدُّ ويُقْصَرُ، فإذا مددت أردت الصوتَ الذي يكون مع البكاء، وإذا قَصَرْتَ أردت الدموعَ وخروجها. قال الشاعر [[الشعر لكعب بن مالك الانصاري.]] : بَكَتْ عَيْني وحَقَّ لها بُكاها * وما يُغْني البُكاءُ ولا العَويلُ وب … (الصحاح)
- ببرق: برق: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: البَرْقُ سَوط مِنْ نُورٍ يَزجرُ بِهِ الملَكُ السَّحَابَ. والبَرْقُ: وَاحِدُ بُروق السَّحَابِ. والبَرقُ الَّذِي يَلمع فِي الْغَيْمِ، وَجَمْعُهُ بُروق. وبرَقت السَّمَاءُ تَبْرُق بَرْقاً وأَبْرَقت … (لسان العرب)
- بزاك: بزا: بَزْوُ الشَّيْءِ: عِدْلُه. يُقَالُ: أَخذت مِنْهُ بَزْوَ كَذَا وَكَذَا أَي عِدْلَ ذَلِكَ وَنَحْوَ ذَلِكَ. والبَازِي: وَاحِدُ البُزَاةِ الَّتِي تَصِيدُ، ضَربٌ مِنَ الصُّقور. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَالَ الْوَزِيرُ بازٍ … (لسان العرب)
- جناحك: جنح: جَنَحَ إِليه[[. قوله [جنح إِليه إلخ] بابه منع وضرب ونصر كما في القاموس.]] يَجْنَحُ ويَجْنُحُ جُنُوحاً، واجْتَنحَ: مالَ، وأَجْنَحَه هُوَ؛ وَقَوْلُ أَبي ذُؤَيْبٍ: فَمَرَّ بالطيرِ مِنْهُ فاحِمٌ كَدِرٌ، ... فِيهِ الظِّب … (لسان العرب)