لا عينَ يَبْقى منَ الدنيا ولا أثرَا

الشاعر: الأعمى التطيلي · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر الأعمى التطيلي، من المغرب والأندلس، وتقع في 55 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لا عينَ يَبْقى منَ الدنيا ولا أثرَا ... فكيفَ تسمَعُ إن دُكَّتْ وكيف تَرَى

حسبُ الفتى نظرةً في كلِّ عاقبةٍ ... لولا تمنُّعُهُ عَنّتْ له نَظَرا

ما أشبهَ الموتَ بالمحيا وأجدرَ مَن ... لا يعرفُ الوِردَ أن لا يعرف الصَّدرا

أعدَّ زادَيْكَ من قولٍ ومنْ عَمَلٍ ... إنَّ المُقامَ إذا طال اقتضى السَّفرا

وافرُغْ لشانيك من قولٍ ومن عملٍ ... كلٌّ سيجري مَداهُ طالَ أو قَصُرا

وسلْ عن الناسِ هل صاروا مَصيرَهُمُ ... فما أظنُّكَ ممنْ يجهلُ الخبرا

قضيتُ حاجة نفسي غيرَ مشكلة ... في الموتِ لم أَقْضِ من علمٍ بها وطرا

أدنو إليها فتنأى لا تلوحُ سوى ... لبسٍ من الظنِّ لا عُرْفاً ولا نُكُرا

وقد أصيحُ بمثل النفسِ من شَفَقٍ ... ودونها ما يفوتُ السمَ والبصرا

هيهات أعياكَ ما أعيا الزمانَ فلا ... تَرْتَبْ وإنْ تستطعْ فاقدرْ كما قدرا

يا منْ رأى البرقَ بات الليلُ يكلؤُهُ ... كأنه من ضُلوعي مُشبِهٌ سَعَرا

نازعتُهُ السُّهدَ حتى كدتُ أَغلبُهُ ... والليلُ عنديَ قد أَوْفَى بما نَذَرا

والنجمُ حيرانُ منْ أَيْنٍ ومن ضَجَرٍ ... فلو هوى أو عَدا مجراه ما شَعَرا

والصبحُ يطلبُ في جُنْح الدجى خَلَلاً ... يَلوحُ منه ولو أَلفاه ما جسرا

مُزْجَىً أحمُّ النواحي كلما عَرَضَتْ ... له الرُّبى باتَ يُغْشِيهَا ربىً أُخَرا

من كلِّ وطفاءَ لم تكذِبْ مخيلتُها ... لو أنها شيمةٌ للدهر ما غدرا

سَدَّتْ مهبَّ الصَّبا أعجازُ ريقها ... عن سُدْفَةٍ دونها من هوله غررا

بحرٌ ولا شكَّ إلا لمعَ بارقةٍ ... يكاد يَفْرَقُ منها كلما خَطَرا

قد طبَّقَ الأرضَ منها عارضٌ غَدِقٌ ... ما غضَّ من طله أنْ لم يكنْ مَطرا

إذا انتحى بلداً أَبْصَرْتَ ساحتَه ... كأنَّهـــ وجهُ معروفٍ إذا شُكِرا

فذاك أسْقِي به قبراً بقرطبةٍ ... شهدتُهُ فرأيتُ الفضلَ قد قُبرا

قبرٌ تضمَّنَ من آلِ الربيع سناً ... شمسٍ توارتْ تروقُ الشمسَ والقمرا

قبرٌ تركنا به العليا مغمَّسَةً ... ما بين قَسْوَةِ أحجارٍ ولين ثرَى

قبرٌ تركنا به روضَ المنى خَضِلاً ... والشمسَ طالعةً والدمعَ منهمرا

فقلْ لطلاّبِها والسائلين لها ... ولو حَثَوْنا عليها الأنجمَ الزُّهُرا

سحُّوا عليه سجالَ الدمع مُتْرَعَةً ... فربما انشقَّ عما يفضحُ الزَّهَرا

وآبْكُوا به كعبةً أمسَتْ مناسكُها ... ساكنةَ القبر لا حِجْراً ولا حَجَرا

ولا تخافُوا عليها أن تضيعَ به ... فإنما هو جَفْنٌ وهي فيه كرى

بالنسك إذ كلُّ أرْضٍ روضةٌ أُنُفٌ ... حُسْناً وكلُّ سماء حُلّةٌ سِيَرا

بالحِلْمِ حينَ نَطيشُ الهُضْبُ من نَزَقٍ ... وَتَسْقُطُ الشهبُ من آفاقِها ضَجَرا

بالجودِ إذ لا تُوَاسي العينُ ناظرَهَا ... ولو أتَى يَجْتَديها السمعُ والبصرا

يا حسرةً ملأتْ صدرَ الزمانِ أسىً ... أَمْسَى وأصْبَحَ عنها ضيّقاً حَصِرا

زالتْ جبالُ سروري مِنْ مَواضِعِها ... واستشعرَ الخوفَ منها كلُّ ليثِ شرى

وزالتِ الأرض أو زَلَّتْ بساكنها ... هَبي فقد كاد يَمْضي الليلُ وابتدري

مداكِ منه فلو يَسْطيعُ لابتدرا ... وكم أصاخَ المُصَلَّى لو شعرتِ به

إلى تــــلاوتِــــك الآيــــاتِ والسُّوَرَا ... وكم أتاهُ العَذارَى يلتقطْنَ به

من دَمْعِ أجفانِكِ المرجانَ والدُّرَرَا ... وَفينَهُ كُنْهَهُ وانظمنها سُبَحاً

فربما ذُمَّ بعضُ الحَلْي أو حُظِرَا ... وإن أبيتنَّ إلا عِقْدَ غانيةٍ

فامنحنهُ الحُوْرَ لا نَمْنَحْنَهُ البَشَرا ... من كلِّ مكنونة كالدرّ آنسةٍ

تَضْحَى بَهَاءً وإنْ لم تَبْرَحِ الخُمُرا ... لمن تركتِ اليتامى إذ تَرَكْتِهِمُ

شُعْثَ المفارقِ لا ماء ولا شجرا ... حَوْلي ذَرَاكِ وكانوا يلبثونَ به

لا تَبْعَدِي أو فلا يَبْعَدْ ذراكِ ذرا ... يا حاملي نعشها أنَّى لخَطْوِكُمُ

فقد حملتمْ به أُعجوبةً خَطَرا ... ضَعُوه يحْمِلُهُ من ههنا نَفَسٌ

يُورِي الحنينَ ودمعٌ يُغْرِقُ الذكرا ... قد أُزْلِفَتْ جنةُ الفردوسِ واطَّلَعَتْ

جاراتُكِ الحورُ يستهدينكِ الأثرا ... وبتنَ منتظراتٍ والمدى أمَمٌ

وقلَّ ما باتَ مسروراً مَنِ انتظرا ... هلِ الحياةُ وإنْ راقتْ بشاشَتُها

إلا الغمامُ تَسَرّى والخيالُ سرى ... أما الحياءُ فشيءٌ أنتَ غايتُهُ

وإن تَغَاضَى جهولٌ أو إنِ ائْتَمَرا ... استبقِ قلبكَ إنْ قلبُ الأريبِ هفا

وكفَّ دَمْعَكَ إنْ دَمْعُ اللبيبِ جرى ... وعاودِ الصبرَ يوماً منك تحظَ به

فكم وَسَمْتَ به الآصالَ وَالبُكَرا ... وكن كَعَهْديَ والألبابُ طائشةٌ

والبيضُ تَلْتهمُ الهاماتِ والقِصرا ... وللرَّدى مــــأربٌ فــــي كــــلِّ رابــــئةٍ

وقد دعا الجَفَلى داعبه والنَّقرى ... لا تنسَ حظّكَ منْ حُسْنِ العزاء فما

أبديتَ في مثلها جُبْناً ولا خَورَا ... لم آتِ قاصي ما أوْسعْتُها هممي

من السُّمودِ ولكن جئتُ معتذرا ... عبدٌ أتى تالياً إذ لم يجدْ فَرَطاً

لعله حينَ لم يحججْ قد اعتمرا

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • بالمحيا: حيا: الحَيَاةُ: نَقِيضُ الْمَوْتِ، كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ لِيُعْلَمَ أَن الْوَاوَ بَعْدَ الْيَاءِ فِي حَدِّ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: عَلَى تَفْخِيمِ الأَلف، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي عَنْ قُطْرُب: أَن أَهل الْيَمَنِ ي … (لسان العرب)
  • تمنعه: مَنَعَ: المَنْعُ: أَن تَحُولَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشَّيْءِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَهُوَ خلافُ الإِعْطاءِ، وَيُقَالُ: هُوَ تحجيرُ الشَّيْءِ، مَنَعَه يَمْنَعُه مَنْعاً ومَنَّعَه فامْتَنَع مِنْهُ وتمنَّع. وَرَجُلٌ مَنُو … (لسان العرب)
  • سيجري: سجر: سَجَرَه يَسْجُرُه سَجْراً وسُجوراً وسَجَّرَه: ملأَه. وسَجَرْتُ النهَرَ: ملأْتُه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ؛ فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ فَقَالَ: مُلِئَتْ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَلَا وَجْهَ لَهُ إِلا أَ … (لسان العرب)
  • صاروا: صأر: صَوْأَرٌ: مَوْضِع عاقَر فِيهِ سُحَيم بْنُ وَثِيلٍ الرِّيَاحِيُّ غَالِبَ بْنَ صَعْصَعَة أَبا الفَرَزْدَق فَعَقَرَ سُحَيم خَمْساً ثُمَّ بَدَا لَهُ وعَقَرَ غالِب مِائَةٍ؛ قَالَ جَرِيرٌ: لَقَدْ سَرَّني أَنْ لَا تَعُدَّ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • ضاحكٌ عن جُمانْ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة