من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٥١ وقالت امرأةٌ من الأعراب
من بني عمرو بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. واسمها برة بنت الحارث، ترثي ابناً لها. أنشدها الأصمعي:
يا عمرو، ما بي عنك من صبريا عمرو، يا أسفا، على عمرو
لله، ما عمرٌو، وأي فتًىكفنت، ثم وضعت، في القبرِ؟
أحثو التراب، على مفارقهوعلى غرارة وجهه، النضر
حين استوى، وعلا الشباب بهوبدا، منير الوجه، كالبدرِ
وأقام منطقه، فأحكمهوروى، وجالس كل ذي حجرِ
ورجا أقاربه منافعهورأوا شمائل ماجدٍ، غمرِ
وأهمه همي، فساورهوغدا، مع الغادين، في السفر
تعدو، به، شقاء سلهبةٌمرطى الجراء، شديدة الأسر
تثب الخبار، به، ويقدمهافلجٌ، يقلب مقلتي صقر
كيف التعزي، عنك، يا عمروأم كيف لي، يا عمرو، بالصبر؟
ربيته عصراً، أفنقهفي اليسر، أغذوه، وفي العسر
حتى إذا التأميل، أمكننيفيه، قبيل تلاحق الثغر
أدبته، تأديب والدهسعد، أبيه، أبي أبي نصر
وجعلت، من شفقي، أنقلهفي الأرض، بين تنائفٍ، غبر
أدع المزارع، والحصون، بهوأحله، في المهمه، القفرِ
أبني الرواق، على أريكتهليقيل، دون الشمس، في ستر
ما زلت أصعده، وأحدرهمن قتر موماةٍ، إلى قتر
هرباً به، والموت يطلبهحيث انتويت، به، ولا أدري
حتى دفعت به، لمضجعهسوق العتير، يساق للعترِ
ما كان إلا أن حللت بهودنا، فأغفى، مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسي، فمال بهوسن يساور، منه، كالسكر
والقوم صرعى، بين أرحلهملكأنما ثملوا، من الخمر
إذ راعني صوتٌ، نبهت، لهوذعرت، منه، أيما ذعر
فإذا منيته، تساورهقد كدحت، في الوجه، والنحر
وإذا له علزٌ، وحشرجةٌمما يجيش به، من الصدرِ
والموت يقبضه، ويبسطهكالثوب، عند الطي، والنشرِ
فدعا لأنصره، وكنت لهمن قبل ذلك، حاضر النصر
فعجزت، عنه، وهي راكبةٌبين الوريد، ومدفع السحر
فمضى، وأي فتى فجعت بهجلت مصيبته، عن القدر؟
لو قيل: تفديه، بذلت لهنفسي، وما جمعت، من وفرِ
أو كنت مقتدراً، على عمريآثرته بالشطر، من عمري
أحنى، عليه، الدهر كلكلهمن ذا يقوم، لكلكل الدهر؟
قد كنت، لي، عضداً إلى عضديويداً وظهراً، لي، إلى ظهري
قد كنت لي ذخراً، أسر بهفأرى الزمان عدا، على ذخري
قد كنت ذا فقرٍ إليك، فعزنيربي، عليك، وقد رأي فقري
لو شاء ربي كان متعنيبابني، وشد بأزره أزري
بنيت عليك، بني، أحوج ماكنا إليك، صفائح الصخر
لا يبعدنك الله، يا عمروإما مضيت فنحن بالإثر
هذي سبيل الناس، كلهملا بد، سالكها، على صغر
أولا تراهم، في ديارهميتوقعون، وهم على ذعر؟
والموت يوردهم، مواردهقسراً، فقد ذلوا، على القسر
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع