من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٤٩ وقال النمر بن تولب
قال أبو بشر عوج: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي - تيم قريش، كان مولى لهم -: قال النمر بن تولب العكلي، وكان شاعر الرباب في الجاهلية. وإنما سموا الرباب، لأنهم لما تحالفوا غمسوا أيديهم في رب. وجمع الرب الرباب. وقول آخر: سموا رباباً، لتجمعهم كما جمعت القداح ربابتها. وهي جلدة تلف على القداح في الحفير. حتى إذا أراد الحرضة أن يضرب بها غطى يده بتلك الربابة، ثم أخرج القداح. وإنما يلف يده، لئلا يعرف مس قدح، له فيه هوى، فيحابي فيه والرباب: العهد. قال الشاعر:
ويغشيها الأمان ربابها
وكان النمر من الأسخياء، لم يمدح، ولم يهج. وأدرك الإسلام وهو كبير، فجعل يهذي: أصبحوا الراكب، أنزلوا الضيف.
قد قلت، إذ قامت من الليل: اسمعيسفه تبيتك الملامة، فاهجعي
روى عوج: "سفهاً". ويروى: "قالت، لتعذلني، من الليل اسمع". قال أبو بشر عوج: يقول: سفه بك أن تهيجي ملامة ليلاً. قال الأصمعي: "اسمعي" أي: اسمعي ما يقال لك.
لا تجزعي، لغدٍ، وأمر غدٍ لهوتعجلين الشر، ما لم تمنعي!
ويروى: "وكل غدٍ له". قال عوج: أي: لكل غدٍ أمر. أنت الآن في خير، فلم تعجلين الشر، ما لم تمنعي من ذاك، ويصاح عليكِ. إن لم يكن على رأسك مانعٌ فأنت واقعة بشرٍ. أي: تلوميني.
قامت تباكى، أن سبأت، لفتيةٍزقّاً، وخابيةً، بعودٍ مقطعِ
"
سبأت" الخمر، فأنا أسبؤها سبئاً، إذا اشتريتها وسبأته النار تسبؤه سبئاً، إذا أحرقته. وقول امرئ القيس:
فقالت: سباك الله ...
أي: أذهبك الله، إلى غربةٍ. وجاء السيل بعودٍ سبًى أي: غريب، جليبٍ من بلد آخر. وسأبت من الشراب أسأب منه سأباً، إذا شربت منه. ويقال للزق العظيم: السأب. وجمعه سؤوب. وسبأت الرجل سبئاً، وسأبته سأباً، إذا أنت جلدته، فقشرت جلده. وسبأ يمين كاذبة، يسبأ عليها سبئاً، إذا حلف عليها، كاذباً. وسأبت الرجل أسأبه، وسأته أسأته إذا خنقته. و"العود": الجمل الكبير، عود تعويداً. وقد خرجه لبيد مخرج عاد يعود، في قوله:
لن تفنيا خيرات أربد، فابكيا، حتى تعودا
أي: حتى تكونا عودين، هرمين. و"المقطع": الذي قد ذهب ضرابه، أو أقطعه الإيضاع. أي: لامته فيما لا خطر له.
وقريت، في مقرى، قلائص أربعاًوقريت بعد، قرى، قلائص أربعِ
"وقريت، في مقرى، قلائص أربعاً" أي: نحرتهن فأطعمتهن، ولم يمنعني. وقد قريت في أربع قلائص بعدهن. وأضاف "القلائص" إلى "الأربع". والقلائص: جمع قلوص. وهي التي لم تحمل، فيسترسل بطنها. فهي مقلصته.
أتبكيا، من كل شيءٍ، هينٍ؟سفه بكاء العين، ما لم تدمع
قال عوج: "سفهٌ بكاء العين" أي: لو كنت حزينةً كان أعذر لك. قال الأصمعي: إذا دمعت العين فذلك حزن. وإذا جعلت تباكى فذلك تباكٍ. ويقال: دَمَعتِ العين تدمع. ولا يقال: دَمِعت.
لا تجرعي، إن منفسٌ أهلكتهوإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
قال الأصمعي: يريد لا تجزعي. إن أهلكت عظيماً. وإنما أهلكت صغيراً. ولكن أجزعي، عند موتي، إذا مت.
وإذا أتاني إخوتي فذربهميتعللوا، في العيش، أو يلهوا معي
لا تطرديهم، عن فراشي، إنهلا بد، يوماً، أو سيخلوا مضجعي
هلا سألت، بعادياء، وبيتهوالخل، والخمر، الذي لم يمنع
قال أبو بشر عوج: "هلا سألت بعادياء، وبيته" أي: هلا سألت عنه - الباء في موضع عن - وما أصابه من البلاء، بعد الأمن، حتى تعتبري. فعادياء لم يبق، فأنا لا أبقى. قال عوج: وقال الأصمعي: "الخل والخمر" بتسكين الميم. الخل: الشر. والخمر: الخير. يقال للرجل: ما هو بخل ولا خمر، أي: هو لا شر عنده، ولا خير. وقال أبو عبيدة: الخل: العداء. والخمر: الأدم. وقالا في قوله "لم يمنع" أي: والأمر الذي أتيح له. قالا: وإنما قال يمنع" ولم يقل "يمنعا"،
لأنه إذا تكلم عن واحد فهو عليهما، وعلم ما يعني. قال الأصمعي: هلا سألت عن عادياء، وعن حصانة منزله - فجعل الباء الزائدة في موضع عن - وهلا سألت أيضاً عن خيره، عند أودائه، وشره عند أعدائه، كيف لم ينفعاه، فيردا عنه الموت؟ ولم يكن يعرف ما تفسير عادياء. غير أنه كان يقول: هو أبو السموءل بن عادياء اليهودي، ومنزله تيماء.
قال عوج: أصاب الأصمعي وأبو عبيدة، في سائر البيت، وأخطأا في الخل والخمر، حين سكنا الميم، من "الخمر" وقالا ما قالا. إنما الرواية "الخمر" بفتح الميم. يريد: الأشجار التي دون منزله، والطرق التي لا يقدر أحد على أن يسلكها، فتخطاها إليه الموت، حتى أصابه. ثم جمع ذلك كله فقال: "الذي لم يمنع" بنصب الياء لا بضمها. ومن رواها "التي لم تمنع" نصب التاء أيضاً. وإنما سميت الشجر، إذا كثرت، خمراً لأنها تغطي الأرض. وسميت الخمر خمراً لأنها تخمر العقل، تغطيه. وخمار المرأة: ما غطى رأسها، قال طرفة:
سأحلب عنساً صحن سمٍ، فأبتغيبه جيرتي، إن لم يجلوا لي الخمر
وفي كتاب الأمثال "اليوم خمرٌ، وغداً أمر" أي: اليوم لهو، وغداً جد.
قال أبو زكرياء: "تمتع": ترفع. من قولهم: متع الضحى، أي: ارتفع. قال: ولم يرفع عادياء مائدته، ولا خمره، إلى أن هلك. فيقول: فعادياء لم يمنعه ذلك فأنا أحرى ألا يمنعني قليل ما أبذل. كأنه جعل عادياء أسوته.
وفتاتهم، عنزٍ، عشية آنستمن بعد مرأى في البلاد ومسمع
روى عوج: "عشية أبصرت". يريد هلا سألت بعنز التي كانت باليمامة، وهي الزرقاء، وما أتى عليها فسيأتي علي مثله. قال الأصمعي: "وفتاتهم" يريد: طمساً وجديساً، وكنى عن أسمائهم، وتوهم أنهم قد عرفوا، حين أضاف "عنزاً" إليهم، كما قال حسان بن ثابت:
وكلاهما حلب العصير ...
يريد: الخمر والماء, ولم يقدم للماء ذكراً. إلا أنه قال في ذكر الخمر "قتلت"، فتوهم أنه قد فهم عنه أنها لا تقتل إلا بالماء. و"آنست":
أبصرت. (آنست ناراً): أبصرت. وقول النابغة:
على مستأنس، وحد
يريد: حماراً نظاراً متشوفاً. وروى عوج: "من بعد مرأى، في الفضاء" أي: في الفضاء من الأرض.
قالت: أرى رجلاً، يقلب نعلهأصلاً، وجوٌّ آمنٌ، لم يفزع
قال عوج: "وجو آمن" اللفظ على [البلد، والمراد] أهل البلد، مثل (واسأل القرية). وقال الأصمعي: "آمن" يريد: الموضع، لم يفزع أهله. وكان تبع، من التبابعة، غزا طمساً وجديساً، وكانت لهم جارية تسمى عنزاً، وكانت من أبعد خلق الله بصراً - وهي التي ذكرها النابغة في قصة الحمام - فخاف تبع أن تراهم، فتنفر الحي، فأمر الرجال أن يقتلعوا الشجر من أصولها، ويسيروا بها، ليوهموا من رآهم أنهم شجرٌ، ففعلوا. فلما كانوا على مسيرة يومين نظرت العنز إليهم، فرأت فيهم رجلاً يسير، وينهش عرفاً، من اللحم - ويقال. كان يخصف نعله - فقالت: يا قوم،
أترون الأرض يمشي شجرها؟ فكذبوها، فقالت: أرى رجلاً يخصف نعله، أو ينتهش كتفاً. وهما على الناظر، من البعد، سواء. فكذبوها. فصبحهم تبع ذو حسان - ويقال: ذو آل حسان - وأخذ العنز، فاقتلع عينيها، فأصاب فيهما عروقاً سوداً، ويقال: حمراً. وهي - زعموا - أول من اكتحل بالإثمد. ويقال: إن النساء صواحب أبصاراً، والرجال أصحاب أسماعٍ. وقد ذكرها الأعشى في شعره، فقال:
قالت: أرى رجلاً، في كفه كتفٌأو يخصف النعل، لهفي، أيةً صنعا؟
فكأن صالح أهل جوٍّ، غدوةً،صبحوا، بذيفان السمام، المنقع
قال أبو بشر: كأن صالح أهل الجو صبحوا بسمٍ، فالآخرون أسوأ حالاً. ومثله "تذهل الشيخ عن بنيه". فإذا أذهلت الشيخ فهي لغيره أذهل.
كانوا كأنهم من رأيت، فأصبحوايلوون زاد الراكب، المتمتع
"
يلوون" كما يلوي الغريم بالدين، أي: يدافع به، ويماطل. أي: إن طلب منهم كان فيهم مطلبٌ، ولم يكن عندهم سهلاً. و"المتمتع": المزود. قال: والزاد: المتاع. قال القطامي:
فمن يكن استذم، إلى ثويٍّ،فقد أحسنت، يا زفر، المتاعا
كانت مقدمة الخميس، وبعدهارقص الركاب، إلى الصباح، بتبعِ
أي: كانت تلك النظرة، والذي رئي، أي: المنظور إليه. "الخميس": الجيش. "رقص الركاب بتبع" الرقص: ضربٌ من السير.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع