من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٥٠ وقال النمر بن تولب أيضاً
سلا، عن تذكره، تكتماوكان، قديماً، بها مغرما
يقال: "سلا عن" كذا وكذا، يسلو سلواً. وبعض العرب يقول: سليت أسلى. قال رؤبة:
لو أشرب السلوان ما سليت
ورواها الأصمعي: "صحا عن تذكره". و"تكتم" امرأةٌ. يقال: صحا القلب، إذا انكشف عنه غيه. وأصحت السماء إذا انكشف غيمها.
وأقصر، عنها، وآياتهايذكرنه داءه، الأقدما
"آياتها": علامات منزلها، وآثارها. و"داؤه" ههنا: حبه إياها.
وأوصي الفتى، بابتناء العلاء: ألا يخون، ولا يأثما
ويلبس، للدهر، أجلالهفلن يبني الناس ما هدما
"أجلاله" يريد: ثيابه. هذا مثل قولهم:
البس، لكل حالةٍ، لبوسهاإما نعيمها، وإما بوسها
يقول: إذا وضع كل شيء موضعه لم يبرم الناس ما ينقض. وقال أبو بشر: يريد: أنه إن ضيع لم يكن الناس يبنون شرفه، إذا كان هو يهدمه.
وأحبب حبيبك، حباً، رويداًلئلا يعولك أن تصرما
قوله: "يعولك" يريد: يشق عليك، ويغلبك. يقول: لا تفرط في حب، ولا بغض. ويروى عن أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب،
صلوات الله عليه، أنه قال: "أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون عدوك يوماً ما. وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيباً يوماً ما".
وأبغض بغيضك بغضاً، رويداًإذ أنت حاولت أن تحكما
"تحكم" أي: تكون حكيماً. وقوله "بغضاً رويداً" أي: في رفق، أي: لا تفرط، وتتجاوز.
وإن أنت لاقيت في نجدةٍفلا يتهيبك أن تقدما
قال أبو بشر: "نجدة": قتال. قال طرفة:
تحسب الطرف عليها نجدةًيا لقومي، للشباب، المسبكر
يقول: من لينها، وتخاذل أوصالها، ورخوصتها، إذا أرادت أن تطرف كان الطرف عندها قتالاً، أي: كأنها تعالج منه قتالاً، أو شدةً. والمعنى: أنها تطرف بمشقةٍ. يقول: لا يمنعك هول الشدة من أن تقوم بما يجب عليك. ومعنى "فلا يتهيبك أن تقدم" أي: فلا تتهيب أن تقدم.
قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب. تقول: عرضت الناقة على الحوض، أي: عرضت الحوض على الناقة. وهذا ثوب لا يقطعني أي: لا أقطعه أنا. وأنشد:
وتشقى الرماح، بالضباطرة، الحمر
أي: وتشقى الضباطرة الحمر بالرماح.
فإن المنية من يخشهافسوف تصادفه، أينما
قال الأصمعي: "المنية": القدر. قال الهذلي:
حتى تلاقي ما يمني، لك، الماني
أي: يقدر لك المقدر. قال أبو بشر. وقوله "أينما" يريد: أينما ذهب.
وإن تتخطأك أسبابهافإن قصاراك أن تهرما
قال الأصمعي: "تتخطاك": تجوزك إلى غيرك. و"أسبابها": التي تفلت من مثلها. وقول آخر: أسبابها: حبائلها. واحدها سبب، وجمع سبب: أسباب. جعل للمنية حبائل كحبائل الصائد، التي تكون في الشرك، كما قال لبيد:
حبائلها مبثوثة، بسبيلهويفنى، إذا ما أخطأته الحبائل
أي: وإن لم يمت هرم، ففني. وقال الأصمعي "فإن قصاراك" أي: فإنك مقصور على الهرم، فهو أكبر الغم، يزهد في العيش. ومثله قول حميد بن ثور:
وحسبك داء أن تصح، وتسلما
يريد: وحسبك بما يؤدي إلى الهرم، والخرف، داءً.
ولو أن من حتفه ناجياًلألفيته الصدع، الأعصما
يريد: فلو أن أحداً يفلت من حتفه - و"الحتف": الأجل - "لألفيته" أي: لأصبته "الصدع". وهو الوعل الخفيف اللحم. ومثله رجل ضرب أي: ممشوق مخفف. و"الأعصم": الذي في يده بياضٌ. وجمعه عصم.
بإسبيل، ألقت به أمهعلى رأس ذي حبك، أيهما
يروى: "ذي حبك، أقتما" من القتمة. وقوله "إسبيل" قال خلف الأحمر: قال اليماني:
لا أرض إلا إسبيلوكل أرض تضليل
أي: إسبيل خير الأرضين. "ألقت به" الباء زائدة، يريد: ألقته. قال الله ﷿: (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون) أي: أيكم. وأنشد لأوس:
وألقى بأسبابٍ، له، وتوكلا
قال: و"الحبك" طرائق فيه.
إذا شاء طاله مسجورةًترى حولها النبع، والسأسما
"مسجورة": عين مملوءة. وقوله: "تكون لأعدائه مجهلا" يعني: العين. يقول: من كان يطلبه فهو يجهلها. وأراد بقوله "وكانت له معلما" ل"الصدع" أي: هو يعلمها. قال: يريد: ارتفع في الجبل، حتى صار النبع وسأسم ينبتان تحته. وأنشد:
من فوقه أنسرٌ، سودٌ، وأغربةٌوتحته أعنز كلفٌ، وأتياس
تكون، لأعدائه، مجهلاًمضلاً، وكانت له معلما
سقتها رواعد، من صيفوإن من خريفٍ فلت يعدما
"سقتها" أي: سقت هذه المسجورة. وإن يكن مطر خريفٍ فلن يعدم الماء. يعني: الصدع.
أتاح، له، الدهر ذا وفضةٍيقلب، في كفه، أسهما
قال الأصمعي: "أتاح له الدهر": قدر له، وبعث الله، تعالى، عليه من رماه، فلم يغن عنه موضعه شيئاً. و"الوفضة": الجعبة. وجمعها: وفاضٌ. قال عوج: "يقلب في كفه أسهما" أي: يروزها، أيها يضعه في قوسه؟
فأرسل أهزع، من كفهوما كان يرهب أن يكلما
"أهزع": سهم يقال: ما في كنانته أهزع، أي: سهم واحد. وقوله "وما كان يحذر" يعني: الوعل. أي: كان آمناً. ويرهب": يخاف. و"يكلم" يجرح. يقال: كلمه يكلمه كلماً، إذا جرحه.
فريغ الغرور، على قدرةٍفشك نواهقه، والفما
قوله "فريغ الغرور" أي: سهماً، فريغ الغرور أي: مفرغ. والغرور: الحدود. واحدها: غر، وهو حد النصل. وقوله "على قدرةٍ" أي: اقتدار. و"الناهقان": عظمان، يبدوان من الدابة، إذا كان عتيقاً. وهما أسفل من عينيه، بين العينين والأنف. وروى الأصمعي "فشك شواربه" وهي: العروق التي في حلقه، يشرب فيهن الماء.
فظل شبيباً، كأن الولوع كان، بصحته، مرغما
"شبيباً": يشب، وينزو في السماء، حين أصابه السهم. وروى أبو عبيدة:
فظل الشبوب كأن الولوع كان، بصحته، مغرما
قال: و"الولوع": اسم من أسماء الدهر: ومعنى قوله في الرواية الأخرى، التي تقدمت قبل رواية أبي عبيدة: أن الدهر أولع به، حتى صابه. وقوله "مرغم" أي: كأنه كان يعيش على رغم أنفه. ومعنى أرغم الله أنف فلانٍ، أي: أعثره الله، حتى يصير أنفه في التراب. والتراب: الرغام.
وأدركه ما أتى تبعاًوأبرهة، الملك، الأعظما
أي: وأدركه الموت الذي أدرك تبعاً قال: وكان تبع في الجاهلية
مثل الخليفة في الإسلام. وإنما اشتقوا له اسماً من تبع يتبع، فقالوا له: تبع. وقوله "وأبرهة" يعني: أبرهة الأشرم.
لقيم بن لقمان من أختهفكان ابن أخت، له، وابنما
قال: كان لقمان، أبو لقيم، رجلاً عادياً شديداً، وكانت له أخت مثله في الشدة. فقالت أخته لامرأته: إنك تضوين فقفليني له الليلة - أي أرسليني منا تفعل الجند من المغزى - بهيئتك، وتغيبي أنت عنه. ففعلت، فجاءته في هيئة امرأته، ليلاً، فوقع بها فأحبلها. فلما كان الليلة الأخرى أتى امرأته فقال: "هذا الليلة حر معروف". فأرسلها مثلاً. وقد كان أنكر ليلته الأولى. وولدت أخته لقيماً. وكان مثله في الشدة. وإنما ضربه النمر مثلاً.
ليالي حمق، فاستحصنتإليه، فغر بها، مظلما
فأحبلها رجلٌ نابهٌفجاءت به، رجلاً، محكما
قوله: "نابهٌ" أي: ذو صيتٍ. ونباهة: رفعة. و"محكم": حكيم. يقول: أحبلها لقمان، فجاءت بلقيمٍ.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع