من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
٤٣ وقال عامر بن معشر
ابن أسحم بن عدي بن شيبان بن سويد بن عذرة بن منبه بن نكرة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس. وهذه القصيدة تسمى "المنصفة". وقال الأصمعي: هي للمفضل النكري.
ألم تر أن جيرتنا استقلوا؟فنيتنا، ونيتهم، فريق
الأصمعي: يروى: "أحقاً أن جيرتنا استقلوا". قال يزيد: أكان هذا حقاً. "فريق" أي: متفرقة، كقول ذي الرمة:
ولا يفرق شعباً، واحداً، شعب
يقول: ما ننوي وينوون متفرق. ويقال: له فرقة من مالٍ، أي: قطعة.
فدمعي لؤلؤٌ، سلسٌ عراهيخر على المهاوي، ما يليقُ
"عراه": خروقه. صار سلساً. يريد: يتحدر دمعي تحدر اللؤلؤ. و"المهاوي": المواضع التي يهوي فيها. وأصل المهواة: الهواء بين الجبلين. "ما يليق" ما يثبت.
على السربال، إذ شحطت سليمىفأنت بذكرها صبٌّ، مشوق
فودعها، وإن كانت أناةًمبتلةً، لها بشرٌ، رقيق
الأصمعي: "لها خلقٌ أنيق". "الأناة": الحليمة. والأني: البطيء الغضب. و"المبتلة": السبطة الخلق، لم يركب بعض خلقها بعضاً.
تلهي المرء، بالحدثان، لهواًوتحدجه، كما حدج المطيقُ
ويروى: "تلهي المرء بالحدثان" وهو جمع حديث، كالثميل والثملان. يقول: هي تلهي المرء بحديثها لهواً. قال: ومثل حديثٍ وحدثان: ظليم وظلمان. و"تحدجه": تشد عليه الحدج، من غلبتها عليه. و"المطيق": البعير الذي يطيق الحمل. ويقال: تحمل عليه الذنب. يقال: حدجني ذنب غيري، أي: حمله علي.
فإنك لو رأيت، غداة جئناببطن كراء، ضاحيةً، نسوق
لقينا الجهم، ثعلبة بن سيرٍأضر، بمن يجمع، أو يسوقُ
لدى الأعلام، من تلعات طفلٍومنهم من أضح، به، الفروق
"أضح به": برز به.
فحوط، عن بني عمرو بن عوفٍ،وأفناء العمور بها، شقيق
"
حوط": حاطهم "شقيق" لأنه كان رئيسهم. ويقال: حوط: تنحى عنهم. وقول بشر مثله:
فحاطونا القصاء، وقد رأوناقريباً، حيث يستمع السرار
وقال قوم: إن الشقيق موضع. وقوله "وأفناء العمور بها شقيق" أراد: "أفناء العمور بالشقيق. فقال: بها شقيق.
فداءٌ خالتي، لبني حييٍّخصوصاً، يوم كس القوم روقُ
"خصوصاً" أي: يخصهم خصوصاً. وقوله: "يوم كس القوم روق" أي: يكلحون، فيرن الأكس - وهو القصير الأسنان - كأنه أروق. وهو الطويل الأسنان. يريد الثنايا. ومثله:
إذا الرماح [أخرجت] أقصى الفم
ومثله:
وإذا ما الأكس شبه بالأروق عند الهيجا، وقل البصاق
هم صبروا، وصبرهم تليدعلى العزاء، إذ بلغ المضيقُ
"
تليد": قديم. و"العزاء": الشدة.
وهم دفعوا المنية، فاستقلتدراكاً، بعد ما كادت تحيقُ
"المنية" يريد: الحرب. "دراكاً" أي: مداركة. ويروى: "رفعوا المنية" بالراء، أي: رفعوا الراية، وتحتها الموت. "تحيق": تحيط بهم كلهم.
وهم علوا الرماح، وأنهلوهاإذا خام المهللة، البروق
"علوا الرماح": سقوها الشربة الأولى. و"أنهلوها": سقوها، بعد ذلك، نهلاً. و"خام": فتر. و"المهللة": الجبان. "البروق": الذي يبرق ولا يمضي.
تلاقينا، بسبسب ذي طريفٍوبعضهم، على بعض، حنيق
"حنيق" من الغيظ. ويروى: "بغينة ذي طريف".
فجاؤوا، عارضاً برداً، وجئناكمثل السيل، أن به الطريق
يقول: جاؤوا، بمنزلة العارض "البرد". وهو الذي فيه البرد. "أن": ضاق، فسمعت له مثل الأنين، أي: صوتاً، يشبه الأنين.
رمينا، في وجوههم، برشقٍتغص به الحناجر، والحلوق
"الرشق": الوجه. والرشق المصدر. ومعنى قوله "تغص به" أي: يشجيهم.
كأن النبل، بينهم، جرادٌتصفقه شآميةٌ خريقُ
"تصفقه": تكفئه، وتجيء به. يقول: رمى هؤلاء وهؤلاء، فكان الرمي بينهم كأنه جراد.
وجدنا السدر خماناً، ضعيفاًوكان النبع معقده وثيق
"خماناً" أي: ضعيفاً. أي: قسي "السدر". وقال الأصمعي: بل عنى الأحساب، ف"النبع" هم ذوو الأحساب، و"السدر":
الدخلاء والموالي. والأول أجود القولين، لأنه قد ذكر بعده القنا والسيوف. الأصمعي: "وجدنا السدر خماناً" و:"خواراً". قال: يقول: الذين لقيناهم كانوا نبعاً، مثلنا. قال: ومثله:
فلما قرعنا النبع، بالنبع، بعضهببعضٍ، أبت عيدانه، أن تكسرا
وألفينا القنا، حيناً، خؤوناًوأما المشرفي فلا يليق
وبسلٌ ما ترى، فيهم، كمياًكبا ليديه، إلا فيه فوقد
قال: "ما": صلة. و"بسل" ههنا: حرام. أي: كانه محرم عليهم ألا يوجد، منهم، إلا هكذا.
يقلقل صعدةً، جرداء، فيهانقيع السم، أو قرنٌ محيقُ
ويروى: "نقيع السم، والموت المحوق". وهو: الماحق. وكانت
العرب إذا لم تجد أسنة جعلوا قروناً. و"محيق": قد حدد. وقال الأصمعي: طعن سمير بن ربيعة الفارس وردفه بقرنٍ محيقٍ، فائتطمهما.
فألقينا الرماح، وكان ضرباًمقيل الهام، كل ما يذوق
أي: كل يذوق. و"ما": صلة. "مقيل الهام" أي: في مقيل الهام. "كل ما يذوق" أي نحن وهم. ومن ثم سميت: المنصفة.
وجاوزنا المنون، بغير نكسٍوخاظي الجلز ثعلبه دميق
خاضوا الموت، بقائدٍ، غير نكسٍ. وروى الأصمعي: "وحاوطت المنون بكل نصل*وخاظي" يريد: حاوطت المنون هذه القبيلة بكل سيف. و"خاظي": رمح غليظ. و"دميق": داخل، اندمق النصل، فدخل إلى أقصى الجلز. يقول: قد أحكم تركيبه.
كأن هزيزنا، لما التقينا،هزيز أباءةٍ، فيها حريق
"الهزيز": [الصوت]. وروى الأصمعي: "هرير".
بكل قرارةٍ، منا ومنهم،بنان فتًى، وجمجمةٌ فليقُ
بكل قرارةٍ، غادرن خرقاًمن الفتيان، ملبسه رقيق
ويروى: "مبسمه رقيق" أي: هو حدث، وضاح الثنايا، رقيقها.
فكم من سيدٍ، منا ومنهم،بذي الطرفاء، منطقه شهيقُ!
أي: انقطع كلامه، إلا الشهيق.
فأشبعنا السباع، وأشبعوهافراحت، كلها تئقٌ، يفوق
تركنا الطير عاكفةً، عليهمفللغربان، من شبعٍ، نغيق
فأبكينا نساءهم، وأبكوانساءً، ما يسوغ، لهن، ريق
يجاوبن النياح، بكل فجرٍفقد صحلت، من النوح، الحلوق
تركنا الأبيض، الوضاح، منهمكأن سواد لمته العذوق
ويروى:
قتلنا الحارث، الوضاح، منهمفخر، كأن لمته العذوق
ومثله: "كأن لمته من الكروم" أي: العناقيد. ومثله: "وجه كأنه الدنانير" أي: الدينار.
تعاوره رماح بني حييفزل، كأنه سيفٌ، ذلوق
يقول: خر [من] على فرسه، كأنه سيف، من حسنه. ومثله قول الضبي:
فخر على الألاءة، لم يوسدكأن جبينه سيفٌ، صقيل
وقد قتلوا، به منا، غلاماًكريماً، لم تأشبه العروق
وسائلةٍ، بثعلبة بن سيرٍوقد علقت، بثعلبة، العلوق
قال: لم يستأثر فيها، إلا بقتل هذا الرجل، في هذا البيت.
فظل يخالس المذقات، فيمايقاد، كأنه جملٌ، ربيق
ويروى: "يساور المذقات". يقول: شره، حتى صار هكذا. وهذا عيبٌ، أن يكون أسيره يجوع.
وأفلتنا ابن قرانٍ، جريضاًتمر به مساعفةٌ، مزوق
ويروى: "خزوق" أي: تشق الأرض.
تشق الأرض، شائلة الذنابىوهاديها كأن جذعٌ، سحوق
قوله: "تشق الأرض شائلة الذنابى" أي: نكباء، تمد بذنبها فهو أشد لعدوها.
فلما استيقنوا، بالصبر، مناتذكرت العشائر، والحديق
يقول: لما صبرنا تذكر أهله، فهرب.
فأبقينا، ولو شئنا تركنالجيماً لا تقود، ولا تسوق
وأنعمنا، وأبأسنا، عليهملنا، في كل أبياتٍ، طليقُ
ويروى: "فأصبحنا لنا فضل عليهم".
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع