من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الثالث والثلاثون في استحلال المحارم وارتكاب الكبائر
ديك الجن:
بها غيرَ معذولٍ فداوِ خُمارَهاوصِلْ بعُلالاتِ الغَبوقِ ابتكارَها
وباكِرْ من الأوزارِ كلَّ كبيرةٍإذا ذُكرَتْ خافَ الحفيظانِ نارَها
ابن هرمة:
قد يُدركُ الشرفَ الفتى ورداؤُهُخلَقٌ وجيبُ قميصِهِ مرقوعُ
إمّا تَريْني شاحباً مُتبذّلاًفالسيفُ يَخلُقُ غِمدُهُ ويضيعُ
ولَرُبَّ ليلةِ لذةٍ قد بِتُّهاوحرامُها بحلالِها مجموعُ
أبو نواس:
دعْ عنكَ ما جدّوا بهِ وتبطّلِوإذا لقيتَ أخا الحقيقةِ فاهزلِ
لا تركبَنَّ من الأمورِ خَسيسَهاواعمدْ إذا قارفْتَها للأنبلِ
وخطيئةٍ تغلو على مُستامِهايلقاكَ آخرُها بطعمِ الأولِ
حلّلتُ، لا حرجاً عليَّ، حرامَهاولربّما وسّعتُ غيرَ مُحلَّلِ
المُفجّع البصريّ:
لعمري لئنْ حلَّ المشيبُ بلمَّتيلقدْ كانَ ما أحللتُ بالشيبِ أعظما
سلِ الشيبَ هلْ وقّرتُهُ في خطيئةٍوهلْ جُزتُ حُوباً أو تجاوزتُ مَحرَما
ومن الشعراء المشهورين بالشراب السيد الحميري، وكان يصيبه على كل حال، لا يتحاماه مبيتاً ومقيلاً، ولا يتحاشاه رنقاً وممتلئاً حتى ولّد الحمى في كبده، والصفارَ في لونه، واليرقان في عينيه مداومته له ومعاقرته إياه صرفاً بلا مزاج، وبحتاً بلا شَوب، وصار مُصفارّاً ممراض الجسم، مُسقامّ البدن، مستهلَك القوى، محلول العصب، وهو أحد الشعراء الأربعة المطبوعين الذين اختارهم أبو عثمان الجاحظ؛ وما رويت له شيئاً في نعت الخمر. وروى عبد الله بن المعتز أن أربعةً من الشعراء سارت أسماؤهم بخلاف أفعالهم: فأبو العتاهية سار شعرع بالزهد وكان على الإلحاد، وأبو نواس سار اسمه باللواط وكان أزنى من قرد، وأبو حكيمة الكاتب سار شعره بالعنة وكان أهبّ من تيس، ومحمد بن حازم سار شعره بالقناعة وكان أحرص من كلب.
وقد رويت لابن حازم خبراً يُخالف حكاية ابن المعتز ويوافق شعره؛ والأشعار إذا وردت مورداً صحيحاً مع سلامة الحال دون البواطن أو قهر قاهر جرت مجرى أخبار التواتر في إيجاب العلم، ولا سيما مع اختلاف البلدان، وبذلك لا يُستدل عليه إلا بما ورد في الخبر: إن انقضاض الكواكب أحد الأدلة على معرفة مبعث النبي ﷺ، وليس يستدل عليه إلا بما ورد في الأشعار، وليس يتضمن شعر جاهلي ذكر الانقضاض، وأما في شعراء الإسلام المخصوصين فكثير.
وأما حديث محمد بن حازم فإنه لما شاع هجاؤه في ابن حميد، وكان في محلّته نازلاً ساءت حاله فتحول عن جواره، فبلغ ابن حميد ذلك، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وتُخوت ثيابٍ وفرسٍ بآلاته ومملوكٍ وجارية، وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم ذو الأدب يحمله ظَرفُهُ على نعت الشيء بغير هيئته، وتبعثه قدرته على وصفه بخلاف حليته، ولم يكن ما شاع من هجائك جارياً إلا هذا المجرى. وقد بلغني من سوء حالك، وشدة خَلّتِك ما لا غضاضة به عليك من كبَر همتك، وعظم نفسك، ونحن شركاء فيما ملكنا، ومتساوون فيما تحت أيدينا وقد بعثتُ إليك بما جعلته، وإن قلّ، استفتاحاً لما بعده وإن جلّ إن شاء الله والسلام. فردّ ابن حازم جميعه ولم يقبل منه شيئاً، وكتب إليه:
وفعلتَ بي فعلَ المهلَّبِ إذْكعمَ الفرزدقَ بالندى الغَمرِ
فبعثتَ بالأموالِ تُرغِبنيكلاّ وربِّ الشفعِ والوَترِ
لا ألبسُ النعماءَ من رجلٍألبستُهُ عاراً على الدهرِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع